تقرير الحالة الدينية في المغرب: تباين أداء الإسلاموية والطرق الصوفية والمؤسسات الدينية

تقرير الحالة الدينية في المغرب: تباين أداء الإسلاموية والطرق الصوفية والمؤسسات الدينية

مشاهدة

28/12/2021

عن مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث، صدر الإصدار الثالث لتقرير الحالة الدينية في المغرب، والخاصة بالفترة الممتدة بين 2018 و2020، وهو الإصدار الذي يأتي بعض تقريرين سابقين، تطرقاً للموضوع نفسه، حيث كان الأول خاصاً بمرحلة 2013-2015، بينما كان الثاني خاصاً بمرحلة 2015-2017.

تضمن الإصدار الثالث مقدمة حول منهجية الاشتغال على هذا العمل الجماعي، متبوعة بتسعة محاور ومحور أخير يتضمن أهم الخلاصات، ومن بين محاوره، الاشتغال على أداء مؤسسة إمارة المؤمنين، باعتبار الملك في الساحة المغربية، هو الساهر دستورياً وعرفياً على حماية الدين والملة، إضافة إلى محاور تطرقت لأداء المؤسسات الدينية والطرق الصوفية والحركات الإسلامية والتيار السلفي، واليهود المغاربة.

ومن بين محاور التقرير كذلك، نقرأ محوراً مخصصاً لأداء "تديّن الهامش"، ويهم البهائية والشيعة والأحمدية، وهناك محور تطرق لعرض أهم التفاعلات البحثية والإعلامية مع زيارة بابا الفاتيكان للمغرب، ومحاور إضافية حول الإسلاموية، من قبيل الأداء السياسي والمؤسساتي للإسلاميين"، أو "النسوية وخطاب الإسلاميين في المغرب".

تضمن الإصدار الثالث مقدمة حول منهجية الاشتغال على هذا العمل الجماعي متبوعة بتسعة محاور ومحور بأهم الخلاصات

بالنسبة لأهم خلاصات التقرير، نقرأ في المحور الخاص بالأداء السياسي للإسلاميين أنّ حزب "العدالة والتنمية" حرص منذ أن انخرط في تدبير الشأن الحكومي، على التزام خطاب يميزه عن باقي الفرقاء السياسيين، ولو تطلب الأمر توجيه النقد إلى جزء من "بنية الدولة"، من قبيل ما رَوّج له قبيل انتخابات 2016، عبر شعار "مكافحة التحكم"، وهي العبارة التي نحتها الأمين العام السابق عبد الإله بنكيران، وهو الشعار الذي روجته قيادات وقواعد الحزب في الإعلام الحزبي والخاص وفي مواقع التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: "الدراسات الإسلامية: إلى أين؟".. لماذا أثارت محاضرة وزير الأوقاف المغربي ردود الإخوان؟

موازاة مع الخيار العمل المؤسساتي الذي تبنته حركة "التوحيد والإصلاح" عبر بوابة حزب "العدالة والتنمية"، ما تزال باقي التنظيمات الأخرى في مرحلة انتظارية، وفي مقدمتها جماعة "العدل والإحسان"، مقابل حزب آخر طواه النسيان كحزب "النهضة والفضيلة"، ويتجه إلى الأفول، على غرار ما جرى مع حزب "البديل الحضاري" أو "حزب الأمة".

وإجمالاً، يبقى الأداء السياسي للإسلاميين، بمنطق الصراع حول القيم السياسي والأفكار أو بمنطق السياسات العمومية، هو المختبر الحقيقي لفحص كل القيم التي يدعي الإسلاميون الأفضلية عن غيرهم بامتلاكها، وخصوصاً ما يتعلق بالصدق والأمانة والزهد، وهي الادعاءات التي ترتطم بجدار السياسة فيكتشف الناس ممارسات متباينة، أو مغايرة لهذا الشعار كما جرى في العديد من القضايا مع حزب "العدالة والتنمية" وحركة "التوحيد والإصلاح"، ويظهر جلياً أن تلك الخطابات الأخلاقية الآتية من الزعم بالدفاع عن الإسلام كانت أدوات عملية ساعدت في تغذية الخزان الانتخابي، دونما الاكتراث لصوغ أداء سياسي فعال مؤسساتياً واجتماعياً.

حزب "العدالة والتنمية" حرص منذ انخراطه بالشأن الحكومي على التزام خطاب يميزه عن باقي الفرقاء السياسيين

فيما يتعلق بأداء المؤسسات الدينية المعنية بتفعيل توجيهات مؤسسة إمارة المؤمنين، خلُص التقرير إلى أنّ هذه الأخيرة تواجه عدة تحديات على الصعيد المحلي، موازاة مع التحديات الخاصة بالمحيط الٌإقليمي والدولي، ومن ذلك تواضع أداء المؤسسات الدينية في الترويج العلمي لمرجعية ومكانة مؤسسة إمارة المؤمنين لدى الرأي العام المغربي مقارنة مع ما هو مطلوب منها؛ وكذلك تراجع عدد الفاعلين الدينيين في المؤسسات الدينية، من المؤمنين قولاً وعملاً بمرجعية ومكانة مؤسسة إمارة المؤمنين، خاصة أنّ أداء المؤسسات الدينية تميز خلال العقود الأخيرة، بإدماج فاعلين ينهلون من مرجعية إسلامية حركية، ويصعب أن ننتظر منهم أخذ مسافة نظرية نهائية من تلك المرجعية، بما يُؤثر على أداء تلك المؤسسات.

دعا التقرير لفتح ورش نقدية حول أداء أغلب المؤسسات الدينية عبر إعادة هيكلة تتطلب أفكاراً وأسماءً جديدةً

هناك معطى ثالث، يهم ما يمكن الاصطلاح عليه بالتشويش الإسلاموي على أداء مؤسسة إمارة المؤمنين، سواء كان هذا التشويش صادراً عن حركة إسلامية معترف بها رسمياً، وهي حركة "التوحيد والإصلاح" بذراعها الحزبي والسياسي، أو كان صادراً عن جماعة إسلامية غير معترف بها رسمياً، وهي جماعة "العدل والإحسان" التي تنهل من خطاب "الخلافة على منهاج النبوة". نقول هذا بصرف النظر عن كون الأمر يتعلق بحركة وجماعة تجسدان أقلية مجتمعية، ولكن حضورها الإعلامي والمجتمعي، وفي العالم الرقمي، يشوش على أداء وحضور المؤسسات الدينية.

من المآخذ على أداء المؤسسات الدينية المغربية كما توقف عند ذلك التقرير، تواضع حضورها في العالم الرقمي، وذلك بالرغم من الحضور الرقمي الكبير للخطاب الإسلاموي، بل إنه حتى خريف 2021، تاريخ التحرير النهائي للتقرير، يُعاين المتتبع أن مؤسسة المجلس العلمي الأعلى، التي تحتضن جميع المجالس العملية المحلية، لا تملك موقعاً إلكترونياً ناطقاً باسمها، بينما نجد عند الحركات الإسلامية، مواقع رقمية، والأمر نفسه مع الغياب الرقمي لرموز المؤسسات الدينية، حيث يقتصر الحضور الرقمي على بعض العلماء أو الوعاظ أو الموظفين، ويتم ذلك الحضور بشكل تطوعي، أو من باب إبراء الذمة في مواجهة تقاعس رقمي مؤسساتي، مع أن الحضور الرقمي من صلب المهام المنوطة بهذه المؤسسات، أي مهام الوعظ والتوجيه والإرشاد.

من المآخذ على أداء المؤسسات الدينية المغربية وفق التقرير تواضع حضورها في العالم الرقمي

كما خلُص التقرير إلى أنّ زيارة بابا الفاتيكان للمغرب، بين 30 و31 آذار (مارس) 2019، كانت مؤشراً حول تواضع أداء المؤسسات الدينية في التفاعل البحثي والإعلامي والتواصلي مع الحدث، إلى درجة أن بعض القضايا التي أثيرت على هامش الزيارة بسبب توظيفات وقراءات اختزالية متوقعة، وكانت صادرة عن الإسلاميين، على الصعيد المحلي والإقليمي، قوبلت بغياب شبه كلي في الرد والنقد والنقض من طرف رموز المؤسسات الدينية، والحديث هنا يهم على الخصوص المجالس العلمية المحلية ورابطة العلماء، ومن ذلك، أن عدد المقالات الصادرة عن هذه المؤسسات قبل موعد الزيارة، كان نادراً، أخذاً بعين الاعتبار عدد هذه المؤسسات والأدوار المنوطة بها من جهة، وأخذاً بعين الاعتبار من جهة ثانية، التفاعل الإعلامي الدولي الذي حظيت به الزيارة.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: "جريمة" في مقر النهضة وتحريض في المغرب وتواطؤ في اليمن

كما وجه التقرير دعوة إلى فتح ورشات نقدية حول أداء أغلب المؤسسات الدينية، عبر إعادة هيكلة تتطلب أفكاراً جديدةً، وأسماءً جديدةً، وأخذاً بعين الاعتبار أنه مرت 16 سنة على انطلاق مشروع "إعادة هيكلة الحقل الديني"، ابتداءً من نيسان (أبريل) 2004، فإنّ هذه المؤسسات معنية بمشروع كبير يدور في ثنائية التقييم والتقويم، ومن مخرجات هذا المطلب الضروري إطلاق نسخة جديدة من مشروع "هيكلة الحقل الديني" بأفق استراتيجي يُكرس أفق صيانة الدولة والدين، من أجل مواجهة تحديات الداخل والخارج، ومن أجل منافسة تجارب إقليمية صاعدة ومؤثرة في المنطقة، وفي مقدمتها النموذج التركي والنموذج الإيراني، اللذان يشتغلان بأفق استراتيجي، وصل مداه إلى درجة اختراق مخيال شعوب المنطقة.

بخصوص أداء الطرق الصوفية، فقد لاحظ التقرير أنه بالرغم من أنّ المغرب بلد العمل الصوفي مقارنة مع العديد من دول المنطقة العربية، ورغم حضور تأثير التديّن الصوفي على الاجتماع المغربي في التربية والسلوك والفن.. إلخ، إلا أن التحولات التي يمر منها هذا التديّن من جهة، موازاة مع تحديات أخرى من خارج المجال الصوفي من جهة ثانية، تفيد أن هذا الموروث الديني والثقافي مُعرض لمزيد تآكل، ويحتاج إلى صيانة مقارنة مع ما مضى من مبادرات رسمية وشعبية سعت إلى تغذية هذا الموروث.

زيارة البابا كانت مؤشراً حول تواضع أداء المؤسسات الدينية في التفاعل البحثي والإعلامي والتواصلي مع الحدث

واعتبر التقرير أنّ صيانة التصوف الإسلامي في المغرب تحتاج إلى إرادة جماعية مضادة، مع تفعيل مقتضياتها في عدة حقول مجتمعية، في الإعلام والتعليم والعمل الجمعوي.. إلخ، والتي تكشف عن تلك التحديات: ففي المجال التعليمي، يكفي مقارنة وزن شعب الدراسات الإسلامية في الجامعات المغربية، مقارنة مع وزن الشعب الجامعية التي تشتغل على الخطاب والعمل الصوفي، مع الأخذ بعين الاعتبار الأفق الديني الإيديولوجي للعديد لشعبة الدراسات الإسلامية في الساحة المغربية بسبب حضور الإسلاموية؛ أما في المجال الإعلامي، فإنّ البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تشتغل على التعريف بهذا الموروث الديني المغربي العريق، لا زالت متواضعة مقارنة مع ما هو مطلوب.

التباين في الأداء الميداني بين الطرق الصوفية والحركات الإسلامية لا يقتصر على الأداء في العالم الرقمي بل المادي

وفي ما يتعلق بأداء الطرق الصوفية في العالم الرقمي، ومع أنّ حضور التصوف في المغرب أقدم وأكبر من الحضور الإسلاموي، إلا أنّ الآية معاكسة في الحضور الرقمي  للطرفين؛ أي حضور كبير للإسلاموية مقارنة مع حضور متواضع للتديّن الصوفي، وتقع مسوؤلية التقصير في هذا الحضور، على جهتين على الأقل: الأولى تهم الطرق الصوفية التي تحتاج إلى مزيد حضور رقمي، من باب المساهمة في ملأ الفراغ وتغذية الطالب على التديّن في ما يُشبه "سوق دينية" تخضع لقاعدة العرض والطلب على الخطاب الديني؛ أما الثانية، فهي مرتبطة بتواضع أداء المؤسسات الدينية في صيانة التصوف.

وأضافت خلاصات التقرير أنّ التباين في الأداء الميداني بين الطرق الصوفية والحركات الإسلامية لا يقتصر على الأداء في العالم الرقمي، وإنما نجده قبل ذلك في الواقع المادي، عندما نقارن معالم هذا الحضور في المجال الإعلامي والمراكز البحثية.. إلخ، بحيث لا نجد طريقة صوفية مغربية، تملك منابر رقمية أو ورقية، أو مراكز بحثية، مع بعض استثناءات، مقارنة مع السائد عند أغلب الحركات الإسلامية.

 

اقرأ أيضاً: "العدالة والتنمية" يستند إلى "أدبيات الإخوان" لتفسير هزيمته في المغرب

للتذكير، يصدر في المغرب تقرير آخر عن الموضوع نفسه؛ أي الحالة الدينية في المغرب، ولكن من منظور إخواني؛ لأنه يصدر عن المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة التابع لحركة "التوحيد والإصلاح" وحزب "العدالة والتنمية"، ولهذا سبق للباحث والخبير في القضايا الدينية، محمد ضريف، أن وصف تقرير المركز الإخواني بأنه "تقرير إيديولوجي".


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية