سنديانة القدس: مغربية تركت بلادها لترابط في المسجد الأقصى

سنديانة القدس: مغربية تركت بلادها لترابط في المسجد الأقصى

مشاهدة

23/02/2021

"أزياء مغربية معلقة على الحائط، ورائحة الكسكس المغربي  تفوح بالمكان".. المشهد ليس في مدينة الدار البيضاء، أو مراكش، أو أيّة مدينة مغربية أخرى، إنما في البلدة القديمة بمدينة القدس، تحديداً داخل زاوية "سيدي أبو مدين الغوث الجزائري"، بالجهة الجنوبية للمسجد الأقصى، والمعروفة باسم "الزاوية المغربية"؛ حيث تتواجد المرابطة المغربية، عائشة المصلوحي، منذ (46 عاماً)، على الرغم من هدم حي المغاربة، وترحيل سكانه.

تتمنى المرابطة المغربية أن يتولى أحد أبنائها حراسة حائط البراق، والزاوية المتبقية من حيّ المغاربة، والحفاظ على غرفتها الصغيرة، وعدم السماح لقوات الاحتلال بهدمها

وتقطن السيدة المغربية "أم سمير"، البالغة من العمر (75 عاماً)، داخل غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها سبعة أمتار يعود عمرها لمئات السنين، وتطلّ نوافذها على ما تبقى من حيّ المغاربة، وقبة الصخرة، إذ أصرّت أن تستمرّ بحراسة حائط البراق، على الرغم من سيطرة الاحتلال الإسرائيلي عليه بعد النكسة عام 1967.

ورغم كافة محاولات الاحتلال الإسرائيلي والمضايقات المستمرة التي تتعرض لها المرابطة المقدسية، المعروفة باسم "سنديانة القدس"، لإجبارها على ترك غرفتها، والابتعاد عن حيّ المغاربة وحائط البراق، إلا أنّها مصرّة على البقاء في هذا المكان حتى آخر يوم في حياتها، حتى إن هدموا غرفتها على رأسها.

ولدت المرابطة المغربية في حيّ المغاربة، عام 1946

ولدت المرابطة المغربية في حيّ المغاربة، عام 1946، لوالد مغربيّ وأم فلسطينية، وكانت شاهدة هي وعائلتها على ما حدث بالحيّ، ومدينة القدس، من تهجير قسريّ للسكان، وهدم المقدسات واحتلال الأرض.

أصول متجذرة

وتقول عائشة المصلوحي، لـ "حفريات": "حبّ المسجد الأقصى ومدينة القدس، وكلّ شبر فيهما يجري في دمي، فرغم أنّ أصولي من المملكة المغربية إلا أنّني أفضّل البقاء في هذا المكان الذي أعتز به، وأرفض العيش داخل قصر كبير مقابل التنازل عن غرفتي الصغيرة، فعندما أشاهد قبة الصخرة، وباب المغاربة، من شرفة تلك الغرفة أشعر بالراحة النفسية والطمأنينة", 

عائشة المصلوحي لـ"حفريات": لُقبت بسنديانة القدس لقوتي وإصراري على مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي، والرباط في باحات المسجد الأقصى، وحائط البراق

تضيف: "كانت عائلتي من أوائل العائلات المغربية التي حضرت إلى مدينة القدس المحتلة من دول المغرب العربي قبل مئات السنين، وعددها 135 عائلة، وبقوا بداخلها، وغالبيتهم تزوجوا نساء فلسطينيات، فوالدي عمل حارساً للمسجد الأقصى المبارك لأكثر من (40 عاماً)، وبعد وفاته تولى شقيقي الأكبر تلك المهام عدة سنوات، والآن أكمل مسيرة والدي".

تمضي قائلة: "تعد زاوية  "سيدي أبو مدين الغوث الجزائري" الإرث الوحيد المتبقي من حي المغاربة بمدينة القدس، وكانت قبلة الحجاج من دول المغرب العربي، بعد تأدية مناسك فريضة الحج كلّ عام، وبعد احتلال مدينة القدس  منعوا من زيارتها، لكنّني أردت العيش داخلها، للحفاظ على تاريخها، وعدم السماح للسلطات الإسرائيلية بهدمها، والسيطرة عليها كباقي الأماكن بالحيّ".

  عودة إلى البلد الأصلية

وعاشت السيدة  المغربية طفولتها في حي المغاربة حتى تدميره بشكل كامل، عام 1967، وإجبار كافة سكانه على النزوح، فنزحت مع زوجها وطفليها آنذاك، وتركت مدينة القدس متجهة إلى المملكة الهاشمية الأردنية لتعيش هناك، ومن ثم انتقلت إلى بلدها الأصلي، المغرب، والعيش في مدينة مراكش تلبية لرغبة زوجها المغربي.

عاشت السيدة  المغربية طفولتها في حي المغاربة حتى تدميره بشكل كامل، عام 1967

وتبيّن أنّه؛ بعد عدة سنوات توفي زوجها إثر تعرضه لحادث سير، وشعرت حينها بالوحدة، وأرادت العودة إلى المكان التي نشأت وترعرعت به "مدينة القدس"، وبالفعل عادت من جديد، بعد أن قدمت لها والدتها طلب لمّ الشمل، بحكم أنّها فلسطينية وتريد أن تلتقي بابنتها.

وتلفت إلى أنّه بعد عودتها إلى مدينة القدس، عام 1975، قرّرت أن تعيش بجوار حائط البراق، وقضاء ما تبقى من عمرها مرابطة في أكناف بيت المقدس، وألّا تغادر هذا المكان مرة أخرى، مشيرة إلى أنّها رفضت العيش مع أبنائها الأربع وأحفادها الذين يسكنون بمدينة القدس، وفضّلت البقاء في الغرفة الصغيرة، والتي تعيد لها ذكريات الماضي، وتجعلها قريبة من حائط البراق، وقبة الصخرة.

ذكريات خالدة

ورغم تدمير حيّ المغاربة بالكامل، وتهجير سكانه منه بعد هدم منازلهم، إلا أنّ المرابطة المغربية لم تنسَ طفولتها التي قضتها داخل هذا الحيّ، وما تزال لحظات هدم منزلها وكافة منازل الحي، والكُتّاب الذي درست فيه اللغة العربية، وعلوم القرآن الكريم، عالقة في ذهنها حتى يومنا هذا؛ فالاحتلال الإسرائيلي دمّر الحي الذي كانت تسكن به، لكنّه لم يستطع ثنيها عن حبّ المدينة المقدّسة، وفق قولها.

وتستذكر المرابطة المغربية لحظة هدم حيّ المغاربة، إبان احتلال مدينة القدس، مفصّلة بالقول: "عندما احتلّ الصهاينة المدينة المقدسة كان أول هدف لهم إخفاء معالمها، فهدموا الحيّ الذي أسكن فيه "حي المغاربة" بذريعة التوسع، وتمّ بناء ساحة المبكى، وهي مخصصة لصلواتهم التلمودية التي يؤدّونها ليلاً ونهاراً، وعدداً من الكنائس، ومتحفاً، وما تزال أعمال البناء والتهويد مستمرة حتى الآن".

وتوضح أنّ إقامتها في مدينة القدس لعشرات السنين لن تجعلها تتخلى عن أصولها المغربية، والتي تعتز بها كثيراً؛ إذ إنّها ما تزال تحافظ  على العادات والتقاليد المغربية، من خلال ارتداء  القفطان المغربي، وطهي الوجبة المغربية "الكسكس"، التي لا تغيب عن مائدتها على الإطلاق، وذلك لإرسال رسالة للمحتل أنّه بتدمير حيّ المغاربة لم يستطع إنهاء وجود أهل المغرب بالقدس.

المرأة القوية

وبسؤالها عن سبب تسميتها "سنديانة القدس"، أبلغت "حفريات" بأنّ هذا اللقب أطلقه عليها السيّاح العرب والأجانب الزائرون لمدينة القدس، وهو يدلّ على قوتها وإصرارها على مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي، والرباط في باحات المسجد الأقصى، وحائط البراق، والحفاظ على تاريخ المدينة، ومسقط رأسها "حي المغاربة".

وتتمنى المرابطة المغربية أن يتولى أحد أبنائها حراسة حائط البراق، والزاوية المتبقية من حيّ المغاربة، والحفاظ على غرفتها الصغيرة، والتجمّع داخلها باستمرار، وعدم السماح لقوات الاحتلال بهدمها، وأن تبقى إرثاً تاريخياً تتعاقب الأجيال توارثه.

ويقع حيّ المغاربة جنوب شرق البلدة القديمة لمدينة القدس، مطلاً على الأقصى من باب المغاربة وملاصقاً لحائط البراق، تعود نشأة الحيّ إلى استعانة صلاح الدين الأيوبي بملوك المغرب العربي لإرسال جنودهم لتحرير القدس، والذين لبّوا النداء وقصدوا القدس أفواجاً، وبعد فتح القدس أقطعهم صلاح الدين أراضٕ في البلدة القديمة والقدس إكراماً لجهادهم معه.

وطال الهدم 138 مبنى في حيّ المغاربة، منها خمسة مساجد مثل: مسجد البراق، ومسجد المغاربة، والزاوية الأفضلية، ولم يبقَ لهم مأوى داخل الحي، فمنهم من تفرّق في أنحاء مدينة القدس، ومنهم من نزح إلى المملكة الهاشمية الأردنية، وآخرون عادوا إلى موطنهم الأصلي "المغرب العربي".

الصفحة الرئيسية