الإخوان المسلمون ولعبة الأواني المستطرقة.. كيف يبحث التنظيم عن بعث جديد؟

الإخوان المسلمون ولعبة الأواني المستطرقة.. كيف يبحث التنظيم عن بعث جديد؟

مشاهدة

18/10/2021

بينما أخذت تنظيمات الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية، مسار الخمول وانسداد العلاقة فيما بينها وبين الشعوب العربية، بعد فشل تجربتها خلال سنوات العقد الماضي، فإنّ ثمة نشاطاً وحضوراً ملحوظاً لهذه التنظيمات، عبر نقاط جغرافية أخرى، تتموضع في آسيا، حيث الدول ذات الأغلبية  الإسلامية، والتي تتميز بتعدد وتباين العرقيات والهويات الدينيّة.

ورغم احتفاظ تنظيمات الإسلام السياسي، بسمات مشتركة على اختلاف أماكن حضورها، إلا أنّ تطور الأحداث السياسيّة خلال العقدين الأخيرين، منح هذه التنظيمات في الدول الآسيوية توجهات في  خطابها، يحتمل الهويات المتباينة لعناصر المجتمع.

 

ساتوشي إيكوتشي: الاستخدام السياسي للدين في الشرق الأوسط، يختلف عن المناطق الأخرى وخاصة شرق آسيا

 

ذلك الأمر عرفته تنظيمات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، عندما أنتج حوارها مع الولايات المتحدة الأمريكية قبولاً لبعض قضايا الحريات، والتطور السياسي والحزبي، وكذا فيما يختص بموقفها من غير المسلمين، وقضايا المرأة، والعلاقات مع اسرائيل .

لعبة الدين والسياسة وصراع القوى

ثمة رؤية مستقرة نحو توظيف كامل ومباشر لثنائية الدين والسياسة، منذ أن اعتمدت الإمبراطورية البريطانية هذا النهج في الهند والقاهرة، خلال عقود القرن التاسع عشر؛ خدمة لأهدافها السياسيّة والاقتصاديّة. هذا النهج استنسخته الولايات المتحدة الأمريكية عبر عقود السبعينيات، وما تلاها؛ كأداة أساسيّة في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي سابقاً.

مثلت هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، نقطة مركزية في الرؤية الاستراتيجية لواشنطن؛ نحو توظيف ورقة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، بغية تحقيق أهدافها، بعيداً عن الأنظمة العربية الحاكمة، آنذاك، التي ارتأتها واشنطن كلاسيكيّة وتقليديّة، وبدا عجزها واضحاً عن احتواء هذه الحركات، فضلاً عن كونها في نظر واشنطن لم تكن الفاعل الوحيد والرئيس، سيما مع ظهور التنظيمات المسلحة، عبر تخوم الإخوان المسلمين، مثلما كان مع القاعدة، التي برز اسمها كمتهم رئيس في هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مناورات عبثية في تونس وتسريحات داخلية في المغرب

على خلفية ذلك، بدأت رحلة الإخوان المسلمين نحو السلطة في الشرق الأوسط، من خلال الرؤية الأمريكيّة، وتناقضات المجتمعات العربية، غير أنّ التجربة فقدت كافة مضامينها، وهوت معها التصورات الأمريكيّة في صياغة الشرق الأوسط، عبر تحركها التكتيكي، من خلال تلك التنظيمات، الأمر الذي دفع واشنطن نحو رفع غطائها السياسي عن التجرية برمّتها، والانطلاق نحو التحديات الراهنة في الصراع مع الصين وروسيا، من خلال بعث ثنائية الدين والسياسة، وتفعيل كافة عناصرها في النقاط الجغرافية الساخنة المتاخمة للدولتين.

 

حلمي زهدي: يجري التمدد السياسي، عن طريق إدراج القيم الإسلاميّة، ضمن المشروع السياسي، عبر الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلاميّة، والشعارات المؤيدة للقضية الفلسطينيّة، وقضية المسلمين في ماينمار

 

أستاذ الدين والأمن العالمي بجامعة طوكيو، ساتوشي إيكوتشي، يرى أنّ المسارات مفتوحة بطبيعة الحال، نحو التأثير المتبادل بين الشرق والغرب، وضرورة العمل بجدية وانضباط؛ للحفاظ على التوازن الصحيح بين ثنائية الدين والسياسة.

يتابع إيكوتشي، حديثه لـ"حفريات"، مؤكداً أنّ الاستخدام السياسي للدين في الشرق الأوسط، يختلف عن المناطق الأخرى وخاصة شرق آسيا، حيث إنّ النصوص الدينيّة في الشرق الأوسط معترف بها كمصدر مطلق في القانون؛ إذ يجبر الإنسان بشكل جماعي على الانصياع للنص، ما يتيح المجال للمتعصبين؛ لاستخدامه كأداة سياسية.

أما في شرق آسيا، فالدين يفهم في المقام الأول على أنّه ممارسة للطقوس، وممارسة للتطهر، أمّا الجانب القانوني متروك للبشر، ولكن على أيّة حال، ثمة قضية ينبغي التمعن في كافة جوانبها، وهي عمق التأثير الذي تمارسه تأويلات النصوص الدينيّة في حياة البشر، ويتم عن طريقها الاستخدام السياسي لصالح القوى المؤثرة، سواء داخلياً أو إقليمياً وحتى دولياً.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون.. هل تحترق الجماعة ذاتياً؟

في سياق العقدين الماضيين، بدا بشكل بارز أنّ منطقة جنوب شرق آسيا، شهدت نمواً سريعاً لحركات الإسلام السياسي، والتي انخرطت بفعالية في الحياة السياسيّة داخل بلادها، مثلما هو حال الجماعة الإسلاميّة في إندونيسيا، والتي تعد أكبر دولة إسلاميّة، وأيضاً في الفلبين، وماليزيا، وبنغلاديش، مع توتر الأوضاع في نقاط أخرى، باسم التمايز والاضطهاد الديني، مثل كشمير التي يتنازع عليها الهند وباكستان، وكذا قضية مسلمي الإيغور في الصين.

 

مهدي عفيفي: واشنطن لا ترغب في توظيف جديد لهذه التنظيمات، في إطار مواجهة أمريكا للصين، حيث ثمة ملفات ساخنة بينهما، سواء كان ذلك في تايوان، أو بحر الصين الجنوبي

 

ويبدو أنّ الإخوان نجحوا في استغلال المناخ الحزبي في إندونيسيا، حيث تتمتع الأحزاب بفاعلية سياسية، في ظل نظام التعددية الحزبية، ووجود أكثر من حزب له أيديولوجيا مختلفة، كما يقول الباحث والمحلل الإندونيسي، الدكتور حلمي زهدي، نائب عميد كلية العلوم الإنسانيّة، في جامعة مولانا الإندونيسيّة، في تصريحاته لـ"حفريات"، وهنا يظهر دور حزب العدالة والرفاهية (PKS) ويمثل تيار الإخوان المسلمين، وحزب الاتحاد والتنمية الإسلامي (PPP)، حيث يجري التمدد السياسي، عن طريق إدراج القيم الإسلاميّة، ضمن المشروع السياسي، عبر الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلاميّة، والشعارات المؤيدة للقضية الفلسطينيّة، وقضية المسلمين في ماينمار، وشتى القضايا السياسيّة الداخلية والخارجية، المتعلقة بالمسلمين، حيث تجد تلك الشعارات تجاوباً في ظل الأغلبية المسلمة كبيرة العدد، ومن هنا تتفكك الفواصل ما بين الأحزاب الإسلاميّة والأحزاب القومية.

احتمالات العودة ومعطيات الانحسار

غير أنّ ثمة آراء أخرى، ترى فقدان الصلة تماماً بين تنظيمات الإسلام السياسي والدول الغربية، التي باتت مقتنعة تماماً أنّ تلك التنظيمات المتطرفة، لا يمكن الاعتماد عليها أو توظيفها سياسياً، وهو ما يراه عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، مهدي عفيفي، حيث يقول إنّ قضية بعث الإخوان المسلمين حول أفغانستان، سواء كان ذلك في إندونسيا أو الفلبين، وكذا في ماليزيا، أمر يعود لاضمحلال تلك التنظيمات في الشرق الأوسط؛ وبالتالي ثمة محاولة للظهور التكتيكي في مناطق أخرى، متاخمة لتحركات سياسيّة وميدانيّة ساخنة؛ بغية لفت النظر، وعرض خدماتهم على الدول الغربية، والولايات المتحدة، بيد أنّ تقديره الخاص، والحديث متصل للباحث الأمريكي، مهدي عفيفي، أنّ واشنطن لا ترغب في توظيف جديد لهذه التنظيمات، في إطار مواجهة الولايات المتحدة للصين، حيث ثمة ملفات ساخنة بينهما، سواء كان ذلك في تايوان، أو بحر الصين الجنوبي، ومن خلال ذلك يستقر الرأي عنده، أنّ تلك التنظيمات المتطرفة تتحرك نحو خلق مساحة حركة وسط الفراغ.

ويستبعد عفيفي عودة الإسلام السياسي إلى الشرق الأوسط، كونه بلغ لحظة النهاية في عدد من دول المنطقة، سيما وأنّ تركيا وقطر، بدأتا تغيران من منحيهما الداعم لتلك التنظيمات، ولذلك فإنّ الحديث عن عودة الإسلام السياسي أمر لن يتم، في تقديره، وربما علينا إدراك أنّ الدول الغربية والولايات المتحدة، ترى أنّ تجربة الإسلام السياسي فاشلة، ولا تحظى حالياً بقبول داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في ليبيا.. كيف بدأت الحكاية؟

من جهته، يرى الباحث المغربي المتخصص في قضايا التطرف والإرهاب، محمد عبد الوهاب رفيقي، أنّه من غير المستبعد توظيف الإسلامويين لكل هذه المعطيات، إضافة لاستغلال العاطفة الدينيّة، وموجة العداء للغرب المنتشرة في هذه المناطق، وإشكالية الأقليات المسلمة في دول بالمنطقة؛ لمحاولة استعادة القوة، وإمكانيّة مساومة وابتزاز الدول الكبرى، التي ترغب في استعمال ورقة تنظيمات الإسلام السياسي، في مواجهة الصين، ما يجعل محاولة عودة هذه التنظيمات للشرق الأوسط بأوجه مختلفة، هو أمر وارد جداً، لا سيما مع دعم ضمان عدد من القوى الإقليميّة والدوليّة، التي تريد الاستفادة من هذا المخزون الاستراتيجي، لضمان مصالحها القومية.

 

محمد رفيقي: من غير المستبعد توظيف الإسلامويين لكل هذه المعطيات، إضافة لاستغلال العاطفة الدينيّة، وموجة العداء للغرب المنتشرة في هذه المناطق

 

ويرى رفيقي أنّ مؤتمر كوالالمبور في العام 2019، والذي تزعمته تركيا وقطر وإيران، إضافة لماليزيا الدولة المستضيفة، وحضرته قيادات من الإخوان المسلمين بالجزائر، والسودان، وموريتانيا، وتركيا، وقطر، كان الغرض منه إعادة تدوير جماعة الإخوان، وسحب البساط من المملكة العربية السعودية، لصالح المثلث التركي القطري الإيراني في تمثيل الإسلام والمسلمين، ولذلك جرى المؤتمر خارج أجندات منظمة التعاون الإسلامي، بهدف إنقاذ مشاريع الإسلام السياسي؛ عبر نقلها إلى مناطق جغرافية أوسع، بها حاضنة يمكنها استيعاب هذه المشاريع. فضلاً عن كون هذه المنطقة قبلة للتيارات الجهادية، بعد اشتداد الخناق عليها بأفغانستان ودول الشرق الأوسط، وأنّها وعت قبل غيرها أهمية المنطقة، واستعملتها بديلاً عن المناطق التقليديّة لهذه التنظيمات، فلذلك تسعى حركات الإسلام السياسي بهذا التوجه، للاستفادة من إرث الحركات الجهادية، ووجود مختلف الجماعات المتطرفة، وهو ما يوفر بيئة مناسبة، للحديث عن المشاريع الأمّمية، والخلافة، والدولة الإسلامية.

ويخلص الكاتب الصحفي الموريتاني،  محمد بشير، بقوله إنّ ثمّة ضرورة نحو الوصول إلى اجتثاث هذا الفكر من الأراضي العربية، عبر الاعتراف بأنّ تمدد الفكر المتطرف مرهون بمدى نجاعة وفاعلية خطط مواجهته، فرغم أنّ المقاربة الأمنية تفرض نفسها عندما يترجم هذا الفكر إلى أفعال مجرمة، وتهديد للسكينة العامة، إلا أنّها غير كافية وحدها، فيجب أن تصاحبها مقاربة، بل مقاربات فكرية وتربوية، ففي موريتانيا، على سبيل المثال، فتحت السلطات، وهيئة العلماء، حواراً مع السجناء السلفيين، كان من نتائجه قيام أغلبهم بعد ما قامت عليهم الحجة الدامغة، والدليل القاطع من الشرع، بمراجعات فكرية شجاعة، لنبذ العنف، وساعدتهم الدولة في الاندماج الاجتماعي مجدداً؛ من خلال تمويل مشروعات اقتصادية متوسطة.

 

محمد بشير: إنّ ثمّة ضرورة نحو الوصول إلى اجتثاث هذا الفكر من الأراضي العربيّة، عبر الاعتراف بأنّ تمدد الفكر المتطرف مرهون بمدى نجاعة وفاعلية خطط مواجهته

 

ويرى بشير أنّه يجب أن تعتمد في الأقطار العربية والإسلاميّة، عدة مقاربات تربوية، تفضح تهافت وزيف التأويلات المحرفة للدين الحنيف، التي يتأسّس عليها الفكر المتطرف، حيث إنّ مخاطر التطرف الديني سياسياً وأمنياً في تراجع، وذلك نتيجة الجهود الحثيثة لمحاربته بطبيعة الحال، ولكن أيضاً لسبب ذاتي مرتبط بالجماعات نفسها، وهو فشل تيارات الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة في عدة بلدان، وهي التي طالما تشدقت بامتلاكها عصا سحرية؛ لتغيير الأوضاع؛ مما أفقدها ثقة الشعوب، وأكثر من ذلك ولّد نقمة ضدها، وحاسبها الناخبون بقسوة، كما حدث في المغرب.



الصفحة الرئيسية