الجماعة الإسلامية في لبنان: سيناريوهات الواقع المأزوم في ظل الاستقطاب الإقليمي

الجماعة الإسلامية في لبنان: سيناريوهات الواقع المأزوم في ظل الاستقطاب الإقليمي

مشاهدة

16/02/2021

ربما كان موقف الجماعة الإسلامية اللبنانية، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، أكثر ارتباكاً، مع صعود أذرع التنظيم عقب أحداث "الربيع العربي" في العام 2011، فقد حاولت الجماعة، ذات القواعد الأصولية، البحث عن موضع قدم، في بلد يشهد حالة من الاستقطاب، ما دفعها نحو إعادة هيكلة نظامها الداخلي، والبحث عن تحالفات جديدة، مستلهمة من الصعود الإخواني في مصر معطيات جديدة، سرعان ما تهاوت جميعها بسقوط الجماعة، في العام 2013.

قادت عملية البحث عن تحالفات في الداخل والخارج إلى تعدد الأجنحة داخل الجماعة الإسلامية، ما اعتبره مراقبون تمهيداً لانقسامات حادة توشك أن تنفجر

حالة الارتباك استمرّت، في ظلّ ضعف شعبية الجماعة في الأوساط السنيّة، ما دفعها تجاه البحث الدائم عن حلفاء، مع ممارسة كافة أشكال الدعاية الشعبوية، والتي ارتكزت جميعها على تضخيم دور ميليشيات الفجر، التابعة للجماعة الإسلامية في تحرير صيدا، في العام 1985.

تحالفات مرتبكة وأدوار وظيفية متعددة

قادت عملية البحث عن تحالفات في الداخل والخارج إلى تعدد الأجنحة داخل الجماعة الإسلامية، ما اعتبره مراقبون تمهيداً لانقسامات حادة، توشك أن تنفجر في وجه الجماعة، فهناك فصيل كبير داخل الجماعة يرتبط بعلاقات قوية بتركيا، في سياق الدعاية العثمانية، وهو التيار الذي يتزعمه إيهاب نافع، المسؤول السياسي للجماعة الإسلامية في طرابلس والشمال، والذي سبق أن ادّعى أنّ "الدولة العثمانية لها فضل كبير على لبنان، وعلى طرابلس خصوصاً"، لافتاً إلى ما سمّاه "الإرث الحضاري الكبير الذي خلفته لشعوب المنطقة".

وكانت الزيارة التي قام بها سعد الحريري إلى أنقرة مؤخراً مناسبة لخروج هذا التيار عن صمته، فقد رحّب الجناح الموالي لتركيا بالزيارة، التي اعتبرها بادرة مهمّة لدور تركي بات يتطلع إليه لبنان، ويتجلى هنا الدور الوظيفي التقليدي للأذرع الإخوانية، في دعم المشروع التركي في المنطقة، كنقطة ارتكاز لسياسات رجب طيب أردوغان.

وكان الأمين العام للجماعة عزام الأيوبين قد قال في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي: "نحن نتقاطع مع تركيا في بعض المسائل، وأظنّ أنّ تركيا اليوم تريد أن تحافظ على علاقة طيبة مع الجميع في لبنان، من خلال العمل الإنساني، لأنّها لا تريد أن تزيد من أي استفزاز"، لافتاً إلى أنّ إغلاق الأبواب بوجه دخول تركيا للمساعدة في لبنان هو قرار سياسي يشترك فيه بعض الداخل، مع بعض الدول الإقليمية العربية".  

سامح مهدي: الجماعة الإسلامية في لبنان ربما تلخص الحالة اللبنانية، من حيث تكريس الطائفية، واللعب على كافة محاور الاستقطاب الإقليمي

من جهة أخرى، تحتفظ الجماعة بعلاقات قوية مع حزب الله اللبناني، الموالي لإيران، في سياق الترتيبات الإقليمية فيما بين إيران وأفرع التنظيم الدولي للإخوان، وتوطدت العلاقات بشكل أكثر قوة عقب تخلي حزب الله عن دعم جبهة العمل الإسلامي، بديلاً عن الجماعة الإسلامية على الساحة السنيّة، ما دفع الأمين العام عزام الأيوبين إلى المشاركة في إفطار أقامه حزب الله في الضاحية برعاية الحرس الثوري الإيراني، في العام 2015.

تيار ثالث في الجماعة الإسلامية يقوده بسام حمود، المسؤول السياسي في الجنوب، يعتمد على التحالف مع القوى الإسلامية الراديكالية، وقد تعدّدت زيارات حمود إلى مخيم عين الحلوة للتنسيق مع عصبة الأنصار، المدرجة على قوائم الإرهاب الدولي من قبل الأمم المتحدة، وكذلك يتواصل حمود بشكل دائم مع حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين.

الباحث المصري في الفكر السياسي الدكتور سامح مهدي

ويشير الباحث المصري في الفكر السياسي الدكتور سامح مهدي إلى أنّ الجماعة الإسلامية في لبنان ربما تلخص الحالة اللبنانية، من حيث تكريس الطائفية، واللعب على كافة محاور الاستقطاب الإقليمي، تبعاً لاختلاف طبيعة الأدوار التي تقوم بها القوى الفاعلة إقليمياً، وعلى رأسها تركيا وإيران، لكنّ حالة الغموض الإيديولوجي، وعدم وجود مشروع سياسي يساير أزمات الواقع يضع الجماعة في المربع صفر، ويجعلها أسيرة الدعم الخارجي، القائم على أداء أدوار وظيفية، وهو ما يتجلى في التناقضات المتعددة التي تظهر في تصريحات رئيس المكتب السياسي عماد الحوت، وحالة المراوحة فيما بين الموقف تجاه إيران تارة، وتركيا تارة أخرى.

ويتوقع مهدي، في تصريحاته التي خصّ بها "حفريات"، أن تشهد الجماعة انقسامات حادة في المستقبل القريب، في ظلّ هيمنة حزب الله على ساحة الدعاية الإيديولوجية من جهة، والموقف الفرنسي الذي يمثل حائط صد أمام التطلعات التركية من جهة أخرى.

واقع مأزوم

كلّ هذه التوجهات المتضاربة، والتي تعمل في جزر منعزلة، لصالح توجهات وإيديولوجيات خارجية، ربما تدفع بلبنان المأزوم تجاه المزيد من التفكك والانهيار، مع افتقاد مشروع وطني حقيقي، وغياب النخبة وتجاهلها الوضع الكارثي، الذي عبّرت عنه الجماهير الغاضبة في طرابلس مؤخراً.

أورنيلا سكر: هناك مساعٍ تركية حثيثة للدخول على الخط اللبناني، لكنّ ضعف الوكيل المحلي ربما يجهض المساعي التركية، أو يقلل من احتمالات النجاح

تقول الباحثة اللبنانية في العلاقات الدولية ودراسات الاستشراق أورنيلا سكر: إنّ الوضع في لبنان متشابك ومعقد، وتتداخل فيه أطراف عديدة؛ مثل: إيران، وفرنسا، وتركيا، والولايات المتحدة، وإسرائيل، وسوريا، وكلّ هذه التدخلات في المدى المنظور لن تعطي أيّ نوع من الاستقرار، ولن تضع خريطة طريق نحو الانفراج، وربما قد تتغير الأحوال بعد عدة أشهر من إدارة جو بايدن، لكنّ كل التصريحات والبيانات التي تصدر عن رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وكذا مناشدات البطريرك بشارة الراعي، ورئيس الجمهورية، كلها لن يكون لها صدى في لبنان، لأنّ الانقسامات عميقة جداً، وهناك هدف واحد لكي يتحرّك الوضع في لبنان، على الأقل في المستوى الاقتصادي، هو القضاء على حزب الله، هذه وجهة النظر الأمريكية، ما يشير إلى أنه لن يكون هناك دعم اقتصادي، أو حلّ في الأفق، ما دام حزب الله هو الممسك بمفاصل السلطة والدولة اللبنانية.

الباحثة اللبنانية في العلاقات الدولية ودراسات الاستشراق أورنيلا سكر

وعن السيناريوهات المتوقعه فيما يجري في لبنان، تقول مديرة موقع "أجيال القرن الـ 21"، في تصريحات خصّت بها "حفريات": إنّ مرحلة صعبة جداً تنتظر لبنان، على المستوى الاقتصادي والأمني، في ظلّ الشروط التعجيزية لصندوق النقد الدولي، والضغوطات الأمريكية، كما أنّ المباردة الفرنسية خجولة جداً، وعليه فإنّ لبنان مقبل على هزات أمنية واقتصادية عصيبة، لتحكّم جهات دولية وإقليمية، عبر وكلاء محليين في الداخل.

وترى سكر أنّ هناك مساعي تركية حثيثة للدخول على الخط اللبناني، لكنّ ضعف الوكيل المحلي ربما يجهض المساعي التركية، أو يقلل من احتمالات النجاح، وعلى الجانب الآخر هناك محاولات عديدة لاستمرار التدخل عبر النوافذ الشيعية، وتقليب الساحة من خلال اغتيال لقمان سليم، لتصبح كلّ الاحتمالات مفتوحة على كافة السيناريوهات.

وربما يكون الحسم، في نظر أورنيلا سكر، للشارع اللبناني الذي فقد صبره، وأصبح المواطن الذي يئنّ تحت الضغط الفقر يتطلع نحو التغيير الحاسم، وبكافة الوسائل الممكنة، والحراك الآن بات يعبّر عن نقمة الجياع والمتمرّدين على هذا الواقع وهذه السلطة، لانعدام أفق الحلّ السياسي، ومحاربة الاستقطاب والفساد، فقد بات لبنان على طريق التقسم بسبب تداخل الأجندات الإقليمية والدولية.

الصفحة الرئيسية