المخزن: حوكمة فريدة لسلطة القرار في المغرب

المخزن: حوكمة فريدة لسلطة القرار في المغرب

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
23/09/2021

ترجمة: مدني قصري

انتصار حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو حزب ليبرالي مقرّب من الملك المغربي محمد السادس، في الانتخابات التشريعية، في 8 أيلول (سبتمبر) 2021، وهزيمة حزب العدالة والتنمية (حزب إسلامي معتدل).، يعنيان كلَّ شيء إلا المفاجأة لأولئك الذين يعرفون تعقيدات السياسة في المغرب؛ هذه النتائج تؤكد كذلك التعبير المشهور "التغيير في الاستمرارية".

اقرأ أيضاً: كيف منع المغرب تغوّل تنظيمات الإسلام السياسي المؤدلج؟

صحيح أنّ هزيمة حزب العدالة والتنمية مثيرة للدهشة (فقد انتقل من 125 مقعداً في 2016 إلى 13 مقعداً في 2021)، لكنّ سِجلّ هذا الحزب قاتم للغاية: النمو الاقتصادي ما يزال غائباً، والفساد، حصان معركته، مرتفع بلا هوادة، والتفاوتات الاجتماعية صارخة، اليوم أكثر من الأمس، وتتويجاً لكلّ ذلك، انتهى الحزب الإسلامي، الذي ظلّ ينتقد أيّ تقارب مع "العدوّ الصهيوني" بالتوقيع على اتفاقيات أبراهام، دون أن ينبس ببنت شفة، الأمر الذي انتهى  بتدمير المصداقية الضئيلة التي كان يتمتع بها.

أشادت الصحافة الدولية، الفرنسية على وجه الخصوص، بالهزيمة الساحقة لحزب "رجعي".

لقد أشادت المستشاريات الغربية بالمناخ العام الإيجابي لهذه الانتخابات، وبنسبة المشاركة (50,35 ٪) التي ارتفعت بشكل ملحوظ، مقارنة بالانتخابات التشريعية السابقة (43٪ في 2016).

اقرأ أيضاً: إخوان المغرب وإخوان المشرق واختلاف آليات السقوط

لا شكّ في أنّ  تنظيم الانتخابات في هذه الأوقات التي يسودها الوباء والاضطراب يمثل تحدّياً حقيقياً، ويمكن القول إنّ السلطات المغربية قد فازت في رهانها، خاصة في عالم عربي غير مستقر أكثر من أيّ وقت مضى، دون الذهاب إلى أبعد من ذلك، يجدر بنا أن نتذكر أنّ نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الجزائرية، في حزيران (يونيو) 2021، كانت 30٪ (الأدنى منذ 20 عاماً) أما تونس فهي تحت المجهر، كما يراقَب اللبنُ على النار، إذ إنّ هناك مخاوف جدية من عودة الديكتاتورية.

الملاذ الأخير بيد الملك

لوضع هذه النتائج في سياقها الصحيح، لا بدّ من التوضيح أن سلطة القرار في المغرب، وعلى الرغم من هذه الانتخابات، في يد الملك الذي يقرّر الملاذ الأخير. ليس الحزب الإسلامي سوى الواسطة التي سمحت للمؤسسة الملكية بتمرير إصلاحات مؤلمة (إصلاح المعاشات التقاعدية، إصلاح صندوق التعويضات، تقليص عدد موظفي الخدمة المدنية)، في أعقاب حركة الاحتجاج، في 20 شباط ( فبراير) 2011 (المنبثق هو نفسه عن الربيع العربي)، لعب الحزب الاشتراكي (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) دور الفتيل نفسه عام 1998 من خلال تنفيذ الإصلاحات التي فرضتها مؤسسات بريتون وودز "Bretton Woods".

لا شكّ في أنّ  تنظيم الانتخابات في هذه الأوقات التي يسودها الوباء والاضطراب يمثل تحدّياً حقيقياً، ويمكن القول إنّ السلطات المغربية قد فازت في رهانها

إذا كان هناك نجاح، فهو بفضل المؤسسة الملكية، وحدها يجب الاعتراف بأنّه يوجد في المغرب خبرة سياسية، أصيلة ودقيقة، فنّ حُكم، يُعرف باسم المخزن "Makhzen"؛ المصطلح الذي يشير في الأصل إلى مستودع يتم فيه تخزين المؤونة والأقوات الخاصة بالقرية، ومع تطور الإدارة، تغير معنى المصطلح وبدأ يشير إلى الخزينة، قبل أن يتم تطبيقه على نطاق أوسع على الإدارة والموظفين الحكوميين الذين يديرون الدولة المغربية؛ إنه يعني في أذهان المغاربة: السلطة.

من المهم التذكير أن المغرب بلد مستقر، ويعود نظامه السياسي إلى العصور الوسطى، وقد كان القوس الاستعماري قصيراً ولم يغيّر هذا البناء السياسي، هذا البناء نتيجة تشابك نظامين فرعيّين؛ دولة إمبراطورية قبل الانتداب الفرنسي، ودولة- أمة، بالمعنى الذي صاغه فرناند بروديل، إنّها ليست، بأي حال من الأحوال، مسألة تسلسل، أو تجاور هذين النظامين، ولا تفوق أحدهما على الآخر، بل بالأحرى نوع من البساط (الأرضية) (بياتريس هيبو ومحمد توزي، نسجُ الزمن السياسي في المغرب، مخيال الدولة في العصر النيوليبرالي، طبعة كارتالا/ Tisser le temps politique au Maroc. Imaginaire de l’État à l’âge néolibéral, éd. Khartala)؛ التي تنسج خيوطُها أنماطاً متشابكة، كرمز لجميع الانتماءات: السياسية والعرقية والإقليمية، إنّه توازن دقيق بين الدولة الحديثة والممارسات الخاصة بالعصور القديمة.

ولاء فريد

لتوضيح ملاحظاتنا بشأن هذا الذهاب - إياب بين الحداثة والتقاليد، يمكننا استدعاء الروابط التي تحتفظ بها السلطات المغربية مع الشتات، على عكس الجزائر وتونس، لطالما عدّ المغربُ الهجرةَ مجرد طريقة أخرى لتنويع مصادر دخله، من خلال التحويلات المالية من المغاربة الذين يقيمون في الخارج؛ فالهجرة تخفف من قبضة سوق العمل الذي يخنقه تفشي البطالة، كما تشارك الهجرة في التأثير الدولي للمغرب، من خلال الضغط الذي يمكن أن تمارسه في البلدان المضيفة، إنّها رؤية جديرة بالثناء لدولة حديثة وإستراتيجية أثبتت جدارتها إذا نظرنا إلى المبالغ السنوية لتحويلات الشتات المغربي (حوالي 10٪ من الثروة الوطنية)، وانتظامها وقدرتهم على الصمود (زيادة بنسبة 5٪ في أوقات الجائحة هذه)، وهنا يأتي دور الدولة التقليدية، وهكذا، كانت السلطات المغربية على الدوام مترددة في دمج المغاربة في بلد إقامتهم، رافضة بشكل قاطع إنكار الجنسية المغربية؛ فالولاء المزدوج مرفوض رفضاً مطلقاً .

يُنتِج هذا التصور للعلاقة بين الدولة والشتات إنشاءات إقليمية شبكية، تجعل التقطّعات الإقليمية نسبية، في هذا المنطق الخاص من عدم تجاور الأماكن، سيكون من الحكمة التحدث عن تخوم، كما كان الحال في إمبراطورية العصور الوسطى، بدلاً من من الحديث عن حدود.

 شراء المغرب لمساجد في فرنسا، ودعم الاتحادات الإسلامية المغربية المختلفة التي أنشئت في أوروبا، وكذلك تدريب الأئمة الفرنسيين في المغرب، يسير في هذا الاتجاه.

في المغرب، الدولة كليّة الحضور ومُطلَقة السلطة، وهي قادرة على الجمع بين الشدة والمرونة، وهي تعرف بداهة أين تضع يدها.

يتيح هذا النظام إمكانية تحديد كيفية إنشاء (أو استعادة) خطوط التقسيم (أو الخطوط الفاصلة) في الحياة اليومية. لقد استوعب المواطن هذا النمط من العمل، وهو مدرك لِما هو مسموح وما هو غير مسموح. إنّها نظرية صنع القرار بالتفاعل، والتي تشبه إلى حدّ الالتباس نظريةَ اللعبة التي يعي كلّ لاعب فيها أنّ نتيجة اختياراته تعتمد على نتيجة الآخر.

إذا كان هناك نجاح، فهو بفضل المؤسسة الملكية وحدها ويجب الاعتراف بأنّه يوجد في المغرب خبرة سياسية، أصيلة ودقيقة، فنّ حُكم، يُعرف باسم المخزن "Makhzen"

هذه اللعبة ليست ممكنة إلا إذا وُجِد إجماع بين السكان الذين يقبلون بالقواعد، فالأمر مرتبط باللاشعور، وبالمخيال الجمعي، وبالثقافة المشتركة التي تم بناؤها، دون صدامات، عبر تاريخ طويل، وملحمةٍ مُعظَّمَة وسرْدٍ فخم، وكلها تسمح برسم علاقة تعايش وعلاقة مع الآخر.

لكن لا بدّ من توخّي الحذر على أيّة حال؛ فاليوم، أكثر من الأمس، ما تزال التحدّيات نفسها قائمة (الفساد، عدم المساواة، النمو البطيء، حرية التعبير، ...إلخ).

بعد إغلاق القوس الإسلامي (وإسقاط المعارضة أو ما تبقى منها)، ستتمتع المؤسسة الملكية بكل أدوات السلطة؛ لأنّه، بالإضافة إلى الصلاحيات الدستورية، سيرأس الملك مجلس الوزراء "اللين"، حيث سيتمكن من تطبيق "نموذج التنمية الجديد" براحة بال تامة.

سيُخبرنا المستقبل القريب (جداً) ما إذا كانت هذه الإستراتيجية هي الأفضل.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

www.lepoint.fr

الصفحة الرئيسية