قطر وهنية والثقافة: النفاق إذ يُعطل الممكنات

قطر وهنية والثقافة: النفاق إذ يُعطل الممكنات

مشاهدة

26/01/2022

علي الصراف

الثقافة كلمة كبيرة. و”المجتمع المثقف” كلمة أكبر. وعقد “معرض كتاب” سنوي ليس دليلا لا على ثقافة ولا على مجتمع مثقف، إلا إذا توفر أساس. والأساس يبدأ من مشروع. أما المشروع فليس مجرد افتراضات وإنما هيكل يربط بين كل مجالات المعرفة الإنسانية وينشد بلوغ هدف ما.

الحديث عن الثقافة “خبط لصق”، أو من دون معايير واضحة، لا يجعل المرء مثقفا أيضا. وأول الثقافة، في نهاية المطاف يبدأ من القابلية على نقد أصيل، يعرف حدود مداركه، ويتخطاها.

منافقون، لم يسمعوا بكلمة الثقافة إلا بالصدفة، مثل إسماعيل هنية يمكنهم أن يقولوا أي شيء، ولكنهم لا يثيرون الحرج إلا لأنفسهم عندما تُساق استخداماتهم العبثية لكلمة “ثقافة” إلى محكمة النقد.

ذهب الرجل إلى معرض الدوحة الدولي للكتاب، ليجد نفسه يقول إن قطر “تبني مشروعًا حضاريًا وإنسانًا مفكرًا حرًا”.

فتش في كل الأركان التي تعرف في قطر، وقل لي أين وجدت “المشروع الحضاري” وما هي مقوماته الفكرية؟ وما هي طبيعة المشروع؟ وهل سمعت أحدا يتحدث عن رؤاه وتطلعاته فيه؟ وعلى أي نقد، للسائد والمألوف في الثقافة العامة، قام؟

لن تجد شيئا يتعدى البنايات الشاهقات. والبنايات حتى ولو فاقت كل ما تعرفه نيويورك، فإنها لا تصنع نيويورك، إلا إذا رأيت فيها مسارح تشبه مسارح برودواي، ولا تقلدها، وإلا إذا رأيت فيها عددا من الصحف والمجلات مثل نيويورك تايمز، ولا تعتمد على ترجمة مقالاتها، وإلا إذا رأيت فيها حزمة معارض للأعمال الفنية العربية، وبضعة متاحف لتاريخنا الخاص، وإلا إذا تعثرت بمركز أبحاث كلما خرجت من مركز أبحاث. وإلا إذا وجد هذا كله “سوقا” مزدحما بين الناس.

دون ذلك، فالكلام فارغ. وهو يبيع سياسة بافتراض الانبهار لمن أدمن على الدمار. وهذا ما لا علاقة له بالثقافة.

يقول هنية “إن قطر تبني مشروعًا حضاريًا، وتعمل على بناء الإنسان المفكر الحر. وأن كل من يدخل قطر يشعر بالارتياح وبمدى حرص القيادة القطرية على بناء الإنسان والثقافة. ونحن أمام نموذج حضاري يعمل على بناء دولة مثقفة وحضارية، وبناء الوعي والمجتمع الحر”.

ولأجل التمييز في “الخبط واللصق”، فإن “الدولة المثقفة” شيء و”المجتمع المثقف” شيء آخر.

وبناء “دولة مثقفة” قد يكون أمرا أسهل قليلا من بناء “مجتمع مثقف”، ولكنها دولة مؤسسات مستقلة أولا، ودولة قانون ثانيا، ومعارف متراكمة ثالثا، وضوابط ومعايير إدارية رابعا، ومال يعرف الناس من أين يأتي وإلى أين يذهب حتى آخر قرش منه. بل أنها لا تملك المال أصلا ولا تتحكم به إلا بقانون.

ليس مهما أن هنية لم ير شيئا من هذا القبيل. لأنه لا يعرفه من الأساس. ولكن المفارقة الأهم إنما تتعلق بالمشروع الثقافي الذي ترعاه قطر.

السؤال الأول، ما هو؟ وأين يمكن العثور عليه؟

كل ما تقدمت به قطر، حتى الآن، هو مشروع لدعم تنظيمات الإخوان المسلمين. والمفارقة في دعم هذا المشروع هي أنها استخدمته لنشاطها الخارجي، وليس كمشروع “ثقافي” محلي. وكانت الغاية المعروفة منه هي مد نفوذ قطر إلى دول أخرى عن طريق هذه الجماعة التي أرادت أن تنسف مقومات الدول القائمة لتقيم على أنقاضها مشروعها السياسي الخاص.

قطر تولت تمويل وتسويق هذه الجماعة تحت ستار “التعددية” و”الحرية” و”الديمقراطية”، بينما يعرف الناس، وتعرف الجماعة نفسها، أن علاقاتها بهذه المفاهيم أسوأ من علاقة الجاحد بالعرفان. وهي لم تُخف أبدا تكفير الناس. كما لم تُخف أبدا القول إن الديمقراطية كفر وإلحاد.

عدا هذا المشروع “الثقافي” العجيب، فما هو المشروع الثقافي الذي رعته قطر؟ وكيف كانت حصيلته بعد مرور سبع سنوات ونيف من تولي أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني السلطة؟

وليس في هذه الإشارة نقد لحاكم شاب جدير بأن يتجاوز بعض ما ورث. فالوقت الذي أمضاه في المسؤولية ما يزال قصيرا. ولعله يحاول أن ينهض ببلاده بين اتجاه وآخر، وأغلب ذوي النيات الحسنة يتمنون له النجاح. ولكن لا شيء يضر من الإقرار بأن المشروع الثقافي لم يبدأ بعد. و”الإنسان الحر” ما يزال أمنية، و”المجتمع المثقف” لم يولد بعد.

قطر يمكنها أن تفعل كل ذلك، وهي جديرة به، كما يجدر بأي مؤسسة سلطة أخرى أن تفعل. ولكنها لا تحتاج إلى دجالين مثل إسماعيل هنية لكي يُضفوا عليها سمات وأوصافا ما يزال من المبكر أن تُطلق، وما تزال أسسها غير معروفة.

لعبة إطلاق الأوصاف المخادعة تلحق الضرر حتى بالنيات الطيّبة، لأنها يمكن أن تُغني عن إرساء الأسس. وهي إذ تُشبع الغرور، فإنها قد تدفع إلى الغفلة عما يتوجب القيام به.

تملك قطر من القدرات والموارد ما يكفي لبناء إنسان حر فعلا. تملك أن تقدم النموذج في جعل الانشغال العام بالثقافة حركة دائبة في المجتمع بين ندوات ومهرجانات ومباريات ومحاورات في الفكر والفن والأدب، وليس فقط في مباريات كرة القدم. ولكنها لا تملك أن تتقدم بالنصيحة التي لا تأخذ بها هي نفسها. هذا شرط أول لكي لا تعود فتبيع لنا مشروع خراب ودمار على أنه مشروع تعددية وديمقراطية. هذه اللعبة انتهت. وكان يُفترض أن يُقفل عليها الباب منذ أن رحل الأب عن السلطة.

مفهوم تماما لماذا يحتاج بعض السياسيين أن يقدموا انطباعات منافقة. فمن دونها، كيف يعيشون؟ ولكن تملك قطر ألا تقع في فخ المخادعات المجانية، وتحديدا عندما يتعلق الأمر بالثقافة.

الثقافة مشروع ضخم، يبدأ في عالمنا العربي من القدرة على إعادة بناء التصورات عن النفس، ومرجعياتها، وتراثها، وأسباب تخلفها الحضاري.

وهو عمل لا يمكن أن يخطو فيه أي أحد من دون أن يستدعي كل مراجع الفكر والأدب والنقد في العالم العربي، من دون تفضيلات انتقائية، لكي يتأملوا بالأمراض والعلات التي جعلت مجتمعاتنا تدور مثل ثور الناعورة في دائرة تخلف عمياء.

هذا عمل كبير وتاريخي حقا. ويمكن لقطر أن تنهض به. إنه خير لها ولنا من دعم مشاريع إرهاب، أو أي مشاريع حزبية، كائنة ما كانت.

عدد من دولنا يقوم بمحاولات مؤثرة، وتدريجية، بتوظيف موارد ما تزال محدودة.

منذ مطالع القرن الماضي ونحن نبحث عن مشروع للنهضة. وأثمر هذا المشروع مكتبة فكر ونقد ضخمة. ويمكن لهذه المكتبة أن تعود لتُفهم وتُستفهم. وأن يُبنى عليها، إنسان حر ومجتمع مثقف ودولة مثقفة.

كل هذا ممكن فعلا. ولكن هات من يبدأ عملا مخلصا، لا يغلبه أو يسبقه نفاق.

عن "العرب" اللندنية


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية