المغرب: لماذا يلوم الشباب ضحايا التطرف شيوخَهم التائبين؟

المغرب

المغرب: لماذا يلوم الشباب ضحايا التطرف شيوخَهم التائبين؟

مشاهدة

10/12/2019

"كُنا نُقدّسه لم يكن بالنسبة إلينا مجرد فقيه، كان مُعلمنا وشيخنا الذي وجب علينا طاعته". بهذه العبارات يصف حسن كيف كانت علاقته بفقيهه السابق.

اقرأ أيضاً: كيف نؤسس لبيئة تدعم الاعتدال وتنبذ التطرف؟
يبلغ حسن 36 عاماً، يتذكر بحسرة فترة شبابه التي أمضاها متأثراً بالفكر المتطرف، ويُتابع في هذا الصدد: "تركت مقاعد الدراسة حينها، وخصّصت وقتي وجهدي للاستماع لخطابات شيوخ، كُنت أعتقد أنني بذلك سأنصر الإسلام".

"حملات للأمر بالمعروف"

يرى حسن أنّ شيخه السابق يتحمل مسؤولية تبنّيه للفكر المتطرف، ويُضيف في حديثه لـ "حفريات": "عندما كان أحد الفقهاء يدخل إلى المسجد، كنا نتوقف لتحيته، ونركض للجلوس بجواره، نُصدق خطاباته ونعمل بها، كُنت أعتقد أنّه صادق".

المغرب فتح الباب على مصراعيه أمام عدد من معتقلي "السلفية الجهادية" السابقين ممن أدينوا بتهمة قانون مكافحة الإرهاب

قبل حدوث التفجيرات الإرهابية عام 2003، في مدينة الدار البيضاء، انتشر الخطاب المتطرف في بعض المدن المغربية من بينها فاس، وعن هذه الفترة يتحدث حسن: "كان بعض أصدقائي يرون أنّ النهي عن المنكر لا ينبغي أن يقتصر على نصيحة، بل يجب استعمال العنف، كانوا يجوبون شوارع فاس ليلاً، ويقومون بحملات، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعاقبون أيّة فتاة وشاب يسيران معاً، أو شخص سكران".
يُضيف حسن بنبرة حزينة: "للأسف، كم من شاب راح ضحية ذلك، هناك من بترت يده".

بدؤوا حياتهم من جديد

يُشير حسن إلى أنّ أغلب أصدقائه في تلك الفترة إما في السجون أو قتلوا في سوريا، مضيفاً: "بينما من شحنونا بتلك الأفكار راجعوا أفكارهم، وبدؤوا حياتهم من جديد، لكن ماذا عنا نحن؟ ماذا عن شباب دُمّرت حياتهم؟".
ويتابع المصدر ذاته: "أحاول أن أبدأ من جديد لكنّ تلك الفترة ما تزال راسخة في ذهني، أتذكّر ملامح أصدقائي، وأتذكر ملامح ذلك الشيخ الذي كان يُبرر لنا القتل، ويجعلنا نتخيل أنّنا نقاتل لأجل قضية عادلة".

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
يمضي حسن قائلاً: "أدرك أنّنا كُنا أيضاً مسؤولين عمّا وصلنا إليه، لكن كان للشيوخ قدرة وكاريزما للتأثير فينا".
لطيّ صفحة الماضي؛ انتقل حسن من مدينة فاس إلى مدينة الدار البيضاء، محاولاً بذلك أن يبدأ حياة جديدة.

 

معتقلون سابقون في قضايا إرهاب يعتبرون أنفسهم ضحايا

تداعيات التطرف على الشباب
وفي حوارها مع "حفريات"، تقول رحمة معتز، باحثة مختصة في قضايا التطرف، إنّ أغلب الشباب الذين تبنوا الفكر المتطرف في السابق "يعانون من البطالة، ومنهم من يعتمد على المساعدات الاجتماعية، مثل الشقيقتَين إيمان وسناء الغريسي، وهناك من فشل في الاندماج بالمجتمع، في حين اندمج البعض لكنّهم انتقلوا إلى مدن أخرى، وغيروا عملهم".

اقرأ أيضاً: هل مواجهة التطرف تعني الانحياز إلى المعتدلين؟
يُشار إلى أنّ الشقيقتَين، إيمان وسناء الغريسي، سبق أن اعتُقلتا عام 2003، بعد اتهامهما من طرف السلطات المغربية بتزعم شبكة إرهابية، كانت تهدف إلى تفجير مبنى البرلمان المغربي، وهي القضية التي أثارت الرأي العام المغربي حينها، قبل أن تغادرا السجن بعفو ملكي، عام 2005.

"هل حقاً غيّروا أفكارهم؟"
وتُضيف الباحثة المختصة في الخطاب المتطرف: "لكن يبقى السؤال: هل حقاً غيّروا أفكارهم، لا يمكن أن نجزم ذلك، لأنّ هناك من ادّعوا أنّهم أعادوا النظر في أفكارهم، واكتشفنا من بعد أنّهم التحقوا بالجماعات المتطرفة في سوريا".
وتتابع المتحدثة ذاتها: "هُناك فئة أخرى ترغب في أن تخرج إلى إعلام، وتكشف كيف كان هؤلاء الشيوخ التائبون يشحنونهم بالفكر المتطرف".

"مراجعة بيير روبير"
وأثار موضوع المراجعات لتيار التكفيري الكثير من الجدل بالمغرب، وتقول رحمة معتز في هذا الصدد: "إنّ أول المراجعات كانت الوثيقة السرية التي كتبها الفرنسي بيير روبير، الذي اعتقل عام 2003، جراء التفجيرات الإرهابية التي هزت الدار البيضاء، كانت هذه الوثيقة أولى المراجعات".

اقرأ أيضاً: مؤشر الفتاوى: استراتيجيات الإخوان تقترب من الجماعات المتطرفة
ويُشار إلى أنّ محكمة مغربية كانت قضت بالسجن مدى الحياة على الفرنسي بيير روبير، بمقتضى قانون لمكافحة الإرهاب، استحدث في أعقاب تفجيرات مدينة الدار البيضاء، في أيار (مايو) الماضي 2003.
ووجهت المحكمة إلى بيير روبير، الذي لقب بالحاج أبو عبد الرحمن، عقب اعتناقه الإسلام "تهم التخطيط لهجمات إرهابية، وتنظيم، أو المشاركة، في تدريبات على الأسلحة داخل المغرب"، وحكم على متهمَين اثنين آخرَين من بين 33 إسلامياً مغربياً "متواطئين" مع روبير، بالسجن مدى الحياة".
شيوخ سلفيون أطلقوا مبادرات لمراجعة أفكارهم

"المراجعات تراجع ونكوص"
وتصف الباحثة المغربية وثيقة روبير: بأنّها "دحض لركائز الفكر السلفي، وتكشف أنّ كلّ ما يوجد في الفكر السلفي يتناقض مع الإسلام الصحيح".
وتُضيف رحمة معتز: "وبعد ذلك جاءت وثائق من سلفيين مغاربة، مثل "أنصفونا" وغيرها، من المراجعات في السجون المغربية".
وبحسب مجلة "عرفان" للعلوم الإنسانية والاجتماعية، يقول إدريس الكنبوري، الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية: إنّ "وثيقة روبير ساهم فيها كثيرون من مشايخ التيار داخل السجون المغربية، وتم دفع روبير إلى الواجهة لنشرها، تهرباً من الغضب الذي يُمكن أن تسبّبه المراجعات لهؤلاء المشايخ، خصوصاً أنّ كثيرين من السلفيين الجهاديين في السجون المغربية كانوا ينظرون إلى أيّة مُحاولة للمراجعة، بوصفها تراجعاً ونكوصاً وهزيمة، وليست مراجعة فكرية".
تغيير المسار
ويُضيف المصدر ذاته: "ويُمكن الاستدلال على ذلك بالوثيقة التي تحمل عنوان "الأجوبة السنية على الأسئلة الثلاثينية" التي أصدرها عدد من السجناء السلفيين المغاربة داخل السجون، عام 2010، رداً على سلسلة المراجعات التي كتبها بعض المعتقلين، ومنهم أبو حفص رفيقي نفسه، صاحب وثيقة "أنصفونا".
وتقول الباحثة المغربية رحمة معتز: "كانت مراسلة الشيخ السلفي الكتاني للأمم المتحدة للمطالبة بالإفراج عنهم، وخروجهم من السجن آنذاك، في حدّ ذاتها مراجعة ضمنية لتكفيرهم الدولة، وأيضاً الأمم المتحدة التي كانت بالنسبة إليهم ترمز إلى الكفر".

يتذكر حسن (36 عاماً) بحسرة: خصّصت وقتي وجهدي للاستماع لخطابات شيوخ، كُنت أعتقد أنني بذلك سأنصر الإسلام

وتُشير رحمة معتز: "هؤلاء الشيوخ غيّروا مسارهم، من تكفير الدولة والمؤسسات التعليمية وغيرها من مؤسسات الدولة، إلى أن أصبح معظمهم حالياً يُناقشون دكتوراه في مؤسسات كانوا يكفّرونها سابقاً.
"الشباب ما يزالون في السجون"
وترى الباحثة المغربية في حوارها مع "حفريات": إنّ "الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات؛ أنّ الشباب الذين اعتقلوا بسبب هذه الأفكار المتشددة ما يزالون في السجون، في المقابل الشيوخ رموز التيار التكفيري، الذين حرضوا الشباب بمجرد ما يخرجون من السجن، أول شيء يقومون به يتنكرون لتيارهم وماضيهم، وأحياناً ينتقلون من أقصى التطرف الإسلامي إلى أقصى التطرف اليساري".
وتُشدّد رحمة معتز على ضرورة متابعة هؤلاء المشايخ التائبين، نفسياً واجتماعياً، معتبرة أنّ من بينهم من يُعانون اضطرابات نفسية.

سلفيون يحتجون في المغرب للمطالبة بإطلاق سراح معتقلي تفجيرات 2003

برنامج المصالحة
وتجدر الاشارة إلى أنّ الدولة المغربية كانت قد فتحت الباب على مصراعيه أمام عدد من معتقلي "السلفية الجهادية" السابقين، ممن أدينوا بتهمة قانون مكافحة الإرهاب، للعودة إلى السجون كـ "دعاة" ومُحاضرين في التأهيل الروحي، ومواضيع تتعلق بالتصوف والوسطية، والردّ على شبهات الغلو والتطرف.
وكان ذلك تحت إشراف المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وبتنسيق مع الرابطة المحمدية للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، إضافة إلى خبراء آخرين، وتُعدّ هذه الخطوة في سياق برنامج "مصالحة" لفائدة معتقلي التطرف والإرهاب.

الصفحة الرئيسية