الباحثة التونسية بدرة قعلول لـ"حفريات": الغنوشي رجل مخابرات صنعته بريطانيا

الباحثة التونسية بدرة قعلول لـ"حفريات": الغنوشي رجل مخابرات صنعته بريطانيا

مشاهدة

20/11/2021

أجرت الحوار: حنان جابلي

مثلت قرارات قيس سعيّد في 25 تموز (يوليو) الماضي منعطفاً حاسماً في تاريخ تونس المعاصر، ووضعت حدّاً لتمدّد حركة النهضة الحركة الإسلامية ذات الميول الإخواني، منذ فوزها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2011، حيث سيطرت على مقاليد الحكم، وباتت تعتبر نفسها العمود الفقري للحياة السياسية في تونس، وتحكمت في مفاصل المشهد السياسي، عبر الدستور الجديد الذي أفرز نظاماً سياسياً وانتخابياً لاقى انتقادات كبيرة منها تشتيت السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

وترى رئيسة المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية في تونس بدرة قعلول، في حوارها الذي أجرته معها "حفريات" أنّ راشد الغنوشي الرجل الذي صنعته المخابرات البريطانية انتهى، وأنّ حركته لن تعود إلى الحياة السياسية، معتبرة أنّ الشعارات المفضوحة التي رفعتها النهضة منذ زمن الرئيس الراحل زين العابدين بن علي؛ بأنّ الإسلام في خطر، وصولاً إلى الديمقراطية في خطر، والدعوة إلى التدخل الخارجي هو تشويه مفضوح لسمعة البلاد وخيانة للوطن.

 كما تحدثت قعلول عن مستقبل الإسلام السياسي وحركة النهضة في ظل الأوضاع الراهنة ومدى قدرة الرئيس التونسي على الاستجابة للمطالب الشعبية الواسعة، والخروج بالبلاد من أزمتها العاصفة، معتبرة أنّ النهضة غول من ورق تنتهي بمجرّد أن تُرفع عنها أيادي الدعم المادي من الخارج، مؤكدة أنّ النهضة والإسلام السياسي نوع جديد من الاستعمار.

هنا نص الحوار:

بدايةً كيف تقرأين قرارات 25 تموز (يوليو)، وبرأيك إلى أين يتجه المسار السياسي بالبلاد بعد هذه القرارات؟

بعد القرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس التونسي بإرادة شعبية واسعة، واستجابة لمطالب الشعب التونسي، أعتقد أنّ المسار التونسي سيكون له وجهتان؛ وجهة أولى ينتظر فيها التونسيون الكثير من القرارات التي أعلنها سعيد، والتي ستقلب حياة بعض السياسيين رأساً على عقب، وكما ستُحدث تغيرات كبيرة في المشهد السياسي عبر إعادة النظر في كل ملفات الفساد بعد العشرية السوداء.

أعتقد أنّ حركة النهضة انتهت منذ أواخر عام 2018 في الانتخابات البلدية، وأرى أنّ هذا الغول من ورق إذا رُفعت عنه أيادي الخارج الذي تدعمه مادياً وفكرياً

 أما الوجهة الثانية فستكون مرتبطة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يطرحه الرئيس التونسي الآن في الحوار الوطني المزمع إجراؤه بمشاركة الشباب، والذي بحسب المعطيات المتوفرة لدينا سيشمل ثلاثة محاور رئيسية وهي المنوال التنموي والقانون الانتخابي والنظام السياسي في تونس، وستكون فيه الكلمة الفصل للشباب التونسي في أغلب جهات البلاد ومحافظتها، والتي ستنطلق من المعتمديات (مراكز الحكم المحلي)، وهو ما يعد نقلة نوعية في الحياة السياسية.  

طيب، ما هو رأيك في بعض وجهات النظر التي تثير المخاوف من أن تكون حقبة حكم الرئيس قيس سعيّد عودة لدكتاتورية جديدة شبيهة بنظام الرئيس الراحل بن علي؟

من المضحك اليوم الحديث عن هذا الموضوع، خاصة وأنّ حركة النهضة التي كانت ترفع شعارات أنّ الإسلام في خطر زمن حكم الرئيس الراحل بن علي، ترفع نفس هذا الشعار اليوم، طبعاً مع إضافة بعض التغييرات والألوان حول مضمونها بتزويقها بمخاوفها على حرية الإعلام وحرية الأحزاب، فالحديث اليوم عن الخطر الذي يحدق بالديمقراطية مثلاً هو الكذبة الكبرى، لأنّه لا توجد ديمقراطية عشناها ولا يمكن الرجوع لفترة ما قبل 25 تموز (يوليو).

وهذا ما يضمنه الشعب التونسي الذي خرج للشوارع منذ كانون الثاني (يناير) الماضي، مطالباً بإسقاط هذا النظام الهجين، بسبب الوعود الجوفاء التي أطلقتها حركة النهضة زمن العشرية السوداء التي حكمت فيها البلاد، وستثبت الأيام القادمة حجم ملفات الفساد الذي عرفتها البلاد طيلة فترة حكمها.

برأيك هل يمكن أن تنجح تونس دون حركة النهضة في المشهد السياسي؟

حركة النهضة هي حركة يمكن أن أسميها بالصامتة، وهي حركة أصولية ورجعية، والسؤال يبقى هنا كيف للرجعية أن تقود دولة وأن تحقق الديمقراطية؟ خصوصاً وأنّ التاريخ يؤكد عكس ذلك.

لا يمكن معهم أن تتحقق الديمقراطية فهم رجعيون، والرئيس التونسي يعاملهم بالقانون حتى لا يتم الحديث عن حرية التعبير والديمقراطية في خطر، ونحن لاحظنا بعد 25 تموز (يوليو) وهي أشد الفترات دقة وحساسية، كانوا يخرجون إلى الشوارع ينددون ويقولون إنّه انقلاب، ويهددون ويدفعون الأموال الطائلة للأمريكان والأوروبيين لتشويه سمعة الرئيس وصورة تونس.

كما أنّهم شوّهوا صورة تونس أكثر من صورة الرئيس، وأتساءل كيف يمكن أن يعتبروا إجراءات 25 تموز (يوليو) انقلاباً، خاصة بعد أن خرج الشعب التونسي من جنوبه إلى شماله، من أجل تصحيح هذا المسار، فالشعب التونسي قال كلمته، وما كان على الرئيس إلا أن يلبي هذه الدعوة.

 طبعاً تونس بعد هذا اليوم التاريخي ستكون قادرة على النجاح دون حركة النهضة، وهو ما دعاهم لطلب التدخل الخارجي، ولكن برغم دقة هذه المرة وحساسيتها، فإنّ الرئيس التونسي سينجح بالخروج بالبلاد إلى بر الأمان دون حركة النهضة، والنهضة لم تراهن على الشعب التونسي بل راهنت على التدخل الخارجي، وهذا ليس بجديد عليها حيث كانت تتخذ الأسلوب نفسه في سياستها منذ زمن بن علي، ولكن باءت جميع محاولاتهم بالفشل.

لماذا تلجأ حركة النهضة إلى الخارج برأيك؟

هذه المجموعات الرجعية حين تُسحب منهم السلطة يلجأون للخارج، فالسلطة عندهم تساوي كل شيء، وإن سُحبت منهم يصبحون أعداء للوطن، وصراحة النهضة من بين هذه المجموعات، فهي إن تنجح بالرجوع لهذه السلطة ستذهب نحو العنف بعد عشرية سوداء، فشلت فيها في إدارة الحكم.

وكيف أساءت النهضة للبلاد طيلة العشرية السوداء؟

أحتاج من الوقت أكثر من يومين للحديث حول هذه الإنجازات السيئة خلال عشرية سوداء من الحكم.

كانت لدينا معلومات كافية حول تهريب الأسلحة حيث تم حجزها وتفكيك العديد من هذه الشبكات والمخابئ، ولو يعلم التونسيون حجم الأسلحة التي تم حجزها لما عرفوا الراحة

 أولاً، لنبدأ بتجنيد الشباب وإرسالهم إلى بؤر التوتر، حيث أصبحت تونس أول دولة تصدّر الإرهاب، وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والعجز التجاري وارتفاع نسبة المديونية، وتزوير شهادات التعليم وتمكين مجموعاتها وأنصارها من مواقع ومناصب في الإدارات، فضلاً عن ضربهم الممنهج لقطاع التعليم، وتردي الخدمات الصحية، حيث إنّ الخسائر البشرية كانت باعتقادي أكثر بكثير، مما قد تخلّف حرباً بالأسلحة بعد تسجيل وفاة أكثر من 25 ألف تونسي، هذا ناهيك عن ارتفاع معدلات الهجرة وعلى رأسها الأدمغة.

هذا دون أن ننسى أنّ البرلمان كان أشبه بسيرك سياسي، إلى جانب تكوين عداوات مجانية مع دول شقيقة على المستوى الدبلوماسي، فضلاً عن عديد الاستفهامات حول الانتخابات والقانون الانتخابي. إنّها مرحلة سوداء دون إنجازات، نكتشف فيها اليوم ملفات فساد تبييض أموال وصفقات شراء أسلحة، حيث أصبحت منطقة الجنوب التونسي أكبر مخزن للإقليم.

بخصوص الأسلحة، هناك حديث عن وصول كميات كبيرة من الأسلحة خلال السنوات الماضية إلى الجنوب التونسي، كيف وصلت هذه الأسلحة؟ وهل هناك خطط لاستعمالها في تونس؟

دخول الأسلحة عبر البحر أو البر أصبحت مسألة بسيطة وعادية، وتم اكتشاف هذه المواقع حتى قبل 25 تموز (يوليو)، وكانت لدينا معلومات كافية حول ذلك حيث تم حجزها وتفكيك العديد من هذه الشبكات والمخابئ، ولو يعلم التونسيون حجم الأسلحة التي تم حجزها لما عرفوا الراحة.

لنأتي هنا إلى خطابات النهضة المملوءة بالتهديدات من قبيل أنّ "لديهم من الشباب من يأكل الأخضر واليابس"، لقد كانوا يعلمون أنّ لديهم الكثير من الأسلحة، والخلايا النائمة، ولكن الحمد الله، فإنّ الجيش والأمن التونسي مستيقظ وعلى أتم الاستعداد للقضاء عليها أحياناً في عمليات استباقية وأحياناً خلال هدمات أو بعدها، وهو ما يؤكد حجم الاستعداد والتعاون القوي بين الاستخبارات العسكرية والاستخبارات الأمنية لإلقاء القبض على هذه الجماعات التي كانت تحاول تهريب الأسلحة والأموال.

هل تعتبرين أن حركة النهضة قد انتهت اليوم في تونس؟

أنا أعتقد أنّ حركة النهضة انتهت منذ أواخر عام 2018 في الانتخابات البلدية، ولكن أرى أنّ هذا الغول هو في الحقيقة من ورق إذا رُفعت عنه أيادي الخارج الذي تدعمه مادياً وفكرياً، تنتهي وهي جماعة حافظة وليست فاهمة ما تفعل، لأنّها تعمل وفق ترتيبات معينة من التنظيم العالمي للإخوان وتركيا وقطر.

 خسارة الحركة للانتخابات البلدية عام 2018، كان يشير إلى أنّ خزانها الانتخابي بدأ يتآكل وينفذ، فيما تلقت ضربة عاصفة في انتخابات 2019 التشريعية والرئاسية، فبرغم أنّها ساهمت في تشتيت أحزاب وتحالفات برمتها، غير أنّها حققت فوزاً بطعم الهزيمة، باعتبار أنّها لم تفز ببرلمان قوي رغم أغلبيتها، وبما يضمن لها تمرير حكومة الحبيب الجملي التي اختارتها، فكانت الضربة الموجعة، ودفعت زعيم الحركة راشد الغنوشي لزيارة تركيا لاستعطاف رجب طيب أردوغان.

الخسائر تتالت إلى اليوم، بعدما قفز الكل من مركب النهضة بطريقته قبل غرق السفينة، واتهام الغنوشي بأنّه سبب الداء، تبعته استقالات لأكثر من 130 قيادياً عن التنظيم، وتوجههم نحو تكوين حزب آخر، وانشقاقات كبرى بين الموالين وأهل البيت (الذين هم أقارب للغنوشي).

كل ذلك مقابل تراجع الدعم المادي الذي بدأ ينفد في مصاريف نفقات خروج المظاهرات للشوارع، خصوصاً أنّ جميع قيادات التنظيم ليست مستعدّة لضخ أموالها الشخصية لتمويل التحركات الاحتجاجية. وحركة النهضة، حسب وجهة نظري، اليوم بحاجة إلى 30 سنة لنيل الثقة واستعادة مكانتها.

تكوين حزب جديد قد يضم عديد القيادات المستقلين من حركة النهضة، هل هو إعادة ترتيب لعودة حركة النهضة من باب آخر؟

النهضة دوماً تعمل من خارج الستار، وباعتقادي في هذه المرحلة بالذات لا يمكن أن يكون لهذا الحزب قواعد، كما لا يمكن لحركة النهضة في هذه المرحلة أن يعيد ترتيب بيتها الداخلي، لأنّ إشكالها الكبير اليوم هو المال والدعم الخارجي، ومن داخل بيت النهضة المشتت لا يمكنهم العودة لتصدر المشهد السياسي، وأتوقع  أن تتكون مجموعة أحزاب صغيرة كنتيجة لهذا الانقسام الداخلي.

النهضة تعيش السيناريو ذاته الذي عاشته أحزاب أخرى ساهمت النهضة في تشتيتها، وكرئيسة مرصد أرى أنّ هذا الحزب لن يعود للحياة السياسية كم كان بقوته في السابق.

إذاً، هل يمكن أن نقول إنّ نهاية حركة النهضة هو نتيجة لما يعيشه الإسلام السياسي إقليمياً؟

نعم ما حدث في تونس يوم 25 تموز (يوليو)، يمكن ربطه بالوضع الإقليمي.

 ضربة السودان ليست هينة وكذلك إطاحة عمر البشير عرّاب الإخوان والذي بقي 30 عاماً في الحكم ودمر السودان ليخرج الشعب وينهيه، هذا طبعاً له تداعياته على تونس كذلك ما يحدث في ليبيا، أو ما حدث في مصر حيث تم كسر شوكة الإخوان على أسوار القاهرة، ونحن نعرف أنّه من القاهرة بدأت حملة التصدي لمشاريع الإخوان، حيث تم اقتلاعهم من منبتهم الأصلي، وبالتالي كيف للفروع أن تصمد؟ 

إذاً التحولات الجيوسياسية في الإقليم كانت لها تأثير على انتهاء ورقة الإخوان وإنهاكه كتنظيم أتت به المخابرات الأمريكية والبريطانية، وحتى وقفاتهم اليوم مع هذا التنظيم محتشمة، لأنّ الأوضاع قد تغيرت والشعوب قد تحررت، وحتى القيادات في هذه الدول أصبحت لا تخاف كثيراً التدخل الخارجي، عكس الماضي حيث كان الرؤساء يشتغلون تحت هذه الأجهزة.

هناك من يرى أنّ الغنوشي أكثر شخص أساء الى الحركة وعجّل بانتهائها. ما هو موقفك من هذا؟

راشد الغنوشي رجل المخابرات البريطانية، كان دوماً يخطئ في دروسه التي لم يستوعبها كل مرة، والسؤال ماذا كان يفعل الغنوشي طيلة 23 سنة في بريطانيا؟ ومن أين يأتي بأمواله؟ شخصياً أعتبره رجل المخابرات الذي تدرب وله الكثير من الأسرار، فالرجل الذي يتحدث اليوم عن التداول السلمي للسلطة، ويرفع شعار أنّ الديمقراطية في خطر، هو زعيم الحركة أكثر من 40 سنة دون أن يفكر في ترك منصبه، كيف لمن ينعت الباقين بالدكتاتورية أن يتمسك بالزعامة، ويرفض الخروج من الحزب، وهو متسلط في حزبه؟ أما السؤال الآخر؛ فماذا فعل الغنوشي وحزبه في البرلمان؟

كيف ترين خطوة وصول الغنوشي إلى كرسي البرلمان كرئيس؟

 صعود الغنوشي للبرلمان هو الذي كشف وجهه الحقيقي، وهو ربما كان خطأ تكتيكياً أو إستراتيجياً للحركة وله شخصياً، حيث كان يطمح بعد اعتلائه كرسي البرلمان باعتلاء كرسي قرطاج، واليوم يتم إخراجه بتفاوض من أجل ضمان الخروج الآمن، فنحن نعرف أنّ الرجل الذي توظفه المخابرات كزعيم  يخرج ويرجع للرسكلة لهذا الجهاز الذي صنعه، أو أنه يموت.

هل يعني أنّ دور الغنوشي انتهى في تونس؟

 لم ينته دوره فقط في تونس، بل هو انتهى شخصياً، وهو رجل مسئ للحركة ولنفسه وللبلاد، ولا علاقة له بالإسلام، كما أنّه أساء إلى هوية التونسي وقسّم التونسيين، فالتونسيون قبل مرحلة 2011 لم تكن لهم مشاكل بين بعضهم البعض اليوم هناك شق نهضاوي وهناك شق غير نهضاوي وأصبح هناك نوع من العنف، الذي كرّسه الغنوشي.

هل تمثل حركة النهضة الحركة الرجعية الوحيدة في تونس ؟

لا طبعاً، حركة النهضة من الحركات الرجعية بالإضافة إلى حزب التحرير الذي ما يزال يعمل تحت الطاولة، وائتلاف الكرامة الداعشي، كما أنّ هناك حركات أقصى اليسار هي أيضاً رجعية.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية