إلى روح نهلة.. من ينقذ أطفال سوريا؟

إلى روح نهلة.. من ينقذ أطفال سوريا؟

مشاهدة

12/05/2021

قتلت الطفلة نهلة عثمان، بنت الخمس أو ست سنوات، من الجوع والعطش والتهاب في الكبد، إضافة إلى أمراض أخرى، والقاتل هو أبوها، وشركاؤه في الجريمة كثيرون؛ إذ بيَّن مركز قرية كللي الإعلامي أنّ أباها كان يقيدها بالسلاسل ويحبسها في قفص حديدي، على مرأى ومسمع من سكان المخيم.

يقول أحدهم: المجتمع الذي يتستر على العيوب هو مجتمع منتج للعيوب، والمجتمع الذي يتستر على الجريمة هو مجتمع منتج للجريمة، المجتمعات الصغيرة المغلقة، كالعائلات والعشائر، وحارات القرى وأحياء الحواضر، ربما تكون هي الأكثر تستراً؛ والمخيمات عموماً ومخيمات النازحين واللاجئين السوريين خصوصاً مجتمعات مغلقة ومسوَّرة، وتفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الحياة الآدمية، وتتستر على الجريمة. فبعد عشر سنوات من حرب قذرة تحولت سوريا كلها إلى "مخيمات" تحرسها وتنظم الحياة فيها أجهزة مخابرات وميليشيات مسلحة، سورية ولبنانية وعراقية وأفغانية وشيشانية وإيرانية وروسية ... إلخ الدول الميليشياوية. الملاذ الآمن لصناعة المخدرات ملاذ آمن للجريمة.

 

قتل "نهلة" بهذه الطريقة الوحشية، جزء من الكارثة السورية ومن كارثة "الشيخ جراح" و...، فملايين البشر تُقتل بغير ذنب، والأمم المتحدة تُعبر عن قلقها اتجاه الإنسان والإنسانية

 

تقول منظمات دولية: سوريا من أكثر البلدان خطراً على حياة الأطفال والطفلات، ومن البلدان الخطرة على حياة النساء، والأكثر حمية لغسل العار بدمائهن. سوريا من البلدان الأكثر خطراً على حياة الصحفيين، والأكثر خطراً على حياة الشابات والشباب ممن يتطلعون ويتطلعن إلى حياة إنسانية كريمة. وتقول الأمم المتحدة إنّ 90% من الأطفال السوريين يحتاجون إلى مساعدة، وإنّ هناك ثلاثة ملايين ونصف المليون منهم خارج المدارس. ليس لدى الأمم المتحدة إحصاءات عن عدد المشردين والمشردات خارج أسرهم/ـن، ولا عن عدد المعنفين والمعنفات المحبوسين والمحبوسات داخل "أسرهم/ـن".

اقرأ أيضاً: متى تشرف الدولة على النهاية؟

لهذا كله تبدو روح نهلة عثمان المزهقة تفصيلاً صغيراً، وموتها – قتلها يبدو حادثاً من الحوادث اليومية. شكراً للموت لأنه أنقذ الطفلة من معاناتها اليومية، وحررها من السلاسل التي قيدت بها في قفص حديدي. وشكراً للموت مرة ثانية لأنه يفضح المجتمعات التي تتستر على العيوب والجرائم، ويفضح الأسر والمجتمعات والدول، التي لا تحمي أطفالها.

لم يعد الجوع والمرض والتشرد، فقط، من أسباب قتل طفولة الأطفال في سوريا، فثمة سبب خفيّ لا يكشفه إلا الموت، هو التوحش، ولا سيما توحش آباء وأمهات وأقارب وجيران دمرت الحرب أرواحهم، فصاروا عبيداً تابعين لآلات بشرية.

اقرأ أيضاً: "بلاد الجوع أوطاني" ...

نقلت جريدة  "العربي الجديد" عن مصدر محلي أنّ أبا الطفلة، عصام عبد القادر عثمان هو عنصر في هيئة تحرير الشام، وقد بقيت معه الطفلة نهلة بعد طلاق أمها، وقد كبلت بسلسلة حديدية لمدة 5 أشهر، إذ كان والدها يعاملها معاملة سيئة. وأرجع المصدر نفسه تكتم أهالي المخيم على تكبيل الطفلة إلى "الخوف من ردود أفعال انتقامية قد يلجأ إليها أبوها" هذا المجاهد الصنديد. وأكد المصدر ذاته لجريدة "العربي الجديد" أنّ "التهديدات منعت جهات مسؤولة في المخيم من الإدلاء بأية تفاصيل حول الطفلة، خصوصاً بعد نشر صورة لها وهي مكبلة بسلسلة حديدية، وصورة أخرى بعد وفاتها".

نهلة كثيرة الحركة، هكذا قال أبوها. ذكية ومسالمة، هكذا وصفها الجيران في المخيم الذي تسيطر عليه هيئة تحرير الشام، (جبهة النصرة سابقاً) حيث لا قانون يعلو على شريعتها، ولا حتى القانون الإنساني أو العاطفي الذي استلته الحرب من قلوب البشر، والقانون الديني الذي فصّلته الجماعات الجهادية على مقاس مصالحها، وتلبية أهوائها الشخصية.

اقرأ أيضاً: متى ننتقل من إدانة المجرم إلى إدانة الجريمة؟

القاتل المجاهد، عصام عبد القادر عثمان، أبو الطفلة القتيلة ليس المجرم الوحيد في هذه المأساة، والذين كانوا يعرفون ما تعانيه القتيلة من سكان المخيم، ليسوا وحدهم شركاء في الجريمة، هنالك خلف القاتل وشركائه، نظام اجتماعي، ونموذج ثقافي - أخلاقي، وسلطات أمر واقع. قد يعاقب عثمان أشد عقوبة، ولكن مجتمعه سيظل ينتج الجريمة. وربما ينجو بفعلته؛ لأن خلفة هيئة تحرير الشام تسنده وتدافع عنه، وتعاقب كل من يشير إليه ولو بالبنان. هكذا جميع سلطات الأمر الواقع في سوريا وغيرها تحمي مجرميها.

التوحش منقوش تحت جلودنا نحن أبناء البلدان التي تعاني من هدر الكرامة الإنسانية، ومن غياب القانون واعتبار الشرعة العالمية لحقوق الإنسان بدعة صليبية وأداة لتفكيك الأسرة المسلمة وإفسادها. نحن أنتجنا النظامين السياسي والاجتماعي، اللذين يفضيان إلى إدارة سياسية متوحشة تنعكس على المجتمع بردات فعل أشد عنفاً، وأشد توحشاً وأشد تعصباً، وليس في مقدور المنظمات المعنية بحقوق الطفل وحقوق الإنسان؛ سوى إصدار التقارير الصادمة بأنّ العالم العربي مقبل على كارثة إنسانية حقيقية، وأنّ المتسببين بهذه الكارثة ينجون من العقاب. إنّ قتل "نهلة" بهذه الطريقة الوحشية، هو جزء من الكارثة السورية وجزء من كارثة "الشيخ جراح"، وجزء من كارثة اليمن ولبنان والعراق وليبيا، فملايين البشر تُقتل بغير ذنب، والأمم المتحدة تُعبر عن قلقها اتجاه الإنسان والإنسانية.

 

شكراً للموت لأنه أنقذ الطفلة من معاناتها اليومية، وحررها من السلاسل التي قيدت بها في قفص حديدي. وشكراً للموت لأنه يفضح المجتمعات التي تتستر على العيوب والجرائم

 

ليس القانون وحده يحمي الإنسان، وليست حقوق الإنسان وحدها ما يصون الحق في الحياة، بل هناك النظام الاجتماعي والنظام السياسي والنظام الأخلاقي، هذه هي الأركان التي يقوم عليها كل قانون، وكل شرعة عالمية، وكل شريعة دينية، الأخلاق هي الناظمة الأساسية للمجتمع والدولة. فانحدار الأخلاق، لا يعني إلا أنّ السلطات السياسية والدينية سلطات مطلقة، غير قابلة للنقاش أو النقد أو المساءلة والمحاسبة، وغير قابلة للتجديد، كما في المجتمعات المتقدمة، التي تعمل بالقانون الأخلاقي، فتساوي بين مواطنيها ومواطناتها، وتحفظ حق الطفل والطفولة، وتحميه بقوانين ناظمة حتى من العنف الأسري، الذي يُعتبر اللبنة الأولى في بناء العنف وهدم السلام، وهدر الكيان الإنساني. إن ما يستقر في العقل الباطني من سلطة تحكم وتتحكم بالمجتمعات، ومسلّمات عمياء، لحزب من الأحزاب أو جماعة من الجماعات، أو أمة من الأمم، قد يصعب تغييره ما دامت المجتمعات تخضع لذهنية جمعية تؤمن بتلك المسلّمات، ويبدو من الصعب أيضاً أن تقنع ذاك الذهن الجمعي بالتجربة والبرهان، كتجارب المجتمعات التي تفوقت بثقافتها وعلومها على المجتمعات ذات العقائد الجامدة.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تكون الإنسانية هوية العالم اليوم؟

في مجتمع عصام عبد القادر عثمان، قد تبدو قصة "نهلة" تافهة وغير مهمة أمام ما تعانيه المرأة من مشاكل لها جذور عميقة في تراث عريق، يقدس السلطة الأبوية، والتحكم في أفعال الأبناء والبنات، فلا قانون يعلو على قانون الأب، ولا يد تعلو فوق يد المنظومة الدينية التي فصلتها الجماعات الإسلامية على قدها، والتي لا تمت إلى شريعة الله بصلة، ولا لشرعة حقوق الإنسان. التراث يحتاج إلى تنقيح، والدولة استقالت من وظائفها، والمجتمع يعيد إنتاج نفسه مجتمعاً ذكورياً متخلفاً، فمن ينقذ أطفال سوريا؟

الصفحة الرئيسية