رحيل صباح فخري.. صناجة العرب وعراب القدود الحلبية يودع محبيه ‎

رحيل صباح فخري.. صناجة العرب وعراب القدود الحلبية يودع محبيه ‎

مشاهدة

02/11/2021

لولا صباح فخري، لربما كان كثير من الأغاني والألحان التراثية السورية والقدود الحلبية قد غلبها النسيان أو اندثرت، وكأنّ القدر قد بعث قبل 8 عقود بذلك الطفل الذي حفظ القرآن الكريم وأتقنه، ونهل من التصوف وبحور النقشبندية، ليفتش عن تلك الجواهر ويقدّمها بصوت جهوري يتكون من خامة خاصة تتداخل فيها القوة والشعور بالدرجة ذاتها، والصلابة والرخاوة، على نحو لا يمكن إلّا أن ينتشر ويفوح ويؤثر.

وإذا وضع القدر نهاية فعليّة لمسيرة صباح فخري برحيله صباح اليوم عن عمر يناهز 88 عاماً، فإنّ إرثه الكبير الذي يحتوي على 347 عملاً غنائياً، منها 110 من الطرب القديم الذي لا يُعرف له ملحن و66 عملاً لحنها وغناها، وتشمل مواويل وقصائد وموشحات وطقاطيق كما غنى من ألحان غيره نحو 87 موشحاً لملحنين سوريين ومصريين، بحسب ما وثقه الباحث التونسي إلياس بودن، إنّ هذا الإرث سيعيش ويتم تناقله إلى عقود طويلة قادمة، ففخري واحد من العمالقة الذين تتزايد أحجامهم وعظمتهم بمرور الوقت في علاقة عكسية عصية على النسيان.

 

ولد صباح فخري، واسمه الحقيقي صباح أبو قوس، في مدينة حلب في 2 أيار عام 1933، وكان أبوه رجل دين يُعلّم القرآن الكريم وتجويده، وصاحب طرق صوفية

 

وليست تلك العلاقة العكسية الوحيدة التي ارتبطت بالراحل، فقد خبر منهم الكثير، مثلاً قدرته على الرقص والتمايل على المسرح في أداء أقرب إلى المولوية الصوفية، ارتبطت به وحده وسمّاها "السنبلة"، دون أن يختل توازنه، أو تأخذ الرقصة شيئاً من صوته الجهوري الثابت، حتى أنه الوحيد الذي غنى 10 ساعات متواصلة في العام 1968، ودخل بها موسوعة غينس للأرقام القياسية، وقيل إنّ ذلك الرقم ليس أكثر ما استطاع الوصول إليه، وإنّ صباح فخري كان يغني أحياناً 14 ساعة متواصلة.

في العام 2013، ظهر فخري، وهو مقلٌّ في الظهور الإعلامي، في برنامج حديث المدينة على قناة "MTV"، وسُئل عن تلك الرقصة، وكيف أنها "تدوّخ" (تصيب بالدوار)، فردّ فخري وكان وقتها في الـ80 من عمره: "يا سيدي، إذا واحد موضوعه خام من الحب والنشوة الروحية، ما بيدوخه شيء"، وضحك في نشوة، وكأنه يستعيد جزءاً من ذلك الشعور.

وفي لمحة أخرى على تفرّد فخري هو أنّ موقفه السياسي لم ينل من رصيده الفني وحبه وشعبيته شيئاً، فقد ظل فخري حريصاً لفترة طويلة على عدم الإفصاح عن موقف محدد من الأزمة السورية، حتى ظهر في العام 2014 في سيارة بصحبة ابنه أنس، وقيل إنه ذاهب للانتخاب في السفارة السورية في بيروت حيث كان يقيم، وهو الموقف الذي أثار استياء البعض آنذاك.

لقد غلب الحزن الاستقطاب السياسي، وكان استدعاء الأغاني والقدود وليس المواقف، هو المسيطر على مشهد رحيل صباح، يقول ناشط سوري لـ"حفريات": صباح فخري كان مؤيداً لنظام بشار الأسد، لكنّ ذلك كان بعدما بلغ من العمر أرذله، لم يقف أحد كثيراً عند مواقفه السياسية، فقد كان رصيده الفني في قلوب السوريين أكبر".

رحلته

وُلد صباح فخري، واسمه الحقيقي صباح أبو قوس، في مدينة حلب في 2 أيار (مايو) عام 1933، وكان أبوه رجل دين يُعلّم القرآن الكريم وتجويده، وصاحب طرق صوفية، وقد اهتمّ بابنه الذي أتقن قراءة القرآن الكريم في الـ6 من العمر، ليعلمه الإنشاد الديني في حلقات الذكر والزوايا الصوفية، وعندما بلغ الـ10 اكتسب من أصدقاء أبيه مثل عمر البطش ومصطفى الطراب وصبحي الحرير وبكري الكردي كل شيء من علوم النغمات والأوزان، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية (سونا).

وفي سن الـ12غنّى صباح فخري أول موشح خاص به، وهو "يا هلالاً غاب عنّي واحتجب"، ثم اتصل بالشيخ علي الدرويش وبولديه إبراهيم ونديم اللذين لحنا له بعض الأغنيات وعلماه عزف العود، ثم رافق عازف الكمان سامي الشوا في حفلاته في حلب وغيرها من المدن السورية، وهنالك تعرف عليه فخري البارودي الذي بهره غناؤه، فتبنّاه فنياً، وجعله يلتحق بالمعهد الموسيقي الشرقي.

 

إرثه الكبير يحتوي على 347 عملاً غنائياً، منها 110 من الطرب القديم الذي لا يُعرف له ملحن، و66 عملاً لحنها وغنّاها، وتشمل مواويل وقصائد وموشحات وطقاطيق

 

وفي المعهد درس على يد عمر البطش وعزيز غنام ومجدي العقيلي، وتعلم منهم الإيقاعات والموشحات ورقص السماح وفن غناء القصيدة الأصولي والأدوار والنظريات الموسيقية والإلقاء الغنائي بالصولفيج والمقامات وأساليب الانتقال فيما بينها، ليتلقاه الملحنون فور تخرجه ويقدموا له أغاني صافح الجمهور من خلالها وعرفهم على مطرب ناشئ لكنه عظيم اسمه صباح فخري، بعد أن تكنّى باسم متبنّيه الذي منحه عطفه ورعايته.

وعندما عاد صباح فخري إلى حلب درس في المعهد العربي الإسلامي الذي حصل من خلاله على شهادتي المرحلة الإعدادية والثانوية، وفكر باعتزال الفن والتفرغ للعمل التجاري، ولكنّ حبه للموسيقى وانتشار أغانيه وعالم النجومية دفعه ليعود إلى الغناء، فكانت بدايته الجديدة عبر شاشة التلفزيون العربي السوري من خلال برنامج الموسيقى العربية عام 1961، الذي كان يُعدّه ويخرجه الراحل جميل ولاية، فغنى دور "أصل الغرام نظرة" لمحمد عثمان، وقصيدة "قل للمليحة" من ألحانه.

دفع هذا النجاح صباح فخري إلى تقديم وصلات غنائية من عيون التراث، فقدّم يا مال الشام ويا طيرة طيري لأبي خليل القباني، معيداً إليهما بريقهما وألقهما، ثم انبرى لتراث الشيخ عبد الرحيم المسلوب وسيد درويش ومحمد عثمان وعمر البطش وزكريا أحمد وأمين الجندي يغرف منهم دون ارتواء، ليطفئ به ظمأ الجماهير التي تميل إلى الغناء التراثي.

وبعد أن شارك تمثيلاً وغناء في فيلم الصعاليك مع الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي، وفي مسلسل الوادي الكبير أمام الراحلة وردة الجزائرية، سعت إليه النجومية، فانهالت عليه الدعوات من جميع الدول العربية، ثم غنّى لأبناء المهجر في أستراليا والأمريكتين، وقد منحته مدينتا ميامي وديترويت مفتاحيهما تقديراً منهما لفنه، وأقيم له حفل تكريمي في قاعة روس بمدينة لوس أنجلوس، وكرّمته كلية الفنون بجامعة كاليفورنيا.

وفي أوروبا غنّى صباح في قاعة نوبل للسلام باستوكهولم، وفي قصر المؤتمرات بمدينة باريس، وقاعة بتهوفن في مدينة بون، وافتتح مهرجان الموسيقى الشرقية في مدينة نانتير الفرنسية، وكذلك دُعي في إنكلترا للغناء وإلقاء محاضرات عن الموسيقى والآلات الشرقية.

وقد شغل صباح فخري في مسيرته الفنية مناصب عدة، فانتخب نقيباً للفنانين، ونائباً لرئيس اتحاد الفنانين العرب، ومديراً لمهرجان الأغنية السورية، وضرب الرقم القياسي في الغناء عندما غنى في مدينة كاراكاس بفنزويلا مدة 10 ساعات دون انقطاع عام 1968، وذكرت اسمه موسوعة مايكروسوفت كأحد رموز الغناء العربي والشرقي.

أمّا الأوسمة والتكريمات التي نالها صباح فخري، فهي كثيرة ومن أعلى المستويات، بدءاً من وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، ووسام تونس الثقافي، ووسام التكريم من سلطنة عمان، وجائزة الغناء العربي من الإمارات، وجائزة مهرجان القاهرة الدولي للأغنية، والجائزة التقديرية من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وأسّس محبوه في مصر جمعية فنية باسمه عام 1997.

الأذان

تداول ناشطون الأذان بصوت الراحل صباح فخري مع إعلان وفاته، تكريماً له ولرحلته، وقد كان من ضمن من أذيع لهم الأذان بصوت فخري الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر خلال توحيد مصر وسوريا.

تروي شذا نصار في كتابها "صباح فخري... سيرة وتراث": ذهب الرئيس عبد الناصر والأمير بدر إلى الجامع الأموي الكبير ليؤديا صلاة الجمعة، كان التكريم الذي "أحب أهل حلب أن يقدموه للزائر الكبير هو أن يؤذن للصلاة صباح فخري، وفي ذلك شرف كبير لمطرب حلب" (ص128).

وفي "الزمن الجميل للجمهورية العربية المتحدة، أعلن عن افتتاح بث تلفزيوني في كل من القاهرة ودمشق، في آنٍ واحد، يوم 23 تموز (يوليو) من العام 1960، وكان المدير العام وقتذاك الأستاذ صباح قباني، الذي كلف السيد غالب طيفور الاتصال بصباح فخري ليشارك في افتتاح تلفزيون الجمهورية العربية المتحدة في دمشق".




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية