إيران وقطر... ما أبرز المرتكزات والمحددات للعلاقة الثنائية؟

إيران وقطر... ما أبرز المرتكزات والمحددات للعلاقة الثنائية؟

مشاهدة

28/07/2021

في كانون الثاني (يناير) 2021 صرّح وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في حديث إلى صحيفة "فاينانشال تايمز" بأنّ علاقات الدوحة بطهران لن تتأثر عقب إتمام المصالحة الخليجية في قمة العُلا المنعقدة حينها، ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة العلاقات الإيرانية-القطرية، وما الأسباب التي قد تدفع لبقائها واستمرارها عند مستويات مرتفعة من التقارب، حتى بعد إتمام المصالحة الخليجية؟

المعزّز الأهم... الجغرافيا والجيوسياسة

تحكم العلاقة الإيرانية-القطرية عوامل عديدة، ويأتي في مقدمتها من حيث الحضور والتأثير الدائم العامل الجغرافي، المتمثل في الجوار والتشارك بالحدود البحرية في مياه الخليج العربي، وهو ما يفرض باستمرار التزامات متعلقة بالحفاظ على التنسيق والترتيبات المتعلقة بمصالح أمنية واقتصادية عدة.

اقرأ أيضاً: واشنطن تغلق 3 قواعد عسكرية في قطر وتنقل قواتها إلى هذه الدولة

ويأتي في مقدمة المصالح المترتبة على هذا الجوار الإدارة المشتركة لموارد الطاقة، مع وجود حقول الطاقة الحدودية المشتركة، وتحديداً حقل "غاز الشمال" الذي يعرف في إيران باسم "فارس الجنوبي"، وهو أكبر حقل غاز طبيعي بالعالم، يقع في الخليج العربي، تتقاسمه كل من قطر وإيران، ويحتوي على ما يقدر بـ (50.97) تريليون متر مكعب من الغاز.

حقل غاز الشمال (فارس الجنوبي) بين قطر وإيران من أهم دوافع التنسيق والتعاون بين البلدين

وعلى صعيد التعاون الأمني، وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2015 وقّعت قطر وإيران اتفاقية تعاون لحماية الحدود المشتركة بين البلدين، وشمل الاتفاق في حينه تفاهمات حول إجراء تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة في مياه الخليج.

تظلّ قطر حريصة على الاحتفاظ بمستوى جيد من العلاقات مع إيران بسبب ما تفرضه محددات الجغرافيا، وفي مقدمتها الاعتبارات الاقتصادية

وبذلك، فإنّ قطر تظلّ حريصة على الاحتفاظ بمستوى جيد من العلاقات مع إيران بسبب ما تفرضه محددات الجغرافيا، وفي مقدمتها الاعتبارات الاقتصادية المتمثلة في حقل الغاز المشترك، ويضاف إلى ذلك الرؤية  القطرية لإيران باعتبارها موازناً إقليمياً في منطقة الخليج، وهو ما يمكّن قطر، وفقاً لهذا المنظور، من الاستمرار في لعب دور أكبر في المنطقة، مع الاحتفاظ بنوع من الهامش يقترن بحفاظها على مسافات متساوية من القوى بالمنطقة، وهو ما لا تتمكن من اكتسابه في حال انضوائها في ظل إحدى القوى الأكبر منها.

تباين وخلافات إقليمية

خلال الفترة ما بين العامين 2011 و2017، ومع تصاعد أحداث ما عرف بـ "الربيع العربي"، برزت التناقضات والخلافات في المواقف بين البلدين فيما يخصّ التطورات الإقليمية، ما انعكس سلباً على العلاقات بينهما، وجاء ذلك على خلفية المواقف المتباينة إزاء تطورات الأحداث في عدد من الدول العربية؛ ففي البحرين شاركت قطر ضمن قوات درع الجزيرة لإنهاء الحراك الاحتجاجي في البحرين، وفي سوريا تباينت مواقف البلدين بشدّة، فبينما دعمت إيران النظام في سوريا، وقدمت له مختلف أشكال الإسناد العسكري، اتجهت قطر، بحكم تحالفها مع تركيا والإسلاميين، لتقديم الدعم بالمال والسلاح والإعلام للفصائل المسلحة المعارضة للنظام، ما جعل البلدين على طرفَيْ نقيض في الأزمة السورية.

وزير الاقتصاد والتجارة القطري يوقع على اتفاقية تعزيز التبادل التجاري الثلاثية في تشرين الثاني 2017

وفي اليمن شاركت قطر ضمن عمليات عاصفة الحزم، وقدمت الدعم والتغطية الإعلامية المؤيدة لعمليات التحالف العربي ضد الحوثيين، حلفاء إيران، وكانت قطر على صلة وعلاقة باستمرار مع حزب الإصلاح، الممثل الأبرز لتيار الإسلام السياسي في اليمن، وهو الحزب الغريم والخصم للحوثيين في الأزمة اليمنية. ولم يبدأ الموقف القطري بالتبدّل من تطورات الأحداث في اليمن إلا بعد وقوع الأزمة الخليجية في العام 2017، وهو ما انعكس مباشرة عبر تبدل التغطية والخطاب الإعلامي لقناة الجزيرة، اللسان الإعلامي المعبّر عن توجهات السياسة الخارجية القطرية، إذ اتجهت إلى تقديم تغطية مناوئة لعمليات التحالف العربي في اليمن، وذلك بعد الانسحاب القطري منه.

حتى العام 2017 كانت العلاقات القطرية-الإيرانية تتسم بالبرود بسبب التوترات نتيجة الاختلاف في المواقف إزاء أحداث "الربيع العربي"

وهو ما يوحي بإمكان تبدّل المواقف وتراجع هذا الاعتبار (الخلافات الإقليمية) فيما يتعلق بتأثيره على العلاقات الإيرانية القطرية، وخصوصاً إذا ما حصل تبدّل وتراجع في الموقف القطري المتشدّد من النظام في سوريا، وهو ما يظلّ مقترناً بتبدل مواقف وسياسات تركيا من الأزمة السورية. وقد برز مؤخراً التعاون بين البلدين على صعيد إدارة مرحلة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، إذ كانت قطر قد استضافت المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، في حين استضافت إيران مفاوضات بين الحركة والحكومة الأفغانية.

تحوّل ومرحلة جديدة... انعكاسات الأزمة الخليجية

حتى العام 2017، كانت العلاقات القطرية-الإيرانية تتسم بالبرود بسبب التوترات نتيجة الاختلاف في المواقف إزاء تطورات وأحداث "الربيع العربي"، وكانت قطر قد سحبت سفيرها من إيران مطلع عام 2016 على خلفية اقتحام السفارة السعودية في طهران.

قاعدة العديد أكبر قاعدة جوية عسكرية في العالم ومقرّ قيادة "السنتكوم"

إلا أنه عقب إعلان المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع العلاقات مع قطر في حزيران (يونيو) عام 2017، كان الخيار القطري هو اللجوء إلى إيران كمنفذ وحيد، وقد وصفته بعض المقالات المنشورة في الصحف القطرية حينها بـ (الرئة التي تتنفس منها قطر)، وذلك إثر إغلاق الدول المجاورة لها الحدود البرية والبحرية والأجواء أمام الحركة القطرية.

اقرأ أيضاً: ما مصلحة قطر من تمويل الحرس الثوري الإيراني؟

سرعان ما انعكس التقارب القطري الإيراني عبر تضاعف أرقام التبادل التجاري بين البلدين، ومن ثم اكتسبت العلاقات الثنائية زخماً أكبر مع توقيع اتفاق ثلاثي، جرى توقيعه بطهران في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، بين كل من قطر وإيران وتركيا، للنقل المشترك بين الدول الـ3 بغرض تعزيز التبادل التجاري بينهم، على أن تكون إيران هي الدولة الوسيط ما بين تركيا وقطر، بحكم موقعها الجغرافي، ويتم بموجب هذا الاتفاق تسهيل نقل البضائع التجارية وتوسيع العلاقات التجارية بين الدول الـ3.

وتزامناً مع هذا التطوّر في العلاقة، سارعت قطر إلى إعادة العلاقات السياسية كاملة مع إيران، وتراجعت وسائل الإعلام المرتبطة بقطر، وخاصة قناة الجزيرة، بشكل ملحوظ عن انتقاد التدخلات الإيرانية في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن.

المعوّق الأبرز... العلاقة القطرية الأمريكية

يأتي جانب من معوقات تطور العلاقات الإيرانية القطرية بسبب كون قطر الدولة المضيفة لأكبر منشأة عسكرية تستضيف القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وهي قاعدة العديد الجوية، أكبر قاعدة جوية عسكرية في العالم، ومقر القيادة المركزية للولايات المتحدة (السنتكوم). وهي بذلك تتصادم مع إيران، التي ترى أنّ الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يمثل تهديداً وخطراً على أمنها ومصالحها.

تحاول قطر اكتساب دور جديد عبر لعب دور الوسيط على صعيد المنطقة، وتولّي مهمّة تحسين علاقات إيران بدول الجوار الخليجية

وقد انعكست العلاقة الأمريكية القطرية على علاقات قطر مع إيران وهو ما ظهر خلال فترة حكم إدارة الرئيس ترامب، وتحديداً بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وتصعيد العقوبات على إيران في مرحلة ما بعد أيار (مايو) 2018، عندما تزايدت الضغوط الأمريكية على قطر بخصوص علاقتها وتقاربها المتزايد مع إيران، وقد تسبب ذلك التقارب في انزعاج أمريكي ومطالبات لقطر بإيقاف علاقاتها مع إيران، إلا أنّ حجة قطر أمام هذه المطالبات كانت أنّ الطيران القطري ليس له مسار آخر إلا عبر الأجواء الإيرانية، والحركة البحرية للسفن الداخلة لقطر والخارجة منها ليس لها طريق كذلك إلا عبر المياه الإيرانية، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى بذل الجهود لحل الأزمة الخليجية، إلى أن جرى التوصل للاتفاق الخليجي خلال قمة العُلا في كانون الثاني (يناير) 2021، وذلك بغرض أساسي يتمثل في خفض هذا المستوى من العلاقات بين قطر وإيران.

أفق جديد محتمل... دور الوساطة

في كانون الثاني (يناير) 2021، وفي مقابلة بثها تلفزيون بلومبرغ الأمريكي، صرّح وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بأنّ بلاده (مستعدة لتسهيل المفاوضات بين إيران والدول الخليجية)، داعياً  الأخيرة إلى (إقامة حوار مع إيران).

وزير الخارجية القطري مع نظيره الإيراني خلال زيارته لطهران في كانون الثاني 2020

جاء هذا التصريح تزامناً مع عقد المصالحة الخليجية الأخيرة في قمة العُلا، وكذلك مع وصول إدارة أمريكية جديدة إلى البيت الأبيض، تحمل تصورات مختلفة إزاء التعامل مع إيران، وتتبنى خيار العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران مرة أخرى؛ وما يترافق مع ذلك من محاولة تشجيع إيران على التقدّم في الحوار عبر القنوات غير المباشرة، والتي يمكن لقطر أن تلعب فيها دوراً، وذلك في سبيل تسوية ملف النفوذ الإيراني في إقليم الشرق الأوسط، وهو ما عبّرت قطر عنه بشكل رسمي عبر تصريحات مشابهة لتصريح محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على لسان مسؤوليها، أكثر من مرّة. وفي زيارته إلى واشنطن في تموز (يوليو) 2021، شدد وزير الخارجية القطري على (الحاجة الماسة إلى حوار مفتوح وشفاف بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران لتحقيق الاستقرار في المنطقة).

اقرأ أيضاً: هل تورطت قطر بتمويل الحرس الثوري؟ كيف ردت أمريكا؟

وبذلك فإنّ قطر تحاول اكتساب دور جديد يضيف الزخم والثقل لسياستها الخارجية، وذلك عبر لعب دور الوسيط وقناة الحوار على المستوى الإقليمي، حيث يمكن من خلالها العمل على خفض التصعيد بالمنطقة وتحسين علاقات إيران بدول الجوار الخليجية، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات بين السعودية وإيران، وهو ما يأتي متزامناً مع تأكيد السعودية وإيران بدء حوار بوساطة من بغداد. ويأتي في هذا السياق محاولة قطر الترويج لـ "مبادرة هرمز" التي قدمتها إيران في العام 2019 وما تزال تروج لها باعتبارها مقاربة للتعاون الإقليمي في منطقة الخليج.

ومع بروز الدور القطري على صعيد التفاوض والوساطة بين إيران من جهة والولايات المتحدة ودول المنطقة من جهة أخرى، وتزامن ذلك مع تزايد التنسيق والتقارب في المواقف بين البلدين إزاء التطورات في ملفات مختلفة من اليمن، إلى فلسطين، وسوريا، وأفغانستان، فإنّ العلاقة بينهما باتت تتجاوز مجرد التعاون الذي يفرضه الجوار، إلى مستوى أعلى من التنسيق في ملفات سياسية على المستوى الإقليمي.

الصفحة الرئيسية