غارات إسرائيل تفضح الارتباك السياسي لإخوان سوريا

غارات إسرائيل تفضح الارتباك السياسي لإخوان سوريا

مشاهدة

25/01/2022

ربما يبدو البيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في سوريا يوم 28 كانون الأول (ديسمبر) الماضي طبيعيّاً، فقد دانت الجماعة الهجوم الذي شنّته طائرات إسرائيلية متمركزة عبر البحر المتوسط على أهداف في ميناء اللاذقية، واستنكرت كذلك عدم اشتباك القوات الروسية الموجودة في قاعدة حميميم مع القاذفات المغيرة، رغم أنّها تمتلك صواريخ إس 200 وإس 300، بحسب البيان.

وللمفارقة، فقد تجاهل بيان الإخوان تفاصيل الهجوم، الذي استهدف شحنات أسلحة تخصُّ إيران والميليشيات التابعة لها، في رسالة ضمنية تعكس تحالف الجماعة مع نظام الملالي، على عكس موقفها من الوجود الروسي، الذي اختارات التعريض به؛ لأنّ القوات الروسية لم تدافع عن الميليشيات الإيرانية الموالية لبشار الأسد، في مفارقة تعكس مدى الانتهازية والارتباك الإيديولوجي عند الجماعة.

فشل في قراءة الواقع

البيان حاول استدراك الموقف في شكل عبارات مطاطة، زعم فيها أنّ جماعة الإخوان المسلمين ستظل متمسّكة بحرمة الأراضي السورية "ضد كل أشكال الانتهاك والعدوان الصهيوني، والروسي، والإيراني"، في تراتبية تعكس أولويات التنظيم، وتحالفاته الخفيّة، وفشله في قراءة طبيعة الأدوار المختلفة للفرقاء السياسيين.

ويرى ساطع نور الدين، رئيس تحرير جريدة السفير سابقاً، في تعليقه على بيان الجماعة، أنّ "الإدانة بديهيّة، لكنّها لم تتوقف عند هذا الصراع، ولم تشرح وقائعه ومعانيه، ولم تعبّر عن موقفها وتقديرها لمآلاته"، لافتاً إلى أنّ الجماعة تعمّدت عدم الدخول في التفاصيل، فبدت "كأنّها منفصلة عن الواقع أكثر من أيّ وقت مضى".

اقرأ أيضاً: إخوان سوريا في 10 سنوات: حرف مسار الثورة ونشر خطاب الكراهية

نور الدين كشف عن خفايا هذه الغارات، مؤكداً أنّها تمثل "ذروة التنافس الاستراتيجي الروسي الإيراني للاستيلاء على سوريا"، فقد زعم أنّ الطائرات الإسرائيلية نفذت الغارة، بالتنسيق مع غرفة العمليات العسكرية الروسية، من أجل طرد إيران من المرفأ الحيوي.

تجاهل بيان الإخوان تفاصيل الهجوم الذي استهدف شحنات أسلحة تخصُّ إيران والميليشيات التابعة لها

وفي تصريحات صحفية، وصف هشام سكيف، مسؤول الدائرة السياسية في اتحاد ثوار حلب، بيان الإخوان بأنّه "بيان يفتقر للحسّ السياسي، وهو عديم الفائدة؛ إذ إنّه يدين ضربات جوية على مواقع إيرانية تحتلها إيران، وتقتل بها الشعب السوري". وأضاف: "البيان مخزٍ ومخيّب للآمال، لجهة الإدانة لعمل عسكري من عدو محتل، ضدّ عدو محتل آخر، من مصلحتنا أن تكون إيران هدفاً لأيّ ضربات تخرجها من سوريا، بعد أن دفع الشعب السوري مئات الآلاف من الشهداء، في المواجهة مع إيران ومشروعها".

توظيف المتناقضات يربك التنظيم

وحول البيان وملابساته، يرى الناشط والكاتب الصحفي السوري شيار خليل، مدير تحرير مؤسسة ليفانت اللندنية، في تصريحات خصّ بها "حفريات"، أنّ جماعة الإخوان في سوريا  تحاول توظيف كافة المتناقضات القائمة، والتحولات السياسية، المحلية والإقليمية، وتحديداً ما يتصل بالتنافس، أو بالأحرى الصراع بين القوى المنخرطة بالصراع الممتد لنحو (11) عاماً، لجهة تحقيق مصالحها الفئوية والانتهازية، غير أنّ العديد من الظروف على ما يبدو تحول دون اكتمال مشاريعها، وتنفيذ سياساتها التخريبية؛ ممّا يتسبب في ارتباك تحركاتها على المستوى التنظيمي الحركي وحتى السياسي، الأمر الذي يعود في جانب منه إلى المشكلات البنيوية التي باتت تفضح الفجوات داخل التنظيم، وتعيق أنشطته.

الناشط والكاتب الصحفي السوري شيار خليل: تحاول الجماعة تقديم دورها من خلال صور متباينة وأجندات ومواقف مغايرة تبدو متناقضة

ومن بين هذه الأمور التي تؤشر على التصدعات داخل تنظيم الإخوان، يأتي البيان الذي ندّد بالقصف الإسرائيلي على مخازن حزب الله والميليشيات الإيرانية في الساحل السوري، والذي يرى خليل أنّه لم يعكس موقفاً يحمل صوابية سياسية، حسبما حاول المقرّبون من الجماعة المصنفة إرهابية، في كثير من الدول، الترويج له، خاصّة أنّ البيان رافقته موجات غضب عنيفة من السوريين، الذين اعتبروا الموقف الإخواني اصطفافاً مباشراً مع الدور الإيراني التخريبي والتدميري، والذي يرهن دمشق لحساب مصالح وكلاء الحرس الثوري الإيراني، ويجعلها ساحة لتحقيق المصالح الإقليمية لإيران، كما هو الحال في اليمن، وتهديد الملاحة الدولية في خليج عُمان والبحر الأحمر، من خلال تهريب السلاح والطائرات المسيّرة، واستهداف السفن في بحر العرب، ومواصلة التصعيد الخشن عبر الاستفزازات البحرية مع إسرائيل.

 ساطع نور الدين: الإدانة بديهيّة لكنّها لم تتوقف عند هذا الصراع ولم تشرح وقائعه ومعانيه

 ومن ثمّ، وبحسب مدير تحرير ليفانت، فإنّ الموقف الانتهازي والبراغماتي للإخوان من القصف الإسرائيلي على مستودعات السلاح الإيرانية في سوريا، فضح التصدعات الداخلية بين أعضاء الجماعة، وبحسب المعلومات المسرّبة، فإنّ اجتماعات طويلة حدثت لمناقشة الموقف المؤيد والموالي لإيران؛ إذ إنّ تركيا باتت تتحكم في مفاصل الجماعة من الناحية التنظيمية، وتتحكم في كلّ قرارات التنظيم وسياساته لخدمة أهدافها في المنطقة، كما أنّ الجماعة باتت ناطقة بشكل شبه رسمي باسم الدولة التركية، بينما تدافع عن مصالح وتحركات العدالة والتنمية في سوريا.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: إخوان سوريا على نهج التنظيم الدولي وتناقضات حركة حماس

وخلال عشرية الحرب في سوريا، تحاول الجماعة، بحسب خليل، تقديم دورها من خلال صور متباينة وأجندات ومواقف مغايرة تبدو متناقضة، وكأنّها تتحرك فوق رمال متحركة، فمرّة نراها في جنيف، ومرّة في أستانة، وكلّ ذلك بتحريض واضح من الدول الراعية: تركيا وقطر، ومرّة تعمل لمصلحة روسيا وإيران؛ أي إنّ حضور الإخوان في المشهد السياسي السوري، منذ بداية الثورة السورية، لم يكن إلّا لمصلحة الأطراف الخارجية، فكانوا سبباً في تحويل العديد من الكتل العسكرية، والمجموعات المسلحة المعارضة، إلى أدوات لتنفيذ أجنداتهم، والمتمثلة في التنازل عن المناطق المسيطرة عليها للميليشيات الإيرانية، والتابعة للنظام بدمشق.

الإخوان كأداة وظيفيّة

في الفترة الأخيرة تحاول القيادات العليا للجماعة إعادة تشكيل نفسها ضمن أُطر جديدة، وخاصة أنّ ثمّة جهوداً إقليمية ودولية في موضعة المعارضة السورية، الأمر الذي يبدو واضحاً من اللقاءات التي تجري الآن، بالتزامن مع المؤتمر المزمع عقده في قطر، بمشاركة العديد من القيادات الإخوانية.

اقرأ أيضاً: هذا موقف إخوان سوريا من العدوان التركي

من جهة أخرى، كان الإخوان أوّل المؤيدين، بحماسة شديدة، للتقارب الخليجي-الخليجي؛ محاولين استغلال ذلك لصالح أجنداتهم الخاصّة، حيث توقعوا أنّ ذلك التقارب سيفتح الباب أمامهم لتدشين حواضن جديدة، وبناء فواعل اجتماعية وسياسية مرّة أخرى، وكان للفرع السوري للإخوان دور في نشر أخبار مضللة ودعائية في تلك الفترة؛ لفتح أبواب جديدة لها في تلك المباحثات، ومنها نشر أخبار مضللة وكاذبة بأنّ الرياض أوقفت كل تواصلاتها مع الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، ممّا يظهر مدى تحكّم الجهات الأمنية التركية، وبشكل واضح، بذلك الجسم السوري وتحركاته.

  في الفترة الأخيرة تحاول القيادات العليا للجماعة إعادة تشكيل نفسها ضمن أُطر جديدة

بالمحصلة، يرى شيار خليل في ختام تصريحاته أنّ الإخوان، وكعادتهم في سوريا، يحاولون التغلغل وسط المنصات والأحزاب والأجسام السياسية والمدنية؛ من خلال استخدام أذرعهم الصغيرة، أو بشكل مباشر، لتسخير كلّ تلك الأجسام والمنصات لصالح الجانب التركي بالتحديد، والشمال السوري الذي يقع تحت سيطرة تركيا، وما يُسمّى الجيش الوطني المدعوم من تركيا، هو أكبر دليل، خاصة أنّ قيادات الإخوان هي من تشرف على تلك المنطقة برعاية تركية، وهنا يبدو أنّ الارتباك في السياسة الإخوانية في سوريا له ثمّة علاقة مباشرة بأنّ التنظيم ليس له أيّ طموحات أو آمال وطنية سورية، وإنّما هو مجرّد أداة وظيفية لتنفيذ ما تريده أنقرة، وما يخدم أجنداتها الإيديولوجية والفكرية، المتعلقة بالحلقة الضيقة للتنظيم.

رشيد شعبان، عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا: إخوان سوريا دخلوا في مرحلة التخبط السياسي

ومن جانبه، أكد رشيد شعبان، عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، في تصريحات خصّ بها "حفريات"، أنّ إخوان سوريا دخلوا في مرحلة التخبط السياسي؛ لأنّ دوافعهم الحقيقية منذ البداية لم تكن أبداً دوافع وطنية، فبدافع الحقد والانتقام من النظام السوري، وباسم الشعارات الإيديولوجية العابرة للحدود، وتنفيذ أجندات خارجية، قام الإخوان المسلمون بعسكرة الثورة السورية، وممارسة العنف بكافة أشكاله، وممارسة انتهاكات واسعة باسم الجهاد الثوري، وهي انتهاكات، في رأيه، ترتقي إلى جرائم الحرب ضد الإنسانية، وهي موثقة من قبل منظمات ولجان حقوق الإنسان، وخاصّة في المناطق المحررة، وبإشراف مباشر من الحكومة التركية، وذلك بإباحة الانتهاكات بحق البشر والشجر والحجر، بعيداً عن القيم الإنسانية وأهداف الثورة.

 شيار خليل: الإخوان، كعادتهم في سوريا، يحاولون التغلغل وسط المنصات والأحزاب والأجسام السياسية والمدنية

وأكد شعبان أنّ الجماعة تعمل لمصلحتها الضيقة، وهو ما جعل الثورة يتيمة، حيث وضعها الإخوان تحت إمرة قوى إقليمية، من أجل تحقيق أجنداتها في المنطقة بشكل عام، وفي سوريا على الأخص.

وحول بيان الجماعة الأخير، وما حمله من مغازلة للنظام السوري، قال السياسي السوري: إنّ مغازلة الإخوان للنظام في الآونة الأخيرة تأتي برهاناً على مدى تورط الجماعة في ارتكاب الجرائم في سوريا، تنفيذاً لأجندات خارجية، وبخاصة لصالح تركيا، المحتلة لجزء من الأراضي السورية في الشمال، بعدما أفرغت الثورة من مضمونها، وأبعدت الشرفاء والوطنيين عنها، بالاعتماد على الفصائل الجهادية والتكفيرية، والعصابات المسمّاة (الجيش الوطني الحر)، وتحويلهم إلى مرتزقة في ليبيا وأذربيجان، وعليه فإنّ الإخوان يعيشون في تخبط نتيجة عجزهم ورهانهم الدائم على الخارج.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية