عبدالراضي رضوان لـ"حفريات": البنية التقليدية للتعليم الديني توفر أرضاً خصبة لتمدد الإخوان

عبدالراضي رضوان لـ"حفريات": البنية التقليدية للتعليم الديني توفر أرضاً خصبة لتمدد الإخوان

مشاهدة

22/03/2021

أجرى الحوار: سامح إسماعيل

أكّد الدكتور عبد الراضي رضوان، عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، أنّ صعود جماعات الإسلام السياسي، يستدعي بالضرورة تجديد الخطاب الديني، لقطع الطريق أمام هذا التيار التخريبي، والذي يوظف المقولات الدينية، وفق رؤية أيديولوجية انتهازية، تستهدف الانتشار والتمكين.

يتمدد الإخوان عن طريق تشويه البنى الذهنية، وإرباك البناء التحتي للدولة، بخلق دولة موازية، يدين أفرادها بالولاء والبراء للتنظيم الرباني

ورأى رضوان، في حواره مع "حفريات"، أنّ التعليم الديني ببنيته الكلاسيكيّة، وفّر أرضاً خصبة للجماعة، وقدّم لها ما تحتاجه من أدوات وموارد بشرية، للتمدد على حساب الدولة والمجتمع، وتفعيل أجندتها، عن طريق تشويه البنى الذهنية، وإرباك البناء التحتي للدولة، بخلق دولة موازية، يدين أفرادها بالولاء والبراء للتنظيم الرباني.

وهنا نص الحوار:

التوظيف السياسي للخطاب الديني

في الآونة الأخير، أطلّ علينا من جديد، ذلك الجدل حول تجديد الخطاب الديني، فهل هناك ارتباط بين الخطاب الديني التقليدي، وصعود جماعات الإسلام السياسي؟ أو بمعنى أدق، هل قدّم هذا الخطاب، غطاء أيديولوجياً مقدساً لهذه التيارات، وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين؟

نعم بلا شك؛ لأنّ الأطروحة الأيديولوجية الأسياسيّة، التى استدعت مفهوم تجديد الخطاب الديني، هي المد الأيديوجى لجماعات الإسلام السياسي، ذلك أنّ فكرة تقسيم العالم إلى جماعة ربانيّة، وأخرى غير مؤمنة، ينزع عنها البعد الإنساني، ويجري التنظير لاستحلال المال والدم والعرض، هو فكر يستدعي منهج الخوارج القدامى، الذي خرجوا في حروراء، ما يجعلنا نتساءل؛ هل هذا هو المشروع الأساسي للطرح الإسلامي، بوصفه الديانة الخاتمة؟ هل هذا هو مشروع الإنسانية الإسلاميّة؟ هل هذا ما تحدث عنه، محمد يوسف موسى، في كتابه "الإسلام دين الانسانية"؟ إنّ فكرة الأخوة الإنسانية، التي تمثل مرتكزاً ومحوراً مهماً، من مرتكزات الخطاب الإسلامي الأصيل، لا تتفق أبداً مع هذا الطرح التكفيري التنفيري، الذي ترتب عليه البعد الأخير التفجيري، وبالتالي كان لابد من تجديد هذا الخطاب المزيف، الذي خرج برسالة الإسلام عن مضمونها وجوهرها.

ولكن كيف حدث هذا؟ وكيف تمكنت تلك الرؤية من قطع خط التاريخ، لتتموضع بهذا الشكل؟

جرى ذلك بالاعتماد على الفهم الخاطئ للنصوص، والارتكاز على نصوص غير صحيحة، أو ممارسة نوع من التأويل الانتهازي، لنصوص صحيحة، وبحيث يتم إخراجها من زمانها وشمولها، وتوظيفها في هذا الحيز الأيديولوجي الضيق، هذا التأويل المتعسف، تم بالتزامن مع إقحام عدد من القضايا الزائفة، التي لا يحتاجها المجتمع، وفرضها عليه، لإحداث نوع من التغييب والجدل العقيم، كل هذه الأمور اقترنت بصعود تيارات الإسلام السياسي، التي تعايشت معها، ورضت بها وقبلتها.

هل نحن بصدد خطاب ديني سياسي بامتياز؟ وهل كل خطاب ديني، هو بالضرورة خطاب سلطة؟

لم يصبح الخطاب الديني سياسياً، إلا بعد أن ظهرت جماعة الإخوان المسلمين، فغلّبت المفهوم السياسي على جوهر الخطاب الديني، الخطاب الدينى يتعامل مع الروح الإنسانيّة والحس الانساني، بما يساعد على أداء مهمة الاستخلاف في الأرض، بعمارة الأرض، وبالتالي ما يتعلق بالسياسة يكون هامشياً وثانوياً؛ لخدمة هذه الأمور، فالقضية الأساسيّة هي الإصلاح الروحي والأخلاقي، لا الأدلجة السياسيّة، كنوع من تحقيق المصلحة للإنسان، وبالتالي ما يتم التوافق عليه في هذا الإطار، يكون هو النظام السياسي، بما يحقق المصلحة في الظرف الآني، بغض النظر عن نوع هذا النظام وشكله، ولكن منذ ظهور الإخوان، جرى إلباس ثوب الخلافة لقضية الدين، فأصبح الخطاب الديني خطاب سياسة، لا خطاب دين.

ولكن البعض يقول إنّ مفهوم الخطاب الديني، هو مفهوم مطاط ومراوغ، فكيف يمكن تجديده؟ وعلام يرتكز هذا المشروع الفكري والحضاري؟

جوهر هذا المشروع هو المنهج، ذلك أنّ منهج الخطاب الديني الحالي، توارى فيه العقل، ليحلّ في المرتبة الثالثة أو الرابعة، بينما جوهر الخطاب القرآني الأصيل هو العقل، حتى في قضايا إثبات العقائد، فعقيدة البعث مثلاً في سورة ياسين، يجري إثباتها بدليل عقلي: " وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ"، هنا يتم تقديم نوع من الطرح العقلاني، فالخطاب القرآنى جعل العقل هو أساس التكليف، والله لا يقبل إلا الإيمان المتعقل الفاهم.

أول شخص يفكر الإخوان في تجنيده، هو الشخص المنتمي لفكرة دينية تقليدية، والمعتنق لخطاب ديني كلاسيكي، هنا يجد الإخوان قواسم مشتركة

لكننا نجد الآن في الخطاب الديني، تراجعاً هائلاً لدور العقل، وتقديم أشياء أخرى عليه، ما فتح الباب أمام التأويل المؤدلج، لا التأويل المنضبط وفق القواعد العقلية، عندنا خلل في المنهج، ولابد أن نعود، عند معالجة قضايا الخطاب الإسلامي، إلى المنهج الصحيح، وهو المنهج العقلي، ونبذ القضايا الزائفة، والمقصود بها التشويش، كمسائل إرضاع الكبير والرق وغيرها.

الآخر والمرأة في استراتيجية الإخوان

وماذا عن الآخر؟ وكيف يمثل نقطة انطلاق لخطاب ديني إنساني؟

لابد من إهالة التراب على فكرة تقسيم العالم إلى معسكر إيمان، ومعسكر كفر، هذا يخالف جوهر الخطاب الديني الأصيل، الذي أظهر فيه النبي، عليه الصلاة والسلام، التقدير للآخر المختلف، والقرآن الكريم أثبت التعدد الديني، وقنن إدارته، ومنح حق الوجود للمسيحى، واليهودي، والصابئ، والمشرك، وحتى المنافق، ودستور المدينة أثبت كل الحقوق لأصحاب الملل المختلفة، فكيف نسحب الحقوق الإنسانية من هؤلاء؟ وكيف نستبيحهم لمجرد الاختلاف؟

وماذا عن المرأة؟ وقد كرّس التراث قاعدة معرفية سلبية، تقوم على نقصان العقل والدين؟

الارتكاز على خطاب تراثي جرى اختزاله وتلفقيه لا يجوز، كيف نتصور أنّ ناقصة العقل والدين تكون موجهة في نفس الوقت للعقل والدين؟ أليس هذا واضحاً في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال :"خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء فكيف تتمكن من ممارسة دورها التعليمي، وهي منقوصة العقل والدين؟ فاقد الشيء لا يعطيه.

كيف نجح الإخوان المسلمون، في صنع هذه المعادلة المرتبكة، فيما يتعلق بالمرأة، من حيث وضعها في قالب حداثي شكلاً، يسمح لها بالتعليم والعمل، وممارسة العمل السياسي من جهة، ويزرع في بنيتها الذهنية خطاباً رجعياً، تقوم بتوريثه لأبنائها؟ وكيف جرى تأطير ذلك على مستوى البنى الاجتماعية؟ وهل التراث متهم في ذلك؟

لا يمكن أن أتهم التراث بشكل مطلق، فالصحابيات، رضي الله عنهن، شاركن في المعارك، وكن يقمن برواية الحديث، وممارسة التعليم، وقد قمت بتحقيق كتاب "نزهة الحفاظ، لمؤلفه: أبو موسى محمد بن عمر المديني، وفيه جمع الأحاديث المروية على لسان الأسماء المتشابهة من النساء؛ فاطمة عن فاطمة عن فاطمة..وأسماء عن أسماء عن أسماء، وهكذا كن يقمن بهذا الدور التعليمي البارز.

الجزء الأكبر من قيادات التطرف، من خريجي الكليات العملية، وليس من الكليات النظرية، وهو ما يغلب على تركيبة مكتب الإرشاد

الإخوان المسلمون حاولوا الجمع بين الدور المجتمعي، والدور المنزلي التابع؛ لتحقيق غرض سياسي بحت، هو التمكين والانتشار، فالمرأة التى تخرج إلى العمل، سوف تقوم بدور الداعية للأيديولوجيا وللمنهج الإخواني، ما جعلهم يسمحون بخروجها إلى العمل لحشد الاتباع، لكنهم لا يؤمنون إلا بولاية الرجل، وإن نفت الجماعة ذلك، فلماذا لا تمثل المرأة في مكتب الإرشاد؟ زينب الغزالي، مثلاً، اعتبرت نفسها جارية حسن البنا.

المؤسسة الدينية وجدل التعليم الديني

وماذا عن دور المؤسسة الدينية؟ وكيف يمكن تحييد دورها السياسي في المجال العام، منعاً لتغول المقولات المفارقة، وخلق سلطة موازية؟

وجود مؤسسة دينية أمر مستحدث في الإسلام، لم يكن له وجود في دولة الخلفاء، لم تكن هناك مؤسسة دينية في لحظة التأسيس، كان دور الدين يقتصر على مؤسسة القضاء، على أساس أنّ القاضي لابد أن يطلع على العلوم الشرعية، ووجوده في بيت المال كان لأداء عمل إداري، والحسبة كانت أمراً تنظيمياً للحياة المدنية، لكن وجود مؤسسة دينية، ذات طابع ونفوذ كهنوتي، لم يكن معروفاً، وهو أمر استحدثه العثمانيون.

ألم تظهر المؤسسة الدينية مع الفاطميين؟

الأمر مختلف، ما كان يقوم به الفاطميون، هو إنشاء مؤسسات سياسية، وتكوين جماعات لنشر الدعوة الشيعية، حتى تأسيس الأزهر جاء لفرض البعد السياسي.

هل فتح التعليم الديني باباً خلفياً لجماعات الإسلام السياسي؟ وكيف استثمر الإخوان في هذا النوع من التعليم؟

أول شخص يفكر الإخوان في تجنيده، هو الشخص المنتمي لفكرة دينية تقليدية، والمعتنق لخطاب ديني كلاسيكي، هنا يجد الإخوان قواسم مشتركة، فبنيّة التعليم الديني القائم على الحفظ والنقل والقياس، تشكل عقلية بعيدة عن النقد والتجريب، ما يؤدي إلى انسحاب الجانب العقلي، الذي هو جوهر الفكر الإسلامي الحقيقي، لصالح الفكر الأسطوري والمؤدلج، وهنا وجد الإخوان تربة خصبة لزرع أفكارهم.

ولكن في عهد عبد الناصر، حاولت الدولة تدارك ذلك، عن طريق فرض تدريس العلوم المدنية في الأزهر، في محاولة لحلحلة هذه البنية الثقيلة، وبدلاً من تحقيق الهدف، وجدنا الطبيب المتطرف والمهندس الإرهابي..فلماذا فشلت التجربة؟

نعم، فالجزء الأكبر من قيادات التطرف، من خريجي الكليات العملية، وليس من الكليات النظرية، وهو ما يغلب على تركيبة مكتب الإرشاد مثلاً، ومحاولة تقديم مقاربة معرفية لهذا التحول، تقودنا إلى فهم البنية العقلية لهؤلاء، فخريج الكلية العملية، الذي لا يملك عقلية نقدية، يكون أقرب إلى التطرف؛ لأنّه يقبل بالأقوال كمسلّمات، ويستوعب منهج الجماعة، وكأنّه بصدد قوانين علمية راسخة، لا يناقش، وإنّما ينفذ، وعليه نجحت عملية البرمجة لتلك الكوادر، ومنيت تجربة عبد الناصر بالفشل.

الصفحة الرئيسية