كأس العالم 2022: كيف تحولت أحلام العمال في قطر إلى كابوس؟

كأس العالم 2022: كيف تحولت أحلام العمال في قطر إلى كابوس؟

مشاهدة

25/11/2021

ترجمة: محمد الدخاخني

عندما يخطو مديرو «الفيفا» على الأسفلت في الدّوحة في تشرين الثّاني (نوفمبر) المقبل لاستهلال نهائيّات كأس العالم 2022، فمن المرجّح أن تكون محطّتهم التّالية هي تسجيل الوصول في أحد فنادق قطر الفاخرة الّتي بُنيت لتوفّر أفخم خلفيّة ممكنة لأكبر حدث رياضيّ على وجه الأرض.

الآن، مع بقاء عام قبل انطلاق المباراة الأولى، يمكن للجماهير الّتي ترغب في محاكاة أسلوب حياة النّخبة الرّياضيّة التّوجّه إلى موقع «الفيفا» للضّيافة من أجل التّخطيط لإقامتهم في الدّولة المضيفة. هناك يمكنهم تفحّص كُتيب أماكن الإقامة الحصريّة المعتمد من «الفيفا»، من الفنادق الصّغيرة إلى المنتجعات من فئة الخمس نجوم.

لكن وراء الكواليس، في بعض هذه الفنادق، بينما يستريح الضّيوف حول المسبح أو يحتسون الكوكتيلات في البار، يزعم عمّال الفنادق المهاجرون أنّهم يكابدون من أجل البقاء بأجر يُعادل جنيهاً إسترلينيّاً واحداً للسّاعة.

حارس أمن في فندق خمس نجوم بالقرب من الدوحة يبحث عن مأوى من الحر

زارت «الغارديان» أو أقام مراسلها في سبعة من الفنادق المدرجة على موقع «الفيفا» للضّيافة، وفي مقابلات ومحادثات مع أكثر من 40 عاملاً - وظِّفوا بشكل مباشر ومن خلال مقاولين من الباطن - كشفت عن ادّعاءات بانتهاكات خطيرة لحقوق العمّال وادّعاءات بأجور منخفضة.

لم يُفصَح عن أسماء الفنادق لحماية هويّة العمّال الّذين تحدّثوا إلى «الغارديان».

سلّطت "الغارديان" الضّوءَ مباشرة على الهيئة الحاكمة لكرة القدم العالميّة، والّتي تعرضت لانتقادات من قِبل منظّمة العفو الدّوليّة لاتّباعها نهج "عدم التّدخّل" في التّعامل مع حقوق العمّال

زعم العديد من العمّال أنّهم عملوا لساعات طويلة للغاية، وقال البعض إنّهم لم يحصلوا على يوم عطلة لشهور. بينما كانوا يقضون أيّام عملهم محاطين بأفخم الأجواء، قال بعضهم إنّه قد تمّ إيواؤهم في غرف مكتظّة في معسكرات عمل خانقة. وادّعى عدد قليل من العمّال أنّه تمّت مصادرة جوازات سفرهم. وقال كثيرون إنّ أصحاب العمل لم يسمحوا لهم بتغيير وظائفهم.

وفي حين أنّ الغرف في الفنادق المدرجة في موقع الضّيافة التّابع للـ«فيفا» تُفرَض عليها رسوم تصل إلى 820 جنيهاً إسترلينيّاً في الّليلة عند حجزها ضمن حِزمة، فإنّ كلّ عامل تحدّثت إليه «الغارديان» تقريباً، سواء كان يعمل في تدبير الغرف أو الأمن أو صفّ السّيّارات أو التّنظيف أو البستنة، قال إنّه يكسب أقلّ من 1.25 جنيه إسترلينيّ للسّاعة. والكثير منهم يعمل بأقلّ من جنيه إسترلينيّ واحد للسّاعة.

اقرأ أيضاً: صحف غربية تفتح ملف العمالة في مشاريع مونديال قطر مرة أخرى... ما الجديد؟

قدّم العمّال مزاعم متعدّدة بخرق قانون العمل القطريّ، ممّا يشير إلى أوجه قصور في الإصلاحات المتعلّقة بالعمل في قطر. وقد وعدت الإصلاحات بوضع حدّ لظروف العمل التّعسفيّة ونظام «الكفالة» الّذي يعني أنّ العمّال لا يمكنهم تغيير وظائفهم أو مغادرة البلاد دون موافقة صاحب العمل.

 

"الفيفا" أخفقت بشكل فعّال

تشير مزاعم العمّال أيضاً إلى أنّ «الفيفا» أخفقت بشكل فعّال في إجراء فحوصات أساسيّة على الفنادق الّتي حققت فيها «الغارديان» والّتي طلبت وضع نفسها ضمن كُتيب «الفيفا»، في انتهاك لسياسة حقوق الإنسان الخاصّة بـ«الفيفا»، والّتي تتطلّب منها منع الانتهاكات العمّاليّة المرتبطة بعمليّاتها.

تم بناء مجموعة متلألئة من المباني الجديدة لاستيعاب بطولة كأس العالم

في حين أنّ معظّم العمّال الّذين تحدّثت إليهم «الغارديان» كانوا يتلقّون رواتب تتماشى مع الحدّ الأدنى الجديد للأجور، الّذي دخل حيز التّنفيذ في آذار (مارس) 2021، فإنّ هذا الأجر لا يزال يعادل جنيهاً إسترلينيّاً واحداً للسّاعة بالإضافة إلى بدل صغير للطّعام والإعاشة.

اطّلعت «الغارديان» أيضاً على قسائم دفع رواتب عامل واحد يعمل مباشرة في فندق ضمن كُتيب «الفيفا»، والّتي أظهرت أنّه عندما قُدّم الحدّ الأدنى للأجور، ارتفع أجره الأساسيّ البالغ 750 ريالاً (150 جنيهاً إسترلينيّاً) إلى 1,000 ريال (200 جنيه إسترلينيّ) شهريّاً، لكن بدلات الطّعام أو التنقّل، على سبيل المثال، خُصِمَت بالقدر نفسه، ممّا يعني أنّ راتبه ظلّ كما هو.

يقول: «أحياناً أسأل نفسي لماذا أتيت إلى هنا». ويضيف: «كأس العالم شيء كبير ويستمتع به الجميع، لكن الطريقة الّتي يعاملوننا بها... سئمنا جميعاً منها».

اقرأ أيضاً: منظمة العفو الدولية تصدر بياناً يتعلق بالعمالة الأجنبية في قطر... ماذا جاء فيه؟

مع حلول الظّلام على أحد الفنادق الموجودة في كُتيب «الفيفا»، بقي الضّيوف في غرفهم، تاركين ديفيد، وهو عامل مهاجر من أفريقيا، يعمل بالقرب من المسبح.

تكلّف الّليلة في غرفة عادية في الفندق أكثر ممّا يكسبه ديفيد في الشّهر. إنّه يائس من مسألة تغيير وظيفته، وبالرّغم من التّشريع الحكوميّ الأخير الّذي يُتيح له ذلك، يقول: «حاول أصدقائي تغيير وظائفهم لكن شركتنا ترفض السّماح لهم بالرّحيل عنها». ويضيف: «علينا أن نقبل بالأمر. يفعل رئيسنا ما يحلو له».

يضمّ الفندق أجنحة فخمة ولوبيّاً مبطّناً بالرّخام، لكن مسكن ديفيد مختلف تماماً: غرفة صغيرة مشتركة مع خمسة آخرين في مجمع سكنيّ متهالك على حافة الدّوحة.

 

عذابات حارس أمن في الدوحة

رانجيت، وهو حارس أمن، يقف في الخدمة في مكان قريب، كما فعل طوال الـ 11 ساعة الماضية. يصل راتب رانجيت إلى حوالي 80 بنساً في السّاعة. لم يتمكّن من ادّخار أيّ شيء لمدّة خمسة أشهر؛ ذهب كلّ شيء نحو سداد الرّسوم غير القانونيّة البالغة 1,300 جنيه إسترلينيّ الّتي أُجبر على دفعها لوكيل التّوظيف في بلده الأصليّ لتأمينه الوظيفة. يقول: «إنّها عمليّة احتيال». ويضيف: «هنا يمتصّون دمك».

يقول بعض العمّال في الفنادق السّبعة إنّهم سعداء بوظائفهم وأماكن إقامة الموظّفين الّتي توفّرها فنادقهم. ومع ذلك، تقول الأغلبيّة إنّهم يشعرون بأنّهم محاصرون بين مطالب أصحاب العمل والحاجة إلى كسب المال وإرساله إلى عائلاتهم في بلدانهم.

في أحد الفنادق، زعم أحد العمّال أنّ الإدارة تمنح مكافآت للموظّفين الّذين سلّموا جوازات سفرهم فقط. ويُذكر أنّه من غير القانونيّ أن يقوم أصحاب العمل بالاحتفاظ بجوازات سفر العمّال في قطر.

يقول عامل آخر في الفندق: «وقعنا في فخ لا يمكننا الخروج منه».

مع توقّع وجود 1.2 مليون مشجّع خلال كأس العالم، يمكن لقطاع الضّيافة أن يتطلّع إلى بطولة مربحة.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة: العمالة المهاجرة في قطر تواجه عنصرية ممنهجة

أظهر عدد قليل من الفنادق ممارسات جيّدة من خلال تعيين موظّفيها مباشرة من خلال إعلانات عبر الإنترنت، وليس من خلال وكلاء العمل الذين غالباً ما يحصلون على رسوم ابتزازيّة وغير قانونيّة من المُعيَّنين، ولكن حتّى في هذه الفنادق تحّدثت «الغارديان» إلى الموظّفين ووجدت أنّهم يتقاضون أجوراً منخفضة للغاية.

أسوأ مزاعم الانتهاكات كانت من قِبل العمّال الّذين وُظّفوا من خلال مقاولين من الباطن، لا سيّما حراس أمن الفنادق وعمّال الحدائق.

في فندق آخر موجود على موقع «الفيفا»، كان حارس أمن كينيّ على وشك أن يبدأ مناوبته (12 ساعة) الّتي قال إنّها امتدّت لأكثر من 15 ساعة عندما أضاف وقت السّفر من وإلى معسكر عمله.

ولا يوم إجازة

إذا عمل طوال الشّهر دون انقطاع يكسب 2,000 ريال (400 جنيه إسترلينيّ)؛ أقلّ بكثير مما وُعِدَ به عندما سجّل في الوظيفة في كينيا. وإذا أخذ إجازة ليوم واحد، فإنّ صاحب العمل سوف يخصم 50 ريالاً (10 جنيهات إسترلينيّة) من أجره. لا يعني ذلك أنّه غالباً ما كان لديه هذا الخيار. يقول: «خلال الصّيف كان علينا العمل لمدّة ثلاثة أشهر دون يوم عطلة».

صادرت شركته جواز سفره. يقول: «ربما يعتقدون أنّك إذا كنت تحتفظ بجواز سفرك، فإنّه يمكنك الهروب إلى شركة أخرى». ويضيف: «ليس لدينا خيار آخر، ولذلك نأخذ ما هو على الطّاولة».

سلّطت النّتائج التي توصّلت إليها «الغارديان» الضّوءَ مباشرة على الهيئة الحاكمة لكرة القدم العالميّة، والّتي تعرضت لانتقادات من قِبل «منظّمة العفو الدّوليّة» لاتّباعها نهج «عدم التّدخّل» في التّعامل مع حقوق العمّال في الدّولة المضيفة. من جانبه، يقول متحدّث باسم «الفيفا» إنّها «تأخذ أيّ مطالبة تتعلّق بحقوق العمّال المساهمين في استضافة أحداث «الفيفا» على محمل الجدّ».

ويضيف المتحدّث أنّ فريقاً مخصّصاً كان ينفّذ نظاماً للتّدقيق والامتثال للشّركات المشاركة في تسليم كأس العالم، بما في ذلك الفنادق، لضمان احترام حقوق العمّال. ويتابع المتحدّث: «بالرّغم من الحاجة إلى التّحسين المستمرّ، فقد شَهِدنا بالفعل تقدّماً مهمّاً من قِبل العديد من الفنادق في قطر في الأشهر الأخيرة».

مسؤول قطريّ: الحكومة تأخذ أيّ انتهاك لقوانين العمل على محمل الجدّ، بما في ذلك الانتهاكات المتعلّقة بقطاع الضّيافة. إننا لا تتسامح مطلقاً مع الشّركات المخالفة

تقول إيزوبيل آرتشر، وهي متخصّصة في حقوق العمّال في الخليج لدى «مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان»، وهو عبارة عن مؤسّسة خيريّة مقرّها لندن، إنّ الفنادق يجب أن تعترف بمسؤوليّاتها تجاه جميع العمّال، بما في ذلك أولئك الّذين يعملون من خلال مقاولين من الباطن.

وتضيف: «إذا بذلت العلامات التّجاريّة الفندقيّة نصف الجهد الّذي تبذله في التّأكد من ارتفاع مكاتب الاستقبال أو كثافة وسائد غرف الضّيوف، في التّدقيق في ممارسات مورّديها، فسنشهد تغييراً تحويليّاً بالنّسبة إلى عمّال الفنادق».

كما وجد تقرير صادر عن «مركز البحرين لحقوق الإنسان» هذا العام دليلاً على انتشار استغلال عمّال الفنادق في قطر والّذي قال التقرير إنّه يجب أن يكون «إشارة خطر» بالنّسبة إلى فرق كرة القدم والمشجّعين والشّركات الرّاعية.

اقرأ أيضاً: تقرير دولي جديد عن أوضاع العمالة الوافدة في قطر...هذا ما جاء فيه

من جانبه، يقول مسؤول قطريّ إنّ الحكومة «تأخذ أيّ انتهاك لقوانين العمل على محمل الجدّ، بما في ذلك الانتهاكات المتعلّقة بقطاع الضّيافة». ويضيف المسؤول أنّ قطر لا تتسامح مطلقاً مع الشّركات المخالفة، وتُصدر عقوبات قاسية تشمل غرامات وعقوبات بالسّجن.

ويتابع المسؤول: «أُطلقت مبادرات توعية لتزويد العمّال بالمعلومات حول كيفيّة رفع الشّكاوى ضدّ صاحب العمل، كما أُدخلت آليات جديدة لتسهيل الوصول إلى العدالة بشكل أفضل».

(غُيرت الأسماء أو حُذفت لحماية هويّة العمّال).

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

بيت باتيسون، الغارديان، 18 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2021




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية