بلدانُ آسيا الوسطى في عصر دولة طالبان

بلدانُ آسيا الوسطى في عصر دولة طالبان

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
24/11/2021

ترجمة: مدني قصري

من بين الدول الأكثر تضرّراً من انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان نجد الجمهوريات السوفيتية السابقة لآسيا الوسطى. في هذه الدول تعيد حركة طالبان خلط أوراق الجغرافيا السياسية الإقليمية.

لِجمهوريات الاتحاد السوفييتي الخمس السابقة في آسيا الوسطى، وهي: طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وتركمانستان وكازاخستان، علاقاتٌ كثيفة وطويلة الأمد مع أفغانستان.

اقرأ أيضاً: طالبان تحشد عناصرها لقتال داعش في أفغانستان... تفاصيل

لقد تأثرت بعدم الاستقرار الناجم عن الانسحاب السوفييتي، لا سيما خلال "حُكم" طالبان الأوّل، بين عامَي 1996 و2001، وقد تعرّضت طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان على وجه الخصوص لضغوط من قِبل الجهاديين، لا سيما من خلال هجمات حركة أوزبكستان الإسلامية، وهي حركة جهادية أوزبكية في الأصل، لكنّها أصبحت متعدّدة الأعراق ومتحصّنة في أفغانستان. من ناحية أخرى؛ ارتبطت دول آسيا الوسطى، بطريقة أو بأخرى، بـ "الحرب على الإرهاب" التي تشنّها الولايات المتحدة والتحالف الدولي، من خلال استضافة القواعد العسكرية الأمريكية، أو من خلال تسهيل عبور العتاد المدني والعسكري لخدمة الحرب في أفغانستان.

لكنّ علاقاتها تعود إلى ما قبل الفترة المعاصرة؛ فحتى وصول الروس في القرن التاسع عشر، لم تكن الحدود بين ما تُعرف الآن بآسيا الوسطى وأفغانستان حدوداً مادية واقعية، فقد ظلّت الروابط العرقية والدينية موطّدة وقوية بين السكان، على الرغم من "الفصل" الذي فرضته روسيا القيصرية ووريثُها الاتحاد السوفيتي: 25٪ من سكان أفغانستان ما يزالون طاجيكيّين، وما تزال البلاد موطناً لأقليات تركية وأوزبكية وتركمانية كبيرة، وما تزال أقلية قرغيزية صغيرة موجودة في "ممرّ واخان" في شمال شرق أفغانستان بين طاجيكستان والصين وباكستان.

بصفتها حارساً لجزء من حدود آسيا الوسطى مع أفغانستان، لا سيما في طاجيكستان، حيث توجد قواعد عسكرية يمكن لروسيا أنْ تثبت أنّها أكثر موثوقية في ضمان أمن المنطقة

منذ نهاية الاتحاد السوفييتي، عام 1991، لقيت بلدان آسيا الوسطى عناءً في إدارة حدودها مع أفغانستان، حدودُها مع طاجيكستان يبلغ طولها 1200 كم، في حين أنّ لتركمانستان حدود طولها 775 كم فقط مع جارتها، رغم أنّ الحدود مع أوزبكستان لا يزيد طولها عن 137 كم؛ فإنّ هناك العديد من الصلات التي تربط ما بين البلدين. أخيراً، لا تقع كازاخستان وقيرغيزستان على الحدود مع أفغانستان، لكنّهما تشعران بالقلق من ديناميكيات هذا البلد، ولو فقط لكونهما قد شاركتا أيضاً في الحرب السوفييتية في أفغانستان بين عامي 1979  و1989 .

مخاوف مبالغ فيها

في ظلّ هذه الظروف المعقّدة يمكن أنْ نتفهّم المخاوف التي تم التعبير عنها في الدول الخمس، حتى إنْ اتّسم بعضها بالمبالغة، وحتى إنْ كان الوضع الجديد يخلق الآن آفاقاً جيوسياسية جديدة بدأت تستقطب اهتمام البلدان المعنية، والخوف الأوّل متعلق بالنظام الأمني مع التهديد بأعمال إرهابية، والثاني مرتبط بتهريب المخدرات. في الواقع، يأتي الكثير من إنتاج الأفيون في العالم من أفغانستان، ومع ذلك، فإنّ المسارات التي يتمّ اتباعها لتصدير هذا المخدر تمرّ جزئياً عبر آسيا الوسطى، لا سيما عبر الحدود مع طاجيكستان.

اقرأ أيضاً: طالبان تناشد واشنطن لرفع العقوبات... تفاصيل

الخوف الأخير مرتبط بظاهرة الهجرات، ويرى قادة آسيا الوسطى أنّه إذا تسبّبت سلطة طالبان في نشوب حرب أهلية في البلاد، فهناك خوف من أنْ يلجأ الآلاف من الناس إلى آسيا الوسطى؛ حيث لا توجد رغبة أو قدرة على استقبالهم. السكان الأفغان غالباً ما يُنظَر إليهم بشكل سيّء من قِبل الرأي العام المحلي في بلدان آسيا الوسطى الذي ينظر إلى أفغانستان على أنّها بلد العنف والحروب والظلمات.

وأخيراً، ففيما يتعلق بالجهادية هناك تخوّف من أنْ يسعى أسياد أفغانستان الجدد إلى تصدير ثورتهم إلى بلدان ما تزال متأثرة إلى حدّ كبير بالتراث العلماني السوفييتي، لكن توجد فيها قوى دينية قادرة على أنْ تكون قنوات في خدمة طالبان، لكن من بين كلّ هذه المخاوف هناك الخوف من خطر أنواع الاتجار بالمخدرات الموجودة بالطبع، لكنّ هذا الاتجار لا يمكن أنْ ينمو إلا بتواطؤ مسؤولي الجمارك في هذه البلدان، أو حتى مع الأنظمة نفسها؛ لذلك فبدلاً من إلقاء اللوم على طالبان، سيكون من الأفضل محاربة الفساد في قلب الهياكل الأمنية لبلدان آسيا الوسطى.

الخطر الإرهابي

ومن غير المحتمل أيضاً وجود تهديد الهجرة، أي وصول لاجئين أفغان.

إنّ إلقاء نظرة سريعة على ظاهرة الهجرة الأفغانية، التي استؤنِفت عام 2014، مع بداية الانسحاب الأمريكي، يتيح لنا ملاحظة أنّ التدفقات تتجه نحو باكستان وإيران، وقد تأكد هذا الاتجاه بالفعل منذ الاستيلاء على السلطة مؤخراً من قبل طالبان. وهكذا، فإنّ تركيا، التي لا تقع على حدود أفغانستان، تستقبل لاجئين أفغان أكثر من دول آسيا الوسطى المجاورة.

اقرأ أيضاً: داعش يواصل عملياته الإرهابية في كابول... وطالبان تستعرض قوتها

لا شكّ في أنّ التهديد الرئيس الذي قد تواجهه بلدان الاتحاد السوفييتي السابق من قبل أفغانستان هو قبل كلّ شيء خطر الإرهاب وانتشار الأزمة الأفغانية، لكن هنا مرّة أخرى تبدو المخاوف مبالغاً فيها. في الواقع شكّلت الحركات الإرهابية التي نشأت في آسيا الوسطى، لا سيما الحركة الإسلامية في أوزبكستان، منذ سنوات، تهديداً حقيقياً للقوى القائمة، لا سيما في طشقند وبيشكيك ودوشانبه، لكن عندما غادر جهاديو آسيا الوسطى إلى أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي قطعوا صلتَهم عن بلدهم الأصلي، وتمسكوا بمنطق الحرب الخاصة بالمنطقة الأفغانية الباكستانية، وهكذا استبدلوا هدفَهم الأصلي، المتمثل في إسقاط أنظمة آسيا الوسطى، بمشاركة أكبر في الخلافات الدائرة بين الجماعات الإرهابية المختلفة في أفغانستان.

إضافة إلى ذلك، أدّت التدخلات العسكرية الأمريكية إلى تحييد العديد من الجماعات الإرهابية التي نشأت في آسيا الوسطى، وهكذا تمّ القضاء على القادة التاريخيين للحركة الإسلامية في أوزبكستان، جمعة نامانجين وطاهر يولداشيف في عامَي 2001 و2009. ومن ناحية أخرى، ابتداءً من عام 2011، استقطب ظهورُ منطقة جهادٍ جديدة، في العراق وسوريا، العديدَ من هذه الحركات القادمة من آسيا الوسطى موطنها الأصلي، والتي تركت أفغانستان لتستقرّ في الشرق الأوسط؛ حيث دمّرها التحالف الدولي ضد تنظيم داعش إلى حدّ كبير أيضاً. في أفغانستان، كما في سوريا، لم يتبقّ كثير من الإرهابيين الأوزبك، باستثناء مجموعات صغيرة، مثل الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، التي أسّسها الأويغور.

تصدير "الثورة المحافظة"؟

كما أنّ امتداد الأزمة الأفغانية في آسيا الوسطى مبالغ فيه أيضاً. الادعاء بأنّ طالبان ستصدّر "ثورتها المحافظة" إلى دول أخرى هو تجاهل وإساءة فهمٍ لواقع وحقيقة طالبان. بالأمس، كما هو الحال اليوم، تجسّد طالبان بالأحرى ظاهرة إسلامية مقتصرة على أفغانستان، وليست حركة ثورية دولية على غرار الثورة الإسلامية الإيرانية أو جماعة الإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: مقتل ناشطة عن حقوق المرأة في أفغانستان.. ما علاقة طالبان؟

لطالما كانت طالبان غير مستعدّة للتدخل في شؤون جيرانها الداخلية، بما في ذلك المسائل الدينية؛ فإذا هم قدّموا حمايتهم إلى تنظيم القاعدة فإنّ ذلك كان من باب احترام تقاليدهم الخاصة التي تمنع تسليم الضيف الذي يلجأ إليهم، من منطلق الولاء لقانون الشرف البشتوني، وليس رغبة حقيقية منهم في تصدير الحرب والأيديولوجية الإسلامية.

في حكومة طالبان الثانية أدركت النخبة الحاكمة بوضوح تكلفة دعم حركة طالبان "الأولى" للحركات الإرهابية التي عجّلت بغزو الولايات المتحدة، عام 2002، وهدفهم هو الحصول على اعتراف دولي.

اقرأ يضاً: أمراء الحرب الأفغان.. كلمة السر وراء عودة طالبان

من ناحية أخرى، تَغيّر سياق الإرهاب العالمي؛ ففي الواقع لم يعد التهديد الجهادي الأكبر هو القاعدة بل تنظيم داعش الذي له فرع في أفغانستان تحت عنوان "الدولة الإسلامية في خراسان"، العدو اللدود لطالبان الذين يقاتلونه بشراسة.

نتيجة لذلك؛ تبالغ النخب السياسية في آسيا الوسطى في تقدير المخاطر المتوقعة من هذا البلد، وهذا لسببين اثنين؛ أوّلاً منذ الأيام الأولى لاستقلالها استخدمت دول آسيا الوسطى حالة عدم الاستقرار السائدة في أفغانستان كذريعة لاتباع سياسات استبدادية، ومن ثمّ تأجيل الإصلاحات السياسية باستمرار، كان موقف النخبة هذا أكثر حزماً في أوزبكستان وطاجيكستان اللتين تضرّرتا من عدم الاستقرار الأفغاني أكثر من البلدان الأخرى.

لا شكّ في أنّ هزيمة أمريكا، التي تُعدّ إيجابية بالنسبة إلى روسيا والصين، ستكون أيضاً فرصة لتركيا وأيضاً لإيران التي لا تربطها صداقة قوية مع طالبان

ثانياً: بالنسبة لمعظم دول آسيا الوسطى كان تضخيم التهديدات الأفغانية، ويمكن القول إنّه سيستمر مستقبلاً، وسيلةً لتعميق علاقاتها مع المجتمع الدولي؛ فبفضل "الحرب على الإرهاب" في أفغانستان أقيمت علاقات شخصية بين القادة في آسيا الوسطى والولايات المتحدة، وبعبارة أخرى؛ أعطت الأزمة الأفغانية مكانة بارزة للدول غير المعروفة وغير الساحلية التي كانت تقليدياً تدور في المدار الروسي، بالتالي؛ فإنّ عدم الاستقرار الأفغاني يتيح موارد جيوسياسية جديدة للقادة الحاليين، وهي ظاهرة ستزداد توسعاً في الأشهر المقبلة.

معطيات إقليمية جديدة

إذا كان لصعود طالبان إلى السلطة في كابول تأثيرٌ محدود وضئيل على مجتمعات آسيا الوسطى؛ فإنّ هذا التأثير لن يكون هو نفسه على الصعيد الجيوسياسي، ولا شكّ في أنّ انتصار طالبان السريع في كابول على الحكومة التي نصبتها الولايات المتحدة، والتي رأينا هشاشتها أو عدم شرعيتها، يمثّل في النهاية هزيمة ساحقة لها، ولأوروبا على السواء.

اقرأ أيضاً: أول ظهور لزعيم حركة طالبان

تندرج هذه الهزيمة في سياقٍ عالمي؛ حيث نشهد اليوم تراجع الديمقراطيات لصالح نماذج سياسية جديدة أكثر سلطوية، وبالنسبة إلى آسيا الوسطى؛ يعني هذا بشكل ملموس أنّ الدول المنافسة للغرب، ومنها الصين وروسيا، تسجّل انتصارات في هذه المنطقة.

بالنسبة إلى روسيا، القوة الوصيّة السابقة التي ما انفكّ نفوذها يتراجع بشكل مطرد منذ نهاية الاتحاد السوفييتي، تمثّل هزيمةُ أمريكا انتصاراً حقيقياً لها، ومع الإذلال الذي عانته بسبب الاحتلال السوفييتي الطويل غير الناجح والانسحاب المشين الذي حدث قبل وقت قصير من انهيار الاتحاد السوفييتي لا تخفي موسكو رضاها، فمن خلال الهزيمة الأمريكية وانتصار طالبان، التي أخافت أنظمة آسيا الوسطى كثيراً، يمكن لروسيا الآن إقناع هذه البلدان بتقوية الهيكل الأمني الجماعي الذي يوحّدها، منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وإقناع الدول التي لم تصبح بعد جزءاً منها، مثل أوزبكستان، للانضمام إلى المنظمة.

بصفتها حارساً لجزء من حدود آسيا الوسطى مع أفغانستان، لا سيما في طاجيكستان، حيث توجد قواعد عسكرية يمكن لروسيا بالتالي أنْ تثبت أنّها أكثر موثوقية من الغرب في ضمان أمن المنطقة.

لقد جُسّدت هذه العودة بشكل جيد للغاية في القمّة التي عقِدت في موسكو، في 20 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2021، وقد أتاح هذا الاجتماع المكرَّس للأزمة الأفغانية، لـ 10 دول إقليمية، تنسيقَ سياستها نحو النظام الجديد في أفغانستان: حوار مع طالبان بهدف تهميش تدخلات الدول الغربية غير المدعوة لتمويل إعادة إعمار البلاد.

اقرأ أيضاً: مسلحون يقتلون شخصين لاستماعهما للموسيقى.. ما موقف "طالبان"

كما أنّ الصين، اللاعب الرئيس الآخر في آسيا الوسطى، تعزّزت مكانتُها بفعل هذه الهزيمة الغربية، وهي تسعى جاهدة بالفعل لإزاحة روسيا اقتصادياً عن المنطقة، وتأمل في تعزيز هيمنتها الإقليمية بشكل أفضل عبر "طرق الحرير الجديدة" التي تقترحها، والتي ستكون في النهاية قادرة على دمج أفغانستان فيما يتعلق بالأمن ستكون أولويتها الحوار مع طالبان، للسيطرة بشكل أفضل على حركات الأويغور الجهادية، التي لا شكّ في أنّها أصبحت الآن ضعيفة، لكنّها ما تزال تقلق بكين.

فرص تركيا وإيران

لا شكّ في أنّ هزيمة أمريكا، التي تُعدّ إيجابية بالنسبة إلى روسيا والصين، ستكون أيضاً فرصة لتركيا وإيران. إيران لا تربطها صداقة قوية مع طالبان، لكن يمكن أنْ تكتفي فقط بفشل أمريكا التي أصبحت أضعف الآن، بما في ذلك في المفاوضات حول برنامج إيران النووي، وإذ يساورها القلق بشأن مصير أقلية الهزارة التي تعرّضت لسوء المعاملة من قبل طالبان في الماضي فستتكفل الجمهورية الإسلامية بمستقبل هذه المجموعة الشيعية من خلال إقامة حوار جيّد مع أسياد كابول الجدد.

اقرأ أيضاً: حكومة طالبان تعلن بدء تشكيل الجيش الأفغاني... هذه مهامه

 ولأنّ للطرفين عدوّاً مشتركاً، وهو داعش، فإنّ هذا سيساعد طهران وكابول على التعاون بينهما في المجال الأمني.

أمّا تركيا، التي أقامت بالفعل علاقات جيّدة مع كلّ من القوى الموالية لأمريكا ومع طالبان؛ فإنها تحصل اليوم على فرص اقتصادية، بل وحتى دبلوماسية وعسكرية جديدة، توسّع بها دائرة نفوذها من آسيا الوسطى إلى أفغانستان الجديدة، فحتى وإنْ لم تعد مسألة تأمين أنقرة لمطار كابول مطروحة اليوم، كما كان متصوّراً في البداية، إلا أنّها في طريقها للمشاركة بشكل كبير في الإدارة المدنيّة للمطار، وهكذا تبقى تركيا الدولة الوحيدة في حلف الناتو التي ما تزال متواجدة وفاعلة في أفغانستان.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://orientxxi.info/magazine/l-asie-centrale-a-l-heure-des-talibans,5188




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية