رهانات الإخوان في ليبيا: بين معطيات الإيديولوجيا وتمثلات المأزق السياسي

رهانات الإخوان في ليبيا: بين معطيات الإيديولوجيا وتمثلات المأزق السياسي

مشاهدة

04/12/2021

ثمّة أطراف عديدة لا تنظر بارتياح لمشهد الاستحقاق الانتخابي المقبل في ليبيا، وتتحرك على تخومه وبمحاذاته؛ بغية توظيف المسار الانتخابي بكلّ تعقيداته وتحدياته لتحقيق أفضل صيغة في معادلة السلطة، أو الابتعاد عن مطرقة العقوبات. ويمثل تيار الإسلام السياسي نموذجاً واقعياً لتلك الحالة، مرّة في تحركاته داخل ليبيا، وأخرى في ارتباطاته الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضاً: سلاح التلويح بالعقوبات هل يردع الإخوان في ليبيا؟

على خلفية ذلك تتقاطع كافة تحركات الإخوان المسلمين، والميليشيات المسلحة التابعة لهم، من خلال هدف معلن، وهو تفخيخ المشهد الانتخابي، بيد أنّ ثمّة سيناريو موازياً تعمل عليه جماعات الإسلام السياسي في ليبيا، يتمثل في ترقب القائمة النهائية للمرشحين، واستخدام أو توظيف بعض الأسماء في تلك القائمة من أجل أهداف ومصالح الجماعة، مع مواصلة التحرك مع أطراف غير معلوم عنها الانتماء للتنظيم، ولا منهاجه الفكري، للدفع بهم إلى شرايين البرلمان، وكذا التحالف مع كيانات سياسية بعينها للمرور نحو البرلمان من خلالها.

خطط عرقلة المسار السياسي

خطط عرقلة وتفخيخ المسار الانتخابي ظهرت الأيام الماضية من خلال تهديد المراكز الانتخابية بعمليات هجوم واختطاف العاملين، مثلما وقع مؤخراً في طرابلس، فقد أعلنت المفوضية العليا للانتخابات الليبية تعرّض عدد من المراكز الانتخابية بمحيط العاصمة الليبية "طرابلس لخروقات أمنية؛ مثل انتزاع بطاقات الناخبين بقوة السلاح، واختطاف أحد العاملين بأحد مراكز الاقتراع، ويُدعى رجب النايب، بحسب بيان المفوضية.

إلى ذلك، دعا منذ أيام خالد المشري، رئيس ما يُسمّى بالمجلس الاستشاري الأعلى للدولة، إلى رفض قانوني الانتخابات الرئاسية والنيابية، والتظاهر ضدّ إجراء الاستحقاق بمشاركة المرشحين: خليفة حفتر، وسيف الإسلام القذافي، ودعا سهيل الصادق الغرياني نجل مفتي الجماعات الإرهابية، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، إلى مهاجمة المقرات الانتخابية.

 

عبد الله الغرياني: عبد الحميد الدبيبة ما إن تولى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية، ونال ثقة مجلس النواب في جلسة مكتملة النصاب، حتى أظهر حقيقة التحالف الخفي الذي أتى به على رأس السلطة
 

من جانبه، يرى الناشط السياسي الليبي عبد الله الغرياني، في تصريحات خصّ بها "حفريات" أنّ المشهد السياسي في ليبيا مرتبك منذ أعوام، ولا يمكن إدراك كافة جوانبه دون تدقيق بعض الأحداث والوقائع، لافتاً إلى أنّ عبد الحميد الدبيبة، ما إن تولى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية، ونال ثقة مجلس النواب، في جلسة مكتملة النصاب، حتى أظهر حقيقة التحالف الخفي الذي أتى به على رأس السلطة، من خلال  تعيينه لوليد اللافي وزيراً للدولة لشؤون الإعلام، وهو أحد الموالين للإخوان المسلمين، وصاحب قنوات فبراير وسلام، التي تبث من تركيا، والممولة نسبيّاً من قبل عائلة الدبيبة، ودولة قطر المعروفة بانحيازها لمشروع الإخوان المسلمين.

أكذوبة المجلس الاستشاري الأعلى للدولة

ومن ناحية أخرى، يتجدد ظهور خالد المشري، رغم أنّه يرأس سلطة استشارية لا شرعية لها، كون المجلس الأعلى للدولة مجرّد امتداد للمؤتمر الوطني العام، الذي انتخبه الليبيون في تموز (يوليو) العام 2012، وانتهت مدته دستورياً، وفق الإعلان الدستوري في شباط (فبراير) العام 2014، حين انتخب الليبيون مجلس النواب في حزيران (يونيو) من العام نفسه، وهي الانتخابات التي جاءت نتائجها على خلاف ما كان يتوقع الإخوان، لا سيّما خالد المشري أحد أبرز قياداتهم، وهنا قرّر الإخوان اتخاذ خطوة انقلابية، بإعلان عمليات فجر ليبيا، وفرض واقع يرفض نتائج الانتخابات بالطعن بشرعية البرلمان المنتخب، الذي أصبح الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبي، وبدوره اعتمد البرلمان المشير خليفة حفتر قائداً عاماً للجيش الوطني، الأمر الذي دفع الإخوان المسلمين نحو التصعيد، بمناصرة التنظيمات الإرهابية على اختلافها، التي دخلت في مواجهات دامية مع الجيش الوطني الليبي.

وقتها أطلق المبعوث الأممي برناردينو ليون حواراً سياسياً، جعل خلاله المؤتمر الوطني العام، منتهي الولاية، شريكاً في الحوار، وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّ المؤتمر الوطني العام انسحب منه (94) عضواً ينتمون للتيار الوطني، فقد رفضوا استمراريته، بعد أن جدّد الليبيون الشرعية بانتخاب مجلس النواب، ومن هنا وجد الإخوان فرصة للسيطرة على المؤتمر، الذي أصبح بعد انتهاء الحوار السياسي في الصخيرات المغربية جسماً استشارياً، واحتفظ مجلس النواب بحقه بصفته الجسم التشريعي الوحيد. 

 

توفيق الشهيبي: الإسلام السياسي في ليبيا يرفض الانتخابات منذ فترة طويلة، وهذا الموقف من طرفهم يعود لإدراكهم أنّ أيّ مرشح من طرفهم سيخسر الانتخابات لا محالة

من هنا أضحى خالد المشري يتحرش بالكيان الشرعي المتمثل في مجلس النواب، ويسعى نحو فرض  نفسه تحت زعم الصفة الاستشارية.

يتابع الغرياني تصريحاته مؤكداً أنّه بعد الإنسداد الذي حدث داخل ملتقى الحوار السياسي لاعتماد قاعدة قانونية تُجرى على أساسها الانتخابات، اتخذ مجلس النواب زمام المبادرة، وأصدر قوانينه رقم (1) و(2) للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهي قوانين منصفة تضمن حقّ المشاركة للجميع، غير أنّ خالد المشري واصل دأبه في التحرش بمجلس النواب، من خلال طرح عدة حجج غير منطقية؛ بهدف تعطيل الانتخابات، عبر تصدير مقولات زعم من خلالها أنّ القوانين لا بدّ أن تصدر بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة، وزعم أهمية اعتماد الدستور أوّلاً.

إصرار دولي وإرادة شعبية

مع مرور الوقت اعتمدت المفوضية الوطنية العليا القانونين الصادرين عن مجلس النواب، واتضح أنّ ما يقوم به خالد المشري مجرّد محاولات لنسف المسار السياسي، بعد التحالف الوطيد الذي تمّ بينه وبين حكومة الدبيبة؛ للغدر بالشركاء السياسيين، وفرض واقع ينعش حكومة الدبيبة، ويطيل مدتها، على غرار نسف اتفاق الصخيرات، والتمديد الذي حصلت عليه حكومة فايز السراج، ودخلت على الخط دار الإفتاء بقيادة المفتي المعزول الصادق الغرياني، لتناصر وبشكل علني حكومة الدبيبة، وتتبنّى حجج خالد المشري، ومن المعروف أنّ  دار الإفتاء تخضع بشكل كامل للجماعة الليبية المقاتلة، الحليف الرئيسي لتنظيم الإخوان المسلمين.

ويكشف عبد الله الغرياني لـ"حفريات" عن دور علي  الصلابي، الذي جمع  عبد الحميد الدبيبة بالتيارات الإسلاموية، وخاصّة عبد الحكيم بلحاج، وهو تحالف أصبح شبه علني، من خلال اللقاءات التي رعتها عدة أطراف خارجية، لافتاً إلى أنّ علي الصلابي أضحى أبرز شخصيات الظل في حكومة عبد الحميد الدبيبة، والمفتي  يمثل الجناح الديني، بينما خالد المشري يجسّد الجناح المعرقل عن طريق المجلس الأعلى للدولة، وهؤلاء جميعاً يعملون على اغتيال الاستحقاق الانتخابي، ونسف المسار السياسي، والغدر بباقي الأطراف السياسية الفاعلة.

 

عاطف الحاسيّة: الإسلام السياسي، تحديداً في هذه المرحلة، يعيش لحظاته الأخيرة، ولن يظلّ داخل دائرة الضوء، وواقعيّاً هم لا يستطيعون التقدّم بشخصيات تنتمي للتنظيم أمام الشعب

وبعد التعهد الذي وقّعه الدبيبة بالالتزام بالمسار السياسي، وجد نفسه أمام قانون انتخابي يبعده عن المشاركة، لكنّه قام بالترشح للانتخابات الرئاسية، وضرب عرض الحائط بالحجج المعرقلة التي لم تعد تجدي نفعاً، ودخلت عدة شخصيات إلى المعترك الانتخابي لخلط الأوراق، وعلى رأسهم بشير صالح، مستشار القذافي، وآخرون محسوبون على التيارات الإسلامية في محاولة لتقوية توجهاتهم؛ إمّا بنسف العملية الانتخابية، أو توظيفها لصالحهم.

اقرأ أيضاً: ليبيا والاستحقاق الأهم

من جهته، يذهب توفيق الشهيبي رئيس الهيئة العليا لتحالف القوى الوطنية، في تصريحاته لحفريات، إلى أنّ الإسلام السياسي في ليبيا يرفض الانتخابات منذ فترة طويلة، وهذا الموقف من طرفهم يعود لإدراكهم أنّ أيّ مرشح من طرفهم سيخسر الانتخابات لا محالة.

ويرى الشهيبي أنّ الاسلام السياسي يعاني انشقاقات منذ (6) أعوام، حيث رفضت الجماعات المقاتلة اتفاق الصخيرات، وخرجت مجموعة من القيادات إلى تركيا، بينما ظلّ الإخوان في طرابلس، وتحالفوا مع ما يُطلق عليه المجلس الأعلى للدولة.

اقرأ أيضاً: ليبيا تنتخب رئيسها للمرة الأولى

وفي تقدير الشهيبي، فإنّ أهداف هذه الجماعات من رفض الانتخابات تبدو متطابقة، بيد أنّ الآليات تباينت، ويرى البعض ضرورة إلغاء الاستحقاق الانتخابي برمّته؛ بحيث لا يمكن الوصول إلى ليبيا مستقرة يوم 24 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، بينما تتراوح مواقف البعض بين المشاركة ومحاولات التعطيل قبل الوصول إلى نقطة استقرار، إلّا أنّ إصرار القوى الدولية على إجراء الانتخابات في موعدها، دفع الجميع إلى إعلان دعم الاستحقاق، ولكن مع طرح بعض العراقيل، وزعم عدم وجود قاعدة دستورية، أو صلاحيات للرئيس، أو ضمانات بقبول النتائج.

مأزق الإخوان

وفيما يختصّ بجماعات الإسلام السياسي، يرى الشهيبي أنّ فرصهم في الانتخابات البرلمانية ضعيفة إلى أقصى حد، وكافة التجارب المماثلة تؤكد ذلك، سواء انتخابات المؤتمر الوطني العام، أو انتخابات مجلس النواب السابقة، ولم يستطيعوا سوى حصد (17) مقعداً من أصل (200) مقعد، متوقعاً أنّ الشعب الليبي سوف يوجّه لطمة قوية لكافة ممثليهم، ولن يستطيعوا إدراك المقاعد البسيطة التي كانت بحوزتهم  في الانتخابات النيابية الأخيرة، رغم اعتمادهم على تكتيك ترشيح شخصيات لا تنتمي إليهم مباشرة، ولا تُظهر أمام الشعب أيّ صلة بتياراتهم وتنظيماتهم.

وفيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، يرى رئيس الهيئة العليا لتحالف القوى الوطنية  أنّ الأمر سيتحدد بحسم مع إعلان المفوضية العليا للقائمة النهائية للمترشحين، وحينئذٍ يمكن إدراك  الموقف النهائي لجماعات الإسلام السياسي جيداً، سواء بالحشد خلف مرشح محدد، أو مواصلة السعي نحو إفشال المشهد الانتخابي.

اقرأ أيضاً: ليبيا.. إصلاح الحاضر بأدوات الماضي

من جانبه، يرى عاطف الحاسيّة عضو الحزب المدني الديمقراطي الليبي، فيما يتصل بالتقاطع بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، أنّه من الصعوبة بمكان تصوّر أيّ استحقاق انتخابي، إذا ما تعثرت الانتخابات الرئاسية، متمنياً أن تفسح الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الطريق للجولة الثانية، وأن تمرّ من خلالها انتخابات البرلمان الليبي، مؤكداً أنّ ذلك لا يمنع من تدبر جملة التحديات التي تواجه الانتخابات، ومخاوف عدم قبول النتائج من بقية المترشحين، وارتباط ذلك بنسف المشهد برمّته.

اقرأ أيضاً: هذه خطة عقيلة صالح لليبيا حال فوزه بالرئاسة

ويتابع الحاسيّة تصريحاته لـ"حفريات" مؤكداً مدى اهتمام المواطن الليبي بالانتخابات البرلمانية، وذلك يمكن ملاحظته من خلال العدد الكبير الذي انخرط في الانتخابات، ووصل إلى نحو (3000) آلاف مرشح، على (200) مقعد فقط، ويرجع ذلك لإدراك المرشحين عمق وأهمية  المهام المطلوبة من البرلمان، في إقرار كافة الجوانب التشريعية والدستورية للبلاد في المرحلة القادمة، فضلاً عن توجّه إيديولوجي منسوب لبعض الجماعات، التي تريد الحفاظ على مكانها، وتحقيق أهدافها داخل حيز السلطة في ليبيا.

ويختتم عاطف الحاسيّة تصريحاته قائلاً: "إنّ الاسلام السياسي، تحديداً في هذه المرحلة، يعيش لحظاته الأخيرة، ولن يظلّ داخل دائرة الضوء، وواقعيّاً هم لا يستطيعون التقدم بشخصيات تنتمي للتنظيم أمام الشعب؛ لأنّهم يدركون حجم الغضب الشعبي ضدهم، ولذلك من المتوقع أن يمارسوا صفقات بينيّة مع البعض لتمرير بعض الأسماء في الانتخابات القادمة، وفي كلّ الأحوال فإنّ ذلك لن يحدث سوى في حالات محدودة للغاية".



الصفحة الرئيسية