"الشيخ جراح" ينكأ الجراح.. أين توعدات إيران ونضالات أردوغان؟

"الشيخ جراح" ينكأ الجراح.. أين توعدات إيران ونضالات أردوغان؟

مشاهدة

10/05/2021

فلسطين تحولت بفعل الزمن إلى قضية تاريخية، عالمية، أكثر من مائة  من الاحتلال تقابلها مائة عام من النضال والصمود والتحدي على المستوى الشعبي، إلى جانب العمل السياسي وتحولاته على مستوى السلطات، وبين هذا وذاك مسافةٌ حرجة من الاختلاف في الرؤية والأهداف.

إنها امتحان صعب، لكل الفاعلين فيها، أطرافاً عالمية وعربية وإسلامية، وفلسطينية أيضاً نظراً لما أنتجته من اختلاف في التوجهات الداخلية وأسلوب التعاطي مع قضيتها والخيارات المتاحة، أفرزت انقسامات حادة داخل الفلسطينيين من فصائل وأحزاب ومنظمة وحركة، مازالت كلها تتحمل جزءاً كبيراً من تكاليف الصراع الذي كان يجب أن يتحمله الاحتلال وحده. 

 فلسطين امتحان صعب لكل الفاعلين فيها أطرافاً عالمية وعربية وإسلامية

ما زالت فلسطين، وما تعانيه أو تتحمله من تكاليف وأعباء وجرائم حرب، أكبر من أزمة وأكبر من قضية، ولا أدري ما هي الكلمة التي يمكن أن تؤدي معنى كل ما يحدث لها من خراب وتهجير وقتل وقسوة ومصادرة ومعاناة، إنها حتماً كل هذه المعاني في كلمة واحدة هي "فلسطين" التي تستطيع أن تنتج مقداراً كبيراً من الأسئلة الصعبة على ضمير العالم ووجدان المسلمين والعقل العربي.

اقرأ أيضاً: تصدير الأعباء: كيف يوظف نتنياهو أحداث الشيخ جراح؟

في هذا السياق تأتي الجريمة التي يتعرض لها "حي الشيخ جراح" تكثيفاً للحالة الفلسطينية، واستعادة لصور تاريخية مازالت علامة في تاريخ النضال، وذلك بما تفعله آلة الاحتلال من تهجير، الفكرة التي قامت عليها نظرية الاحتلال بدءاً من وعد بلفور حتى اليوم.

إنّها فلسطين، السؤال الصعب، الذي كشف عن جهل كثير وغباء كثير، لكن الأخطر أنه كشف عن إجابات متعلقة بمتاجرة وسمسرة وبيع وشراء، وتكسّب ومصالح بالتأكيد ليست مصالح فلسطينية، من أطراف وظّفت هذه القضية لغايات متعددة ومصالح متنوعة كشفتها إخفاقات الشعارات الزائفة.

تأتي الجريمة التي يتعرض لها "حي الشيخ جراح" تكثيفاً للحالة الفلسطينية واستعادة لصور تاريخية مازالت علامة في تاريخ النضال

مثل إيران، باعت واشترت بهذا المعنى الدقيق لكلمة بيع وشراء، بالقضية الفلسطينية واستثمرت فيها سياسياً وعسكرياً، تقترب من الفصائل الفلسطينية وتمدّها بالأموال، وتطلق حملة شرسة من التهديد والوعيد لإسرائيل واحتلالها البغيض، كان يكفي بعضه ليدب الرعب في قلوب اليهود، لكنه لم يتجاوز أثر نصف رصاصة، ولا حتى أثر حجر في يد طفل فلسطيني على أدراج القدس والأقصى.

وعلى المستوى الفعلي والعملي، التهديد والوعيد الإيراني، بتحرير القدس  وصراخ فيلق القدس بقتل اليهود، وشعارات الملالي وخطابات آيات الله، كل ذلك لم ينتج عنه رصاصة واحدة تجاه اليهود وإسرائيل من أجل القدس. ومع ذلك، ظلت طهران تعمل على تسييل خطابات وشعارات مشحونة بالعاطفة الدينية الجياشة، وتستقطب فصائل وحركات فلسطينية وتبيع نتاج كل ذلك لإسرائيل بالصمت والخذلان.

اقرأ أيضاً: اعتقالات وإصابات وتضامن واسع… ما الذي يحدث في حي الشيخ جراح بالقدس؟

من جهته، أردوغان، كان يقود حروباً كلامية "مدهشة" ضد إسرائيل، بدءاً من حرب غزة، كان ضد المواقف الإسرائيلية نعم، وكانت المواقف التركية واضحة "كلامياً" ضد أفعال إسرائيل،  والعرب الشغوفون بالسلطان العثماني الجديد كانوا يتغنون بهذا، لدرجة أنّهم كانوا يقولون لقد سطّر أردوغان إدانة قوية لإسرائيل ضد جرائمها، ودعا المؤسسات الدولية إلى التدخل، وهدد بوقف المصالحة والتعاون مع إسرائيل. لكن لم يفعل سوى أنّه هدد، ما الذي يختلف ما سطّره أردوغان من إدانة عمّا سطره من شجب وإدانة ودعوات للمجتمع الدولي وتهديد بلا مضمون!

 أمثال إيران وتركيا غرفا من الشعارات ذاتها وأبقت على شعرة لا تنقطع اقتصادياً وتجارياً من العدو المزعوم

لطالما وصف أردوغان نتنياهو بالإرهابي، والأعمال الإسرائيلية باللاإنسانية، وبقي هكذا مستعرضاً توصيف كل ما يحدث في فلسطين .. في غزة وسواها بالإجرام والإرهاب، والوحشية. آخر ذلك كان قبل أيام، فعاد وأشعل الإعلام إدانات وتوصيفات، وكتب في تغريدة عبر حسابه في تويتر، عما يحدث في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، قائلاً "ندين بشدة الاعتداءات السافرة التي تقوم بها إسرائيل"، وقال، "سنواصل الوقوف إلى جانب الفلسطينيين"، هي مواصلة نضالية تشبه نضال العرب الممانعين وإيران وفيلق القدس، الأمر الذي جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير مقتنع بكل توصيفات أردوغان ليقول عنها إنها مجرد محاضرة أخلاقية.

ما الذي تستفيده إيران من القضية الفلسطينية، وما الذي حققه أردوغان من إداناته؛ إيران استطاعت أن تساهم في انقسام الداخل الفلسطيني بشكل صريح، واستفادت أيضاً أنها لم تخسر أي شيء بشعارات العداء لإسرائيل، وبالنظر إلى المواقف التركية، الماء من نفس الوعاء، كلاهما غرفا من الشعارات ذاتها واستهلكوها وتاجروا ووظفوا، وأبقت على شعرة لا تنقطع اقتصادياً وتجارياً من العدو المزعوم.

حي الشيخ جراح، بما يتعرض له اليوم من تهجير أعادنا إلى المربع الأول حين كان التهجير سياسة وإستراتيجية لإقامة "الدولة الإسرائيلية"، وأعادنا أيضاً إلى نفس مربع متاجرات الدعم  والحروب الكلامية التي لا يعول عليها إلا بمقدار ما نعول على شعار "أنقذوا حي الشيخ جراح" كفعل أمر منزوع الدسم، بلا آمرين ولا مأمورين. 

الصفحة الرئيسية