الإمارات في الـ50... ما الفرص والتحديات؟

الإمارات في الـ50... ما الفرص والتحديات؟

مشاهدة

02/12/2021

أشار الكاتب والباحث الإماراتي سلطان سعود القاسمي إلى أنّ الأمم الناجحة تولد من التضحيات الجسيمة التي بُذلت لتحقيق قفزات عملاقة. ولفت إلى ملاحظة جديرة بالتفكر وجعلها عنواناً لمقاله الذي جاء بعنوان "منحنى جيه (J) الخاص بدولة الإمارات"، موضحاً: "في عالم المال، منحنى (J)هو خط اتجاه يتبع فيه الخسارة الأوّلية مباشرة مكاسب دراماتيكية"، منوّهاً في المقال الذي نشرته صحيفة "ذا ناشونال" إلى أنه كثيراً ما يفكّر في هذه الظاهرة عندما يبحث في تشكيل دولة الإمارات العربية المتحدة.

تقديم التنازلات من أجل نجاح أكبر

واستطرد القاسمي قائلاً: "بالعودة إلى عام 1968، عندما اجتمع الآباء المؤسّسون لدولة الإمارات لمناقشة إنشاء الاتحاد، فهموا أنه، من أجل أن يعمل هذا الاتحاد المقترح، يجب على كل منهم تقديم تنازلات: خسارة أوّلية لتحقيق مكسب دراماتيكي. على سبيل المثال، قبل الاتحاد كانت بعض الإمارات تتمتع بعلاقات وثيقة مع دول معينة في المنطقة، بينما كان البعض الآخر ينظر إلى هذه الدول بدرجة من الشك. في غضون أسابيع، كان لا بدّ من مواءمة سياساتهم الخارجية، وكما هو الحال في المواقف الأخرى، وافقوا على تقديم تنازلات". 

ويتابع الباحث: إنّه "من الصعب تصديق المدى الذي وصلت إليه الإمارات. عندما كنت طفلاً، أتذكر أهداف الاتحاد، وفي مقدمتها مستوى معيشي جيد، ومحو الأميّة، وحتى غرس الأشجار (كان العراق هو المعيار بالنسبة إلينا). بعد مرور (50) عاماً أصبحت أهدافنا فلكية، مجازياً وحرفياً". 

 

قبل الاتحاد كانت بعض الإمارات تتمتع بعلاقات وثيقة مع دول معينة في المنطقة، بينما كان البعض الآخر ينظر إلى هذه الدول بدرجة من الشك

ولدى توضيحه لهذا المعنى، يقول زكي نسيبة، المستشار الثقافي الرئاسي ووزير الدولة الإماراتي السابق الذي رافق الشيخ زايد منذ البدايات، في مقال آخر نشرته أيضاً "ذا ناشونال": "وُلدت الإمارات في ظروف محفوفة بالمخاطر. ما تزال لديّ ذكريات حيّة عن مدى صعوبة عمل الشيخ زايد، الأب المؤسّس، عند التعامل مع المراقبين الدوليين والدبلوماسيين. لقد شككوا في أنّ الأمّة التي تصوّرها لديها أيّ من البنية التحتية اللازمة لإقامة الدولة، وكانوا قلقين من الاضطرابات والصراع والعنف في البيئة الإقليمية. ومن وجهة نظرهم، فإنّ اقتناعه بأنّ الاتحاد الفيدرالي سيوفر الرخاء والرفاهية لمواطنيها، وسيحقق السلام والاستقرار لجيرانه، كان مجرّد خيال في غير محله. في عام 1971 كان هناك بالفعل الكثير الذي يتعيّن إنجازه، دفعة واحدة، والبدء من الصفر. ومع ذلك، فإنّ الذكرى الـ50 لتأسيس الإمارات تربك المتشكّكين".

الفرص والتحديات

ويتساءل الباحث القاسمي: "لكن ماذا بعد هذا الاتحاد الذي هو اليوم 50 عاماً؟". وفي محاولة الإجابة يشير إلى ما قاله الشهر الماضي أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، في ملتقى أبو ظبي الاستراتيجي الـ8 الذي عقده مركز الإمارات للسياسات، إذْ قال قرقاش: "إنّ الإمارات العربية المتحدة تقضي وقتاً أطول في التفكير في الشكل الذي ستبدو عليه الأعوام الـ50 المقبلة، أكثر ممّا تقضي في التفكير في الـ50 عاماً الماضية". وفي رأي القاسمي فإنّ "رؤية الإمارات 2071" ربّما تكون مظهراً من مظاهر هذا التفكير المستقبلي. "ومع ذلك، آمل أن يتطلع جيل الشباب إلى الأمام والخلف، ويتعلم من دروس الماضي، بما في ذلك المصاعب والتنازلات التي أدّت إلى خير أكبر. أمنيتي الشخصية للمضي قُدماً هي أن أرى صحافة أكثر حيوية مع خطاب عام مرتفع. ربما يكون ذلك بسبب التقدّم في السن، أو ربما بسبب الخبرة، لكنّني اتفقت مع "المسار التدريجي" الذي وعدت به الإمارات، حيث إنّ هذا المسار إيجابي".

وفي هذا السياق، تحدث الشيخ عبد الله بن زايد، وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي في مقال في "ذا ناشونال" نشره اليوم، عن أنه "عندما تأسّست دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971، لم يكن بإمكان أيّ شخص في العالم أن يتوقع مدى السرعة التي ستتطور بها الأمّة، وتتطور لتصبح الدولة الحديثة والتقدمية والناجحة كما هي اليوم"، مبيّناً: "لم تكن رحلة الإمارات للنجاح سهلة بأيّ حال من الأحوال. استغرق العمل الجاد والتركيز والتفاني منّا الكثير".

 

 الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان: الإمارات تنطلق بإرث من الإنجازات اليوم، نحو الـ50 عاماً المقبلة برؤية استراتيجية شاملة بعيدة المدى، منهجها التميّز والتفرّد والريادة

وفي كلمة بمناسبة اليوبيل الذهبي لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يصادف اليوم، وجّهها رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، أشار إلى أنّ دولة الإمارات تنطلق بإرث من الإنجازات اليوم، نحو الـ50 عاماً المقبلة برؤية استراتيجية شاملة بعيدة المدى، منهجها التميّز والتفرّد والريادة، وأهدافها تأمين مستقبل سعيد وحياة أفضل للأجيال المقبلة، والارتقاء بمكانة الدولة وسمعتها واستدامتها وقوّتها الناعمة، بحيث تكون بحلول الذكرى المئوية لتأسيسها، من الدول الأفضل في العالم، واقتصادها هو الأقوى والأنشط". 

اقرأ أيضاً: دولة الإمارات.. مسار الطموحات وحصاد الإنجازات

وأضاف الشيخ خليفة في الكلمة التي نقلتها وكالة أنباء الإمارات الرسمية "وام": "إنّ الآباء المؤسّسين للبلاد اتخذوا من التنمية الشاملة منهجاً لبناء الدولة، وجعلوا من الواقع الإماراتي، في مكوّناته البشرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مرتكزاً لإرساء القواعد الدستورية والتنظيمية والهيكلية للدولة، والتأسيس لوظائفها الإدارية والإنتاجية والخدمية. وتابع: "لقد نجحنا في تمكين المرأة والشباب، وبنينا اقتصاداً وطنياً معرفياً متنوعاً، وأرسلنا إلى محطة الفضاء الدولية أوّل رائد فضاء إماراتي، وأطلقنا إلى المريخ (مسبار الأمل)، لتصبح دولتنا الأولى عربياً، والـ5 عالمياً، التي تحقق ذلك الإنجاز، وافتتحنا أوّل مشروع للطاقة النووية".

وأمام الفرص المتعددة والكبيرة أمام دولة الإمارات في الـ50 عاماً المقبلة، يتطرّق الباحث القاسمي إلى التحديات التي من شأن إدارتها ومواجهتها توليد المزيد من الفرص والنجاحات، ويرى في هذا السياق أنه "من المرجح أن تكون الأعوام الـ50 المقبلة أكثر تحدّياً، حيث نحاول تحقيق التوازن بين احتضان العالم وحماية هويتنا، وبين النمو والاستدامة، وبين الحرّيات والأمن. لكن يجب أن يكون لدينا إيمان، وأن نتعلم التسوية. هذا ما يعلمنا إيّاه تاريخنا: خسارة أوّلية لمكسب دراماتيكي".



الصفحة الرئيسية