كان آخرها الانقلاب الفاشل: السودان يتقلّب على نار الأزمات

كان آخرها الانقلاب الفاشل: السودان يتقلّب على نار الأزمات

مشاهدة

25/09/2021

استيقظ السودانيون على أنباء محاولة انقلابية، يقودها ضباط منتسبون إلى نظام الإخوان المسلمين، أو ما يعرف بنظام عمر البشير، بقيادة اللواء ركن عبد الباقي الحسن عثمان (بكراوي).

 ورغم أنّ القوات المسلحة تمكنت من احتواء المحاولة، والقبض على معظم الضباط والجنود المشاركين في الأحداث، إلا أنّ الأمر لن يمرّ مرور الكرام، ووجد صداه في السجالات السياسية الملتهبة، بين المكونات المدنية والعسكرية على حد سواء.

اقرأ أيضاً: السودان يصادر أصولاً وأموالاً لحركة حماس... ما القصة؟

وفي اجتماع لرئيس مجلس الوزراء، عبد الله حمدوك مع قادة قوى الحرية والتغيير، أشار بأصابع الاتّهام في المحاولة الانقلابية الفاشلة إلى قادة الاحتجاجات في شرق البلاد، وقال: "المحاولة الانقلابية سبقتها تحضيرات واسعة تمثلت في الانفلات الأمني في المدن، واستغلال الأوضاع في شرق البلاد، ومحاولات إغلاق الطرق وإنتاج النفط والتحريض المستمر ضد الحكومة المدنية".

احتجاجات في عطبرة مؤيدة لشرق السودان

ورداً على تصريحات حمدوك، قال مقرر المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، التي ينظم الاحتجاجت في الشرق، عبد الله أوبشار بولاي، خلال اجتماع شعبي حاشد: "كأنه (حمدوك) يريد القفز على الحقيقة، ويريد أن يتهم نضال البجا بتلك المحاولة الفاشلة للانقلابين، ويريد أن يتحدث أن نضال البجا كان جزءاً من تخطيط معد مسبقا للانقلاب".

رغم أنّ القوات المسلحة تمكنت من احتواء محاولة الانقلاب والقبض على معظم الضباط والجنود المشاركين في الأحداث، إلا أنّ الأمر وجد صداه في السجالات السياسية الملتهبة

وشنّ بولاي هجوماً شديداً على حمدوك، وخاطبه: "إن كنت أنت المسؤول الأول لإنسان السودان، وإنسان شرق السودان لماذا تماطل في تنفيذ استحقاقات شعب السودان، لماذا تلتف على حقوقنا ومطالبنا".

وأضاف "يا للعار من دولة يحكمها مثل أولئك الذين لا يستيطعون إلا الكيل بالتصريحات المغرضة التي تتهم قادة البجا"، وفي تحدٍ صريح لحمدوك قال بولاي: "إن كنتم ترون اعتصامنا جريمة فتعالوا لضربنا بالطائرات كما حدث من قبل لشرق السودان".

وحول استمرار الاحتجاجات قال بولاي: "لن نفتح الميناء حتى تحل مشكلة شرق السودان، وإن كان غير ذلك فاذهبوا الى الجحيم، ولنا النضال بالسليمة كان أو غير ذلك".

احتجاجات شرق السودان

لا يمكن استغلال شماعة فلول النظام السابق، في تفسير أسباب الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي لا تخمد في ولايات شرق السودان، فمن الطبيعي أن يكون للزعامات القبلية التي تقود الكيانات الاجتماعية والنظارات القبلية والإدارات الأهلية في الشرق علاقات مع أيّ نظام سياسي يحكم السودان؛ إذ إنّها ليست حزباً سياسياً يحاسب على مواقفه، بل هي تكتلات قبلية وجغرافية تمثّل ملايين من السكان، مضطرين لرعاية مصالحهم مع أيّ نظام يحكم البلاد، ولا يملكون رفاهية أن يكونوا في صفوف المعارضة، وتسجيل المواقف الاعتراضية.

مجموعة من محتجي البجا تغلق الطرق أمام حركة البضائع

وبدلاً من تأزيم الوضع بتّهجم قيادات من قوى الحرية والتغيير والكيانات المرتبطة بها، وكذا بدلاً من تنزيل رؤى مركزية من نخب العاصمة السودانية، الخرطوم، على قضية الشرق، يجب تناول جذور الأزمة بمعالجة حقيقية، بعيدة عن التنافس السياسي، منعاً لتصاعد الغضب الشعبي في الشرق، والذي رفع مؤخراً شعارات تطالب بالانفصال، وهو أمر خطير يهدّد وحدة الدولة، ليس في الشرق فقط، بل في جميع الأقاليم.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مخاوف ومبررات واهية وفتنة بالسودان وعقبات جديدة في ليبيا

يشهد إقليم شرق السودان، الذي يتكون من ثلاث ولايات؛ البحر الأحمر وكسلا والقضارف، احتجاجات واسعة يقودها المجلس الأعلى لنظارات البجا، لمطالبة الحكومة بإلغاء مسار الشرق في اتفاقية جوبا للسلام، وتخللها إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط الإقليم بالعاصمة، الخرطوم، وإقامة متاريس وإغلاق للشوارع، والبنوك، ومنع حركة التنقل، باستثناء المركبات الخاصة والخدمات الطبية، وقام المحتجون بتعطيل حركة النقل من الموانئ البحرية التي تقع في الإقليم.

وشمل الإغلاق ثلاث نقاط في ولاية البحر الأحمر، منها محطة العقبة المؤدية لموانئ البلاد في بورتسودان وسواكن، ومحطة أوسيف على الطريق القاري مع مصر، ومنطقتين في ولاية كسلا وثلاث مناطق في ولاية القضارف.

اقرأ أيضاً: ماهي أدوات الإخوان لإسقاط السودان بمستنقع الفوضى؟

وطالب رئيس مجلس نظارات البجا، الناظر ترك، في خطاب موجه إلى الجماهير بمدينة سواكن، رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان بحلّ الحكومة وتشكيل مجلس عسكري انتقالي، يهيِّئ الساحة السياسية لانتخابات حرة ونزيهة، وإما أن "يسمح لنا بتكوين حكومتنا في الإقليم الشرقي"، وذلك في خطوة وصفها مراقبون بأنّها حصر للأزمة مع المكون المدني، وتجنباً لصدام مع المكون العسكري.

تجمع من البجا في مؤتمر سنكات

ونقلت صحف سودانية عن مصدر حكومي، عقد البرهان اجتماع بالمكون العسكري وهيئة الأركان للتباحث بشأن كيفية حلّ أزمة شرق السودان بلا صدامات مع المجموعات القبلية. كما كشف المصدر السابق اتجاه الحكومة إلى إرسال وفد وزاري رفيع المستوى للتباحث مع البجا حول إعادة فتح الطرق.

وفي تصريح لـ "حفريات"؛ قال متحدث باسم المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة؛ للبجا قضية عادلة ومطالب مشروعة، منذ تخلق الحكومات الوطنية وعلى مدى 65 عاماً، ومنذ أن رفع البجا مطالبهم عبر مؤتمر البجا المشهور عام 1958 بقيادة طه عثمان بليه.

اقرأ أيضاً: أبرز ردود الفعل على محاولة الانقلاب في السودان... تفاصيل

وأضاف المتحدث؛ حكومات ما بعد الاستقلال المتعاقبة همّشت شرق السودان، ولم تمثّلنا في السلطة إلا بصورة ديكورية، ثم بعد ذلك فرضوا علينا مسار الشرق الذي وقّعته أطراف لا يملكون تفويضاً، ولا يمثّلون ثقلاً جماهيرياً، سوى أنّهم مجموعة سرقت اسم الشرق وأصحاب المصالح الحقيقية، ولهذا رفض البجا بكلّ نظاراتهم وعمودياتهم المسار، وتمّ تشكيل التنسيقية العليا لكيانات شرق السودان، وتضمّ كيان الشمال ونظارة الرشايدة والكيان النوبي وكيان الغرب وكيانه نوبة ونظارة الشكرية وإمارة الهوسا وغيرهم.

ومن زاوية أخرى، يقول الباحث في الدراسات الإستراتيجية، أبو بكر فضل محمد؛ الناظر ترك أصبح آخر كروت اللعبة لقادة النظام السابق، حيث يوظفونه في الضغط على حكومة الفترة الانتقالية في عدم تنفيذ مبادئ الثورة، وأهمها محاربة الفساد، وأصبح يعرقل تنفيذ مسار الشرق ضمن اتفاقية جوبا للسلام.

ويرى أبو بكر؛ أنّه جرى استغلال الناظر ترك من بعض جنرالات المكوّن العسكري كورقة ضغط في مواجهة الحكومة التنفيذية، كما أنّ التدخل الخارجي غير بعيد عن تعقيدات شرق السودان.

جذور الأزمة

وهناك عنوانان رئيسان للأزمات المتتالية التي شهدها شرق السودان، منذ سقوط نظام الإنقاذ، بزعامة عمر البشير، في نيسان (أبريل) 2019؛ الأول هو الصراع القبلي بين البجا والنوبة من جانب والبني عامر والحباب من جانب آخر، والثاني هو الصراع السياسي الذي تقوده المكونات القبائلية والاجتماعية المنتمية للبجا في الشرق ضدّ الحكومة الانتقالية في الخرطوم، بسبب الخلاف حول هوية ممثلي مسار الشرق داخل الجبهة الثورية، التي وقّعت اتفاق جوبا للسلام، في تشرين الأول (أكتوبر) 2020.

رئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، الناظر ترك

ويعدّ مسار الشرق أحد المسارات الخمسة على المستوى الإقليمي، وهي؛ الحكم المركزي، ودارفور والشمال، والشرق، ومنطقتا النيل الأزرق وجنوب كردفان، ويمثّل مسارَ الشرق في الاتفاق كلّاً من؛ الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة، وحزب مؤتمر البجا المعارض، وعدّة تكوينات سياسية صغيرة، وهي كيانات لا وجودَ فعليّ لها في شرق السودان، مقارنةً بالمجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، الذي يترأسه زعيم قبائل الهدندوة، الناظر ترك، الرجل الأقوى في شرق السودان.

اقرأ أيضاً: هل استتب الأمن في السودان بعد إحباط الانقلاب الفاشل؟

واضطرت الحكومة للتنازل أمام رفض المجلس الأعلى لنظارات البجا لمسار الشرق، وجمّدت المسار، في كانون الثاني (يناير) الماضي، دون استجابة فعلية لما تمّ الاتفاق عليه بين النائب الثاني لرئيس مجلس السيادة، الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي"، والقيادات القبلية في شرق السودان، خلال الزيارتين اللتين قام بهما في أيلول (سبتمبر) 2019، وتشرين الأول (أكتوبر) 2020، بصحبة وفد رفيع المستوى من المجلس السيادي والحكومة، وأخفقت الوساطات الحكومية والعسكرية في حلّ الخلافات على المستوى القبلي، ومعالجة أزمة رفض مسار الشرق.

الباحث أبو بكر محمد لـ"حفريات": جنرالات المكوّن العسكري يستخدمون أوراقاً للضغط في مواجهة الحكومة التنفيذية، كما أنّ التدخل الخارجي غير بعيد عن تعقيدات شرق السودان

وتعددت وقائع الصراع القبلي بين البجا - النوبة والبني عامر - الحباب، وكانت بدايتها عام 1986، وتكررت أكثر من مرة منذ سقوط نظام الإنقاذ، وشهد حزيران (يونيو) 2019، قتالاً بين النوبة والبني عامر في مدينة بورتسودان، وكان آخر اقتتال قبلي في المدينة نفسها، في تموز (يوليو) الماضي، وخلفت الصدامات القبلية عشرات القتلى ومئات الجرحى، وشهد الاشتباك الأخير تفجير قنبلتين، ما يُنذر بتحوّل الصراع إلى طابع مسلح أكبر.

واعتراضاً على مسار الشرق، نظّم المجلس الأعلى لنظارات البجا فعاليات احتجاجية، قطع خلالها الطرق التي تربط شرق السودان بالخرطوم والولايات، ومحاصرة ميناء بورتسودان والموانئ الأخرى في الشرق، كان أولها عقب توقيع اتفاق جوبا للسلام، وتكررت الاحتجاجات ذاتها، في تموز (يوليو) الماضي، وتشهد الأيام الجارية موجة احتجاجات في الشرق هي الأكبر من نوعها.

تعقيدات قبلية سياسية

وبمقارنة أزمة مسار الشرق مع الصراع القبلي بين البجا والبني عامر - الحباب، يبدو الأول قابلاً للمعالجة، وتختلف الحلول بين البجا والحكومة ومعها المركز، ويرى الباحث أبو بكر فضل محمد، ضرورة اتخاذ حزمة من السياسات والتدابير الإدارية لإنقاذ الموقف وحلّه، والحيلولة دون تجدّد هذه المؤامرة.

الباحث في الدراسات الإستراتيجية، د. أبو بكر فضل محمد

ومن هذه السياسات التي يطرحها الباحث، في حديثه لـ "حفريات"، ما يلي: توحيد شركاء الفترة الانتقالية بأطرافها المختلفة المدني والعسكري، وحركات الكفاح المسلح، الموقف حيال هذه الأزمة بكلّ تجرّد، دون أيّة مزايدة سياسية، عبر الحوار الشفاف والعميق بمساعدة الخبراء لتشخيص الحالة واتخاذ الخيار السليم، واتخاذ التدابير الأمنية والعسكرية الصارمة في بسط هيبة الدولة وتنفيذ القانون.

اقرأ أيضاً: السودان وتاريخ من الانقلابات

وإلى جانب ذلك؛ اتخاذ التدابير الإدارية اللازمة لتعيين الولاة، وقادة الخدمة المدنية لمنع الفراغ الإداري، وتفعيل الخدمات ليشعر المواطن بوجود حكومة في الإقليم تعمل بفعالية ورشد، واتخاذ التدابير العدلية والقانونية في مواجهة الفاسدين والمجرمين ومثيري الفتن.

ويتابع أبو بكر؛ كل ذلك بالتزامن مع إطلاق حوار سياسي موسع مع مكونات الشرق، بغرض الوصول إلى التوافق، ومن بعد ذلك تأسيس وثيقة عقد اجتماعي وسياسي تخص إقليم الشرق والعمل على تنفيذها على أرض الواقع.

اقرأ أيضاً: وزير العدل السوداني يستعرض إنجازات لجنة "تفكيك الإخوان"... ماذا قال؟

وبخلاف الرؤية السابقة، يرى البجا أنّ الأزمة في الشرق مختلفة، وتشمل عدّة محاور؛ التهميش في دولة ما بعد الاستقلال، وأزمة التجنيس لعدد كبير من قبائل البني عامر التي فرّت من إريتريا، إبان الحرب الأهلية الإثيوبية، والتي قام النظام السابق بمنحها الجنسية، وإصدار بطاقات هوية وطنية لها، من أجل خلق حاضنة شعبية لمواجهة الشعبية الجارفة للحزب الاتحادي سابقاً، ولهذا تأخذ الأزمة بعداً يتعلق بمفهوم الملكية لدى قبائل البجا.

ويقول المتحدث باسم المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة لـ "حفريات"؛ في بداية الهجرات من إريتريا إبان الحرب الإثيوبية - الإريترية كانت هناك ستة معسكرات في ولاية كسلا يعيش فيها اللاجئون، والآن لا يوجد بها شخص واحد، وتم تذويب اللاجئين في مجتمع شرق السودان، ومنحهم الرقم الوطني السوداني، أثناء حكم نظام الإخوان المسلمين، بهدف كسر نفوذ الحزب الاتحادي في الشرق.

ويرى المتحدث؛ أنّ الدعوات التي تصف الحراك في الشرق على أنّه من تدبير فلول النظام السابق، ليست سوى مزايدات خوفاً من مطلب مراجعة الهوية الوطنية، الذي يعني عودة جزء كبير من قبائل البني عامر - الحباب، إما إلى دولة إريتريا أو المعسكرات.

وتأخذ القضية بعدها الإقليمي من الروابط القبلية التي تجمع البني عامر - الحباب، بدولة إريتريا، وكذلك بوجود هذا المكون القبلي في مصر، ولهذا تحدث باحثون عن دور إريتري في الأزمة في شرق السودان.

مخرجات مؤتمر سنكات الذي عقدته قبائل البجا

وكانت قبائل البجا عقدت مؤتمراً جامعاً في مدينة سنكات، في أيلول (سبتمبر) عام 2020، اتفقت خلاله على عدد من المطالب، من بينها؛ رفض مسار الشرق، ومشاركة أبناء الإقليم في الحكم على مستوى محلي ومركزي، وإقرار إقليم الشرق بحدوده الجغرافية، والتمسك بالحقوق الثقافية والتاريخية للبجا، وطرح خيار حقّ تقرير المصير.

وبين الرؤيتين هوة واسعة ستؤدي إلى وقوع صدام مسلح، إذا لم يتم مراعاة طبيعة الشرق في تعامل المركز، وكانت قيادات من البجا هدّدت باستعراض فصائل مسلحة في الاحتجاجات القادمة، ولهذا يجب على الحكومة الاتحادية أن تتناول الأزمة بأبعادها المختلفة، للوصول إلى اتفاق بين المكونات الاجتماعية في الشرق على المستوى الأول، ثم بحث قضايا المشاركة في الحكم الإقليمي والمركزي، وإيلاء اهتمام كبير بتعويض المنطقة عن عقود التهميش، لقطع الطريق على خيارات الانفصال، التي وإن رُفعت لن يكون الاحتكام وقتها سوى للقوة، في منطقة يواجه فيها الجيش السوداني خطر الاعتداءات الإثيوبية على الحدود، إلى جانب وجود أطراف دولية غير بعيدة عن مجريات الأحداث.



الصفحة الرئيسية