صفحات مجهولة من حياة سيد قطب

صفحات مجهولة من حياة سيد قطب

مشاهدة

03/01/2018

يُروى عن سيد قطب أنّه كان، في السنوات الأخيرة من حياته، يجيب من يسأله عن تطور أفكاره بين أعماله الأولى في النقد الأدبي، المنشورة في الأربعينيات، وكتاباته الإسلامية الراديكالية المنشورة في أواخر الخمسينيات والستينيات، بأنّ كلّ ما سبق كتابيه "في ظلال القرآن"، و"معالم في الطريق"، لا قيمة له في عيونه؛ بل كان يجحده؛ شكلاً ومضموناً، وإذا كان قطب يستنكر حصاد أربعين عاماً من التحصيل المعرفي المتنوع، الذي حفر له مكاناً مميزاً في دنيا الفكر والكتابة، يحقّ للقارئ والناقد أن يأخذا ما كتب في تلك السنوات بعين الاعتبار، تعريفاً بحقيقة أفكار الرجل، فلا يصح، بحال، أن تعدل سنوات الأزمة سنوات العافية؛ فالأولى لم تتجاوز ستة عشر عاماً في عمر الرجل، كان يعاني فيها أمراضاً عضوية متشعبة، بين أوجاع المعدة والكلى والرئة، التي صنعت مناخاً نفسياً مأزوماً، كان هو البيئة التي صاغت أفكاره، أما الثانية فتُقدّر بأربعين عاماً من العافية النفسية والفكرية والصحية، أنتجت نصوصاً مختلفة، لغةً ومنطقاً وتأثيراً، ونحن في هذا المقال؛ نحاول لفت الأنظار إلى بعض الإنتاج الفكري للرجل، في فترة العافية؛ الذهنية والنفسية، عبر فقرات من نصوص كاشفة، اخترناها من بين مقالات نشرت في الفترة من 1940 وحتى 1946؛ أي في فترةٍ كان سيد قطب قد جاوز فيها النصف الثاني للعقد الثالث من حياته، وهي مرحلة الكهولة التي تتصف عادةً بالنضج والرصانة، اللذين يظهران بوضوح في تكوين قطب الروحي والذهني.

حياة قطب تبدو دراما إنسانية مكتملة فالرجل الذي شُنق، قبل خمسين عاماً ما تزال أفكاره وحياته تطلّان على عالمنا بصخب

حياة الرجل تبدو دراما إنسانية مكتملة، فالرجل الذي شنق، قبل خمسين عاماً، ما يزال قادراً على أن يطلّ بأفكاره وحياته على عالمنا بصخب، يجسده أتباع مسيرته وأفكاره، فرغم التباين في النظر إلى أفكاره، بين إخوان يحبون أن يجمّلوا أفكاره، وينفون عنها الدعوة للتكفير والمفاصلة، مبرّرين ذلك بأنّه أديبٌ صاحب لغةٍ خاصةٍ، وأنّه لم يقصد المعاني التي تسرّبت للبعض من مؤلفاته، يتحدث أتباع السلفية الجهادية عن أنّ أفكار الرجل؛ هي الأساس الفكري الذي سدّ حاجة التيار الجهادي المسلح، لنظرية يتحرك من أرضيتها، خاصّةً وقد تقادمت أفكار ابن تيمية وابن القيم، ولم تعد تنهض بالإجابة عن أسئلة الواقع الجديد، التي أجاب عنها قطب عبر عدد من المفاهيم التي جسدت أساس نظرية الجهاد المسلح؛ كالجاهلية، والعزلة الشعورية، والحاكمية، والعصبة المؤمنة، والخلافة، والولاء، والبراء، وأحكام الردة، والتكفير، وهي تلك المفاهيم التي صنعت أسس هذه التنظيمات، وعبّدت طريقها.

شتّان بين تلك الروح الشفافة التي تحنو على الناس والروح الغليظة التي تحمل عصا التقريع والتكفير

ما نتوخّاه عبر هذا المقال، هو عرض نموذجين من أفكار قطب في المرحلة التي يحاول التنكّر لها، رغم ما عكسته من نضجٍ واكتمالٍ في ظروفٍ طبيعيةٍ، مقارنةً بأفكار الأزمة.

وأنا أطالع مراحل حياة قطب، تقفز إلى خاطري سيرة حياة الإمام محمد عبده، الذي بدأ إصلاحياً قبل أن يتأثر بالأفغاني، فيتحول إلى ثائرٍ، ثم يعود، في الأخير، إلى المبتدأ، إصلاحياً يؤمن بالتربية والتزكية طريقاً للتغيير، وهو ما كنت أظنّ أن تنتهي به حياة قطب، لو لم تعترض حياته تلك التجربة الحركية للإخوان، الذين دخلوا، من لحظة اختفاء حسن البنا، مرحلة التيه الفكري والنفسي، وأدخلوا قطب معهم، وربما لو أدرك قطب مآل التجربة، وتأملها بروح الناقد التي خاصمها، دون أن يقطع حياته مشهد الإعدام، ربما كان له شأن واجتهاد آخر، وهو ما يظهر في تلك النصوص المختارة التي بين أيدينا عبر تلك المساحة:

النص الأول، يلفت فيه سيد قطب إلى أهمية الاعتزاز بتاريخنا القومي، خاصّة الفرعوني، ملمحاً إلى معانٍ، ربما لم يهتدِ لها غيره في النص الذي يحاول تكريس روح مصرية قومية، في مواجهة دعاوى الأممية التي أغوته في مرحلة الإخوان، "الروح المصرية الصميمة يجب أن تنبعث في دمائنا وتفكيرنا وتاريخنا، ليس في أمم العالم من تلوك ألسنتهم عبارات الفخر بالأجداد والمباهاة بالماضي، والتشدق بالمجد القديم كالمصريين، سيما بعد نهضة مصر الحديثة، وشعور أبناء الجيل بحاجتهم إلى سندٍ من مجد التاريخ، لما يطلبون من مجد حديث، وليس في أمم العالم كذلك من هو منبت عن ماضيه، منقطع الصلة الروحية عن قديمه، جاهلٍ بحقيقة تاريخه كالمصريين، الذين لا تربطهم بماضيهم العظيم إلّا معرفة غامضة ومعلومات ناقصة أو مشوهة"، هو يعتب على طريقة تدريس التاريخ للمصريين، بالرغم من شخوص الآثار، تصافح العقول والقلوب في كلّ بقعةٍ من أرض مصر، فيقول: "وحيثما سار المصري الآن، يجد مصر القديمة ماثلة في الآثار، والتماثيل، والكتابات الأثرية، وفي كثيرٍ من العادات والتقاليد والألفاظ، التي صانها الزمن من يد النسيان، ونقلها خلال هذه الأجيال، ومع هذا، فلا يفتح قلبه ليسمع نداء هذه الأطياف السارية في مجاهل الأبد، إنّما يقف كالأبله، أمام آثار أجداده التي تهتف أرواحها الحية به، وهو عن ندائها أصم، ...إنّ الزمن الذي عامل مصر بسخاء عجيب، فحفظ لها آثارها وتاريخها، ليجعل هذه المعجزة أمراً هيناً، فعلى مرأى ومسمع تطل مصر الفراعنة، وتهتف، ما علينا إلّا أن نلقي بالاً إليها، فتتم المعجزة من أيسر طريق".

الرجل شذّ في أفكاره عما سار عليه في جلّ حياته خاصّة في فترة العافية النفسية والفكرية

تأمّل كيف يزخر النص بعبارات التمجيد والانتصار للقومية المصرية، وحث المصريين على الانتماء لوطنهم، وتعميق روابطهم بوطنهم على قاعدة الجذر الواحد في شجرة واحدة، مقارنة بما نضحته أفكار الرجل من تكفير وازدراء لهذا التاريخ، واعتباره أساطير الأولين، وجاهلية ممتدة في عمق التاريخ، تستدعي البراءة منها، وطمسها بالكلية في نصوص أخرى، احتفى بها أرباب الإسلام الحركي المزيف. بقي أن نقول: إنّ هذا النص كتبه قطب في مقال منشور في مجلة الشؤون الاجتماعية، في آذار (مارس) عام 1942، ولا يقلّ أهمية عن مقال حمل عنوان "الوعظ الديني وظيفة اجتماعية قبل كلّ شيء"، وهو يتعرض لجانب يحتل بؤرة الاهتمام في عالمنا اليوم، وهو ما وصلت إليه خطب المساجد، كمفردةٍ من مفردات الخطاب الديني، يقول: "لعلّ الإسلام أشدّ الأديان عناية بتكوين المجتمع الصالح، واهتماماً بوضع الأسس التشريعية لقيام العالم الفاضل، فلم يكن همّه إعداد النفوس للآخرة وحدها؛ بل اهتمّ قبل ذلك بإعداد النفوس لهذه الحياة الدنيا، وجعل هذه وسيلة لتلك، وحرص القرآن على أن يكرر صفة أهل الجنة، بأنّهم [الذين آمنوا وعملوا الصالحات]، وإنّ المتدين ليستطيع أن يقول، دون أن يخشى على إيمانه، إنّه إذا كان الدين الإسلامي قد جعل الدنيا وسيلة للآخرة، فهو كذلك قد جعل الآخرة، بثوابها وعقابها، وسيلة لصلاح الدنيا واستقامة أمرها، وضمان العمل الفاضل فيها"، ثم يتابع قائلاً: "ونحن نظلم هذا الدين، ونشوّه غايته الكبرى، حين نجعله ديناً أخروياً فحسب، ونقف غايته على إعداد الناس للآخرة، ونجعل من همّه تصغير الحياة الدنيا، بمعنى احتقارها، وإهمالها، وترك العمل لها".

يتحدث أتباع السلفية الجهادية عن أنّ أفكار الرجل هي الأساس الفكري الذي سدّ حاجة التيار الجهادي المسلح

هل قرأ ذلك الحديث أحد ممّن يحتقرون الدنيا ويحتفون بالموت؟ فيما يتصورونه نصرة للدّين الذي لا تمرّ نصرته إلّا عبر نصرة الدنيا، كما يقول قطب في هذا البيان، ثم يقدّم مقاله هذا بقوله "هذه مقدمة ساقني إليها ما أسمعه معظم الأحيان من الخطب المنبرية في أيام الجمع في المساجد، من تحريض على احتقار الحياة، والحطّ من شأنها، وترك مباهجها ومحاسنها؛ بل من إنكار هذه المحاسن والمباهج، باعتبار أنّ الدين يوحي بمثل تلك الخطب، التي يصفها بأنّها "خطب شاردة عن فهم روح الدين الصحيح ..وإذا كان من حسن الحظ أنّ الشعب المصري متدين، فليس من حسن الحظ أن يكون الوعظ الديني سالكاً هذا المسلك المنفِّر من الحياة وطيباتها، على أنّه فيمَ كان الوعظ منصبّاً على الدعوة الغامضة للآخرة، والحط المجمل من شأن الدنيا، ما قيمة هذا في إصلاح النفوس؟ إنّ قصارى مثل هذه الدعوة، فيما أرى، أن تشعرنا بالكآبة والحزن، وأن تستر عنا متاع الحياة الطيبة وجمالها البريء"، تأمّل هذا النص وروح الإصلاح الاجتماعي التي تضمنها، وتلك الصلة الحميمة بالواقع، وقارنها بما دعا له الرجل من مفاصلة شعوريةٍ، وعزلةٍ وجدانيةٍ عن المجتمع، تنطلق من احتقاره، وليس الشفقة بأعضائه كفرع ضمن شجرة وارفة الظلال، تتغذى من جذرٍ واحدٍ.

شتّان بين تلك الروح الشفافة التي تحنو على الناس، وتلك الروح الغليظة التي تحمل عصا التقريع والتكفير، واحتقار الدنيا لحساب الآخرة.

هذان نموذجان يكشفان أنّ الرجل شذّ في أفكاره عما سار عليه في جلّ حياته، خاصّة في فترة العافية النفسية والفكرية، كما أسميتها، وأنّ مقاومة أفكاره الظلامية المأزومة، لا تتم دون كشف هذا الجانب المجهول، رغم أصالته، والذي غيب تحت ركام من أفكار، مصيرها الزوال؛ لأنّها تخاصم الدنيا والآخرة معاً في الحقيقة.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية