"ترحيل السوريين" من ألمانيا: هل يذهب المعذَّبون بجريرة المجرمين؟

"ترحيل السوريين" من ألمانيا: هل يذهب المعذَّبون بجريرة المجرمين؟

مشاهدة

23/12/2020

أثار قرار رفع الحظر عن ترحيل السوريين في ألمانيا جدلاً واسعاً منذ إعلان نائب وزير الداخلية، هانس غيورغ أنغيلكه، في 11 كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ "الحظر العام على الترحيل إلى سوريا ستنتهي مدته في نهاية هذا العام"، مضيفاً أنّ "الذين يرتكبون جرائم، أو يسعون وراء أهداف إرهابية لإلحاق أذى خطير بدولتنا وشعبنا، يجب أن يغادروا البلاد وسوف يغادرون".

اقرأ أيضاً: بالوقائع والأرقام.. الانتهاكات مستمرة بحق الصحفيين في شمال سوريا

وبحسب تقرير موقع "دويتشه فيله" الألماني؛ جاء هذا القرار "خلال مؤتمر (أونلاين) بين وزير الداخلية الفيدرالي المحافظ هورست زيهوفر، الذي كثيراً ما طالب بإنهاء حظر الترحيل، ووزراء الداخلية الـ 16 على مستوى الولايات، والوزير زيهوفر ينتمي للاتحاد الاجتماعي المسيحي (البافاري)، وهو الشريك الأصغر في حكومة أنجيلا ميركل، المكوّنة من "ائتلاف كبير" يمين ويسار".

وأشار التقرير إلى أنّ "الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك الآخر في الائتلاف قد فشل في مسعى تمديد الحماية المطبقة منذ 2012 لستة أشهر، وقال الحزب إنّ الوضع المحفوف بالمخاطر في سوريا لا يسمح بالدفاع عن عمليات الترحيل إليها"، كذلك نظّم ناشطون حقوقيون سوريون مظاهرات عدة في مدن ألمانية ضمن حملة "سوريا غير آمنة" رفضاً لقرار إلغاء الحظر.

أسباب الترحيل

وذكرت الحملة، عبر صفحتها الرسمية على الفيسبوك، أربعة أسباب إجابة عن سؤال: "لماذا يجب على ألمانيا ألّا ترحّل السوريين، أو حتى السوريين مرتكبي الجرائم إلى سوريا؟"، وتمثلت الأسباب في:

1- ترحيل السوريات أو السوريين مرتكبي الجرائم إلى دولة تعذيب يناقض القانون الدولي.

2- منع الترحيل دخل حيز التنفيذ منذ عام 2012 لحماية طالبي الحماية السوريين من إعادتهم إلى منطقة حرب، وهذا الوضع لم يتغير إلى اليوم، فسوريا ما تزال محكومة من النظام نفسه، والناس ما يزالون معرّضين للاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري.

3- عندما نتحدث عن سوريا، فإننا نتحدث عن بلد محكوم من طاغية، لا سلطة للقانون فيه ومبادئ حقوق الإنسان مهملة، ويتم الضرب بها عرض الحائط، كلّ يوم يتعرض الناس في سوريا للاعتقال والتعذيب والقتل على يد قوات الأمن السورية، وأكثر من 130.000 تمّ إخفاؤهم في سجون الأسد، وأكثر من 14.000 فقدوا حياتهم تحت التعذيب؛ لا يستحق أيّ إنسان هذه المعاملة.

4- مرتكبو الجرائم يجب أن يتلقوا المحاكمة تحت حكم القانون، ومن أجل محاسبتهم يجب أن يكون هناك نظام قضائي عادل يحكم استناداً لمبادئ حقوق الإنسان، هذا الشيء غير موجود في سوريا، وذلك هو السبب في عدم إمكانية محاسبة المجرمين داخل سوريا، لذلك لجأنا للقضاء الدولي في ألمانيا لمحاسبة مجرمي الحرب السوريين. حالياً تتمّ محاكمة ضابطي أمن سوريين سابقين في مدينة كوبلنز، بسبب ارتكابهم جرائم ضدّ الإنسانية، ونحن سعيدون لمحاسبتهم، لكننا نتساءل: كيف يمكن لألمانيا أن ترحّل أشخاصاً إلى سوريا بينما تتم في ألمانيا محاسبة ضباط أمن سوريين ارتكبوا جرائم ضدّ الإنسانية؟

هل ستعيد ألمانيا اللاجئين إلى سوريا؟

وحول هذا الموضوع، يقول الكاتب والمترجم السوري، حسام موصللي، لـ "حفريات": "المغالطة التي حصلت بالسؤال الذي طرح عموماً، وهو؛ "هل ستعيد ألمانيا اللاجئين السوريين إلى سوريا؟" صياغة السؤال بهذا الشكل، والتي طرحها برنامج "جعفر توك" على قناة "دويتشه فيله" الألمانية، صدَّر الموضوع على الشكل الآتي: "ألمانيا تُلغي حظر ترحيل اللاجئين السوريين"، وهذا الحديث لا معنى له، ولا يمت بصلة للاجتماع الذي حدث بين وزراء الداخلية الألمانية".

الكاتب والمترجم السوري حسام موصللي

وأضاف: "ما جرى أنّه في عام 2012 صدر قرار مؤقت بـ "حظر الترحيل إلى سوريا"، والقرار لم يشمل الحديث عن اللاجئين؛ إذ إنّ القرار صدر بسبب الوضع الإنساني والسياسي في سوريا، واستناداً لتقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، اتجهت ألمانيا ودول أوروبية أخرى للعمل إلى "حظر الترحيل إلى سوريا"".

هذا الإجراء كان يجدَّد بشكل شبه روتيني، مثلما حدث مؤخراً، يعقد الوزراء الألمان اجتماعاً تجري خلاله مناقشة أوضاع البلد، وهل سيتمّ تمديد الحظر أم لا؟ 

ويرى موصللي؛ أنّه "في هذه الفترة كان من المتوقّع ألّا يتمّ تمديد الحظر صراحةً، "حتى الناس الذين خرجت في حملة "سوريا غير آمنة" كانوا متخوّفين من هذا الاجتماع بالذات، وكانوا متوقعين أن يتمّ تمديد الحظر؛ لأنّ هناك وفد ألماني من اليمين المتطرف زار بشار الأسد، وهؤلاء هم من حركوا هذا الموضوع،  ليقولوا للمجتمع والرأي العام في ألمانيا "سوريا آمنة ولا يوجد خطر على اللاجئين"".

إذا لجأ شخص ما إلى بلاد ما، فلا يحقّ لأحد، وإن كان من أصحاب البلاد أن يعيد هذا الشخص إلى بلاد هرب منها

وتابع موصللي حديثه: "قانونياً لا يوجد شيء اسمه "ترحيل اللاجئين"، ولا شيء يشير لتحديد جنسيتهم أيضاً "اللاجئين السوريين"، وذلك لعدة أسباب قانونية، نذكر منها؛ الاتفاقيات الخاصة باللاجئين (مثل اتفاقية جنيف 1951)، وبروتوكول دولي في سنة 1967 (على ما أذكر)، وإضافة لاتفاقيات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، وفي الاتحاد الأوروبي هنالك أكثر من الاتفاقيات والمواثيق المتعلقة بموضوعي الهجرة واللجوء، وحتى القانون الألماني الداخلي".

اللاجئون لا يرحَّلون

واستناداً لهذه القوانين؛ يرى الكاتب السوري أنّ مسألة الترحيل ستكون أمام مستويات عدة من الإجراءات القانونية المتشابكة والمترابطة فيما بينها، لذلك اللاجئون لا يرحَّلون، خاصة ترحيلهم بشكل جماعي، والترحيل الجماعي مرفوض قانونياً بشكل قاطع، سواء كان مبنياً على الجنس أو العرق أو الدين أو الموقف السياسي" بحسب تعبيره.

اقرأ أيضاً: بأمر من تركيا... مقاتلون سوريون إلى الصومال... لماذا؟

وتابع قائلاً: "اللاجئ -الفرد، تقنياً أو قانونياً، لا يُرحَّل، لماذا؟ لأنّ أيّ شخص يحصل على صفة قانونية للحماية واللجوء، من المفترض أنّ الدولة المضيفة تقوم بإلغاء هذا اللجوء او الحماية بدايةً، وعندها يصبح غير لاجئ".

وبخصوص ما جرى الحديث عنه في الاجتماع لـ "ترحيل السوريين"، وليس ترحيل "اللاجئين"، فإنّ مجموعة المجرمين أو المدانيين، أو بحسب التوصيف الإعلامي؛ "الإسلاميين المتطرفين والخطرين"، هؤلاء أشخاص، يقول موصللي، "لم يحصلوا على لجوء، أو تمّ رفض طلب لجوئهم، وهم موجودون في ألمانيا تحت بند قانوني يمكن توصيفه باللغة العربية (رأفةً بحاله)، أي أنّ هذا الشخص الفلاني في بلده مصائب وحروب، لذلك لا يمكن إعادته إليه".

أما الكاتب والباحث السوري، ماهر مسعود، فقال لـ "حفريات": "عند النظر في القرار الجديد الذي ينهي حظر الترحيل الشامل، السائد منذ عام 2012، لا بدّ من أخذ عدة مسائل بعين الاعتبار؛ أولاً: أنّ ألمانيا ليست تركيا أو لبنان أو الأردن، ولا نستطيع مقارنتها بأيّ من الدول التي استقبلت مئات آلاف اللاجئين السوريين، فألمانيا ليست ديكتاتورية، ولا محكومة بالحزب الواحد، ولا يتمّ اتخاذ القرارات فيها بموجب مراسيم رئاسية أو برلمانات كراكوزية غير تمثيلة، بل هي من أكثر دول العالم ديمقراطية ومراعاة لحقوق الإنسان واحتراماً لكرامته، ولا مبرر للخوف فيها من قرارات اعتباطية وترحيل جماعي".

قرار متعلق بالمجرمين

وأضاف: "القرار الجديد هو أولاً قرار متعلّق بالمجرمين الخطرين، والمقصود هنا ليس أيّ مجرمين، بل الإرهابيين والمتطرفين الإسلاميين تحديداً؛ حيث صرّح وزير الداخلية بوجود 90 سورياً من المصنفين تحت خطر الإرهاب، ولا يمكن الأخذ بهذا القرار بمعزل عن العمليات الإرهابية التي حصلت في النمسا وفرنسا مؤخراً، أو عمّا حصل في ألمانيا ذاتها من عمليات متفرقة، تحمل جميعها طابع التطرف الديني منذ عام 2015 حتى اليوم، (آخرها كان الاعتداء بسكين على زوج من المثليين في دريسدن، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، مما أدى لمقتل أحدهما وجرح الآخر)".

الكاتب والباحث السوري ماهر مسعود

وتابع حديثه: "ثانياً: صدر القرار بعد نقاشات وصعوبات واعتراضات مهمة على مضمون القرار؛ أهمها كان اعتراض الحزب الديمقراطي الاشتراكي "الخضر"، ورغم ذلك لا توجد بنود إجرائية في القرار؛ لأنّه لا توجد علاقات سياسية، ولا دبلوماسية، بين ألمانيا وحكومة الأسد، والموقف الألماني والأوروبي والأمريكي واضح بهذا الخصوص؛ حيث لن تنشأ هذه العلاقات قبل وجود حلّ سياسيّ شامل ومتفق عليه دولياً للقضية السورية".

نشاط مضاد لرفض القرار

وأردف قائلاً: "ثالثاً: إنّ نشاط أفراد ومنظمات المجتمع المدني السوري والألماني في رفض القرار، عبر التظاهر في الساحات، أو القيام بالحملات عبر وسائط التواصل الاجتماعي، هو نشاط صحّي وضروري، للتذكير الدائم بأنّ سوريا بلد غير آمن وتحكمه العصابات، لكن ذلك لا يعني وجود تهديد حقيقي بترحيل اللاجئين، ومن المفارقات التي تحملها تلك النشاطات المدنية المهمة؛ أنّه لا يمكن أن تجد إسلامياً واحداً فيها، ولا مؤيداً واحداً لبشار الأسد أيضاً، على الرغم من وجود آلاف المؤيدين في ألمانيا؛ منهم مجرمون وعناصر ميليشيات سابقون، ومجرمو حرب، جاؤوا عبر لمّ الشمل، أو طرق اللجوء الأخرى، بعد أن ضاقت بهم سبل الحياة في سوريا".

اقرأ أيضاً: لماذا يرفض اللاجئون السوريّون في غزّة دعوة بشار الأسد للعودة؟

وختم مسعود حديثه: "مرة أخرى يبدو المجتمع السوري المعارض ناشطاً في الدفاع عن حقوقه وكرامته في ألمانيا، مثلما كان في سوريا، في الوقت الذي يشمل معه حقوق وكرامة المؤيدين والإسلاميين، أي حقوق وكرامة مضطّهديه، ممن قتلوه وهجّره، باعتبارهم ضمناً سوريين، فنتائج الحرية والكرامة والحقوق التي ما يزال يحمل شعلتها أبناء ثورة 2011، إن تحققت في سوريا، أو رفعت صوت السوريين في ألمانيا، فإنّها تشمل جميع السوريين، دون استثناء الحرية عمّن قال سابقاً "بدكن حرية!"". 

الكاتب دلير يوسف لـ"حفريات": فتح باب الترحيل خطرٌ عظيم، فما هي معايير مَن "يستحقون" الترحيل؟ ثم مَن هم المجرمون ومن هم الصالحون؟

أما الكاتب والمخرج السينمائي السوري، دلير يوسف، فقال لـ "حفريات": "في الأصل، من حقّ كلّ شخص أن يعيش في المكان الذي يريده، فكيف إن كان لاجئاً، هارباً من فقرٍ، أو من حربٍ أهليّة، أو من نظام كنظام الأسد، الذي دمّر نصف البلاد بقنابله وبراميله المتفجرة وطائراته الحربيّة ومدفعيته، نظام قائم في أساسه على السجون والتعذيب والقهر والذل؟".

وأضاف: "لا يحق لأحد أن يمنع أيّ شخص آخر عن اللجوء، وإن لجأ شخص ما إلى بلاد ما، فلا يحقّ لأحد، وإن كان من أصحاب البلاد أن يعيد هذا الشخص إلى بلاد هرب منها، وإن كان مجرماً؛ فالمجرم يُتَّهم، ويُحاسب، ويُسجن، في مكان إقامته، ولا يُرسل إلى بلاد يحكمها بشار الأسد، قد يؤدي وصوله إليها إلى الموت في أحد أقبية المخابرات".

الكاتب والمخرج السينمائي السوري دلير يوسف

ويرفض يوسف قرارات الترحيل، جملة وتفصيلًا، للسوريين ولغيرهم، بحسب تعبيره.

وقال: "فتح هذا الباب خطرٌ عظيم، ما هي معايير من "يستحقون" الترحيل؟ يقولون إنّهم سيرحّلون المجرمين. حسنًا، من هم المجرمون ومن هم الصالحون؟ ما هي المعايير التي سيتبعونها في تحديد الجريمة التي يستحق صاحبها الترحيل من الجريمة التي لا يستحق صاحبها الترحيل؟ ألا يبدو الأمر واسعاً  وخاضعاً لتجاذبات سياسيّة قد تحدث في المستقبل، ومن ثمّ أليست ألمانيا ضدّ الإعدام؟ ألا يعرف من يدعو لهذا القانون بأنّ ترحيل الناس إلى سوريا التي يحكمها الأسد يكاد يساوي حكم الإعدام؟".

الصفحة الرئيسية