كيف اكتسب الاستبداد خبرة تصنيع غريزة الخوف؟

كيف اكتسب الاستبداد خبرة تصنيع غريزة الخوف؟

مشاهدة

09/12/2019

الخوف غريزة طبيعية لدى جميع الكائنات الحية ومنها الإنسان، فالخوف الغريزي لا يتعدى الشعور باحتمالات لخطر قادم، كشعور الطيور بقدوم فصل الشتاء، وشعور الحيوانات بحدوث زلزال، على سبيل المثال، وكذلك الإنسان قد يشعر بالخوف من المجهول، أو بمداهمة خطر ما، كالخوف من حادث سير، أو شلل جسدي، إلى ما هنالك من أخطار مجهولة، وهذا الشعور هو انفعالات سلبية مشتركة بين جميع الكائنات الحية، إلاّ أن الإنسان ينتابه شعور بالخوف العقلاني أو "الخوف الواعي" كما سمّاه علماء النفس وعلماء الاجتماع، لكونه يتميز عن الحيوان بعقله وتفكيره؛ "الإنسان حيوان عاقل"، وهذا الخوف يندمج بتفكيره وسلوكه، لكنه يقي الفرد من المخاطر، كالخوف من المستقبل، أما الخوف اللاواعي؛ فمصدره خارجي، يعتمد على إحكام السيطرة على عقل الآخر وتغييبه.

اقرأ أيضاً: بأي سلام نحتفي في يومه العالمي؟
سنتناول في هذه المقالة الأبعاد السياسية والاجتماعية للخوف، ونتعمق في مدى تأثيره على المجتمعات، نتساءل: هل يستطيع الإنسان صناعة الخوف والسيطرة على الآخرين والأخريات، وما هو الهدف من تلك الصناعة؟

 


لاحظ "هيدغر" أنّ للخوف سمات خاصة، وقد حدد تلك السمات في "الخوف أمام، والخوف من أجل"، "فالإنسان الخائف والقلق يجد نفسه مكبلاً بما يشعر بنفسه فيه وفي مسمّاه لينقذ نفسه أمام هذا؛ أي أمام هذا الشيء المتعيّن؛ حيث لا يشعر بالأمان أمام ما هو آخر، إجمالاً يفقد صوابه"
إذا أسقطنا هذا التصور للخوف على الواقع المعيش في مجتمعاتنا، التي صنّعت الخوف وزرعته في أذهاننا منذ الولادة، لا بل ونحن في أرحام أمهاتنا، خوفاً على النظام الاجتماعي من الانهيار، وخوفاً على النظام السياسي من التلاشي، وخوفاً على النظام الديني من فقدان هيبته، فقد تحوّل الخوف من أداة يستشعر من خلالها الفرد بالمعاناة، إلى ثقافة جمعية تراكمية؛ نتيجة لمفاهيم خاطئة ومخيفة، تتبعها كل من السلطات والأنظمة الآنفة الذكر؛ القائمة على قمع الأفراد في المجتمعات، بشتى الطرق ووسائل التخويف والترهيب، حتى أصبح الخوف جزءاً لا يتجزأ من شخصية الفرد.

 

السلطة الدينية تعتمد بدورها ما تعتمده السلطة الاجتماعية وكلا السلطتين تمارس على الأفراد العنف الرمزي

تلعب التنشئة الاجتماعية دوراً كبيراً في ثقافة الخوف، تبدأ الخطوة الأولى من الأسرة؛ حيث تستبدل الحب والاحترام بالخوف، الخوف من الأب والأم؛ اللذين يشكلان السلطة العليا، وهي السلطة (الناعمة) أو الهيمنة الناعمة التي عبّر عنها "بيير بورديو"، تعتمد تلك السلطة في تربيتها على الترهيب والترغيب؛ فالجزاء مشروط بالأفعال الإيجابية، والعقاب للأفعال السلبية.
وكذلك السلطة الدينية، التي تعتمد بدورها ما تعتمده السلطة الاجتماعية، وكلا السلطتين تمارس على الأفراد العنف الرمزي؛ الذي يتحول فيما بعد إلى شتى وسائل العنف الحقيقي الذي نراه في النزاعات الطائفية والأهلية والدولية، تلك السلطة الناعمة؛ يتقبلها الأفراد (يخافون منها ويدافعون عنها) فجعلت الخوف يحلّ محل الحب غير المشروط، والاحترام الذي يولد من الحب وليس من الخوف الذي بدوره يكبت الحريات الشخصية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحريات العامة.

اقرأ أيضاً: هل انهارت فعلياً الشروط الضرورية للحياة الإنسانية؟
من لا يستطيع أن يعبّر عن رأيه وهو طفل أمام والديه، من ثم أمام معلميه ومعلماته بسبب الخوف من العقاب، لا يستطيع أن يعبّر عن رأيه أمام الحاكم، على سبيل المثال، إذن التنشئة الاجتماعية (المجتمع) هي عامل نشط في نشأة الاستبداد السياسي؛ فالاستبداد السياسي ينشأ ويتوسل بخوف المجتمع، والاستبداد الديني المولّد بدوره للاستبداد السياسي هو الآخر مكفول بخوف المجتمع، حسب تعبير الدكتور "فؤاد ابراهيم"، فالمجتمع وحده يقرر متى يكسر حاجز الخوف وينطلق نحو الحرية والإنسانية واللاعنف، كما يحصل الآن في لبنان والعراق وإيران، وكما حصل في سوريا منذ تسعة أعوام، لكن السلطات المستبدة واجهت ثورات الربيع العربي بالقمع، كما تواجه السلطة الإيرانية اليوم أفراد شعبها، والسلطة العراقية أيضاً، تلك المواجهة رفعت مستوى الخوف عند المجتمعات، وأحكمت السلطات سيطرتها على عقول الأفراد من خلال خطابها الترهيبي، فصار الخوف والرهاب ثقافة جمعية وشعوراً جمعياً بالخطر وتهديد الحياة، وصار اللاوعي بيئة خصبة لإنتاج جميع أشكال الاستبداد والانصياع له.

اقرأ أيضاً: هل نجح علم الاجتماع حقاً في تغيير المجتمعات؟
ألا يوحي هذا الفعل بترتيب ممنهج ومبرمج يساهم في مسح وعي الفرد (الذكر والأنثى)، ليحل محلّه رهاب الإثم والعقاب، الذي يتجذر في اللاوعي فيشل فاعلية الفرد (الذكر والأنثى)، ويساهم في إنتاج جيل مدجن ومنغلق على نفسه وعلى دينه، ومتطرف في أفكاره ومعتقداته؟ ألا تتعطل إمكانات النمو الثقافي والذهني والعاطفي أيضاً لدى الأفراد بصورة شبه كاملة، لمجرد إخصاب بيئة ثقافية تقوم على افتعال شعور جمعي بالتهديد والخطر؟ وقد يكون هذا الخطر مجهولاً، لكن التصور الذهني يعمل بالمسلّمات، أو الأحكام المسبقة نتيجة الخوف، (لا أقدر، لا أستطيع، فيها مغامرة كبرى... الخ).

من يعجز أن يعبّر عن رأيه طفلاً أمام والديه ومعلميه خوفاً من العقاب لا يستطيع يفعل أمام الحاكم

تلك الذهنية الجمعية؛ لا تعترف بالفردانية، أي انتماء الفرد إلى ذاته، بل ترفض رفضاً قاطعاً خروج الفرد عن النظام الاجتماعي السائد والمألوف، في هذه الحالة تكون التربية "وسيلة من وسائل الهيمنة الاجتماعية" حسب "ماكس فيبر".
لا تعيش مجتمعاتنا حالة من الخوف فحسب، إنما تعيش حالة من الرعب؛ من بلوغ سن العجز لعدم توفر الضمان الاجتماعي المناسب لمثل تلك الحالات، ويخاف الشباب من إكمال دراستهم لعدم وجود حاضنة تهتم بالكفاءات وتحتويها، والدليل على ذلك النزاعات التي تشهدها البلدان العربية والإسلامية، والثورات التي تطالب بإعادة الحقوق المسلوبة للمواطنين والمواطنات، والتي كسرت جانباً كبيراً من جوانب الخوف.
إنّ إعادة تشكيل المجتمع؛ لا تعني إعادة إنتاج العادات والتقاليد والأعراف وأنماط السلوك، ولا الأفكار والمعتقدات التي تبرّرها فقط، بل هي إعادة انتاج علاقات القوة بين الأفراد وبين الفئات الاجتماعية؛ أي إعادة إنتاج السلطة لإدامة السيطرة الفظة والهيمنة الناعمة، ومن ثم إعادة إنتاج الخوف وثقافة الخوف، ومن المعروف أن ثقافة الخوف تزيّف القيم الأخلاقية، وتُفرغ العلاقات الاجتماعية من مضمونها الإنساني، وتُفرغ العلاقات السياسية من مضمونها الوطني.
لقد اكتسب الاستبداد خبرة تاريخية في تصنيع غريزة الخوف، وجعلها أداة من أدوات الحكم، ومسلّمة من مسلّمات السياسة لتحويل البشر إلى مجرد قطعان بشرية.

الصفحة الرئيسية