كيف تصبح السجون ميداناً لإعادة تأهيل المتطرفين التائبين؟

كيف تصبح السجون ميداناً لإعادة تأهيل المتطرفين التائبين؟

مشاهدة

29/11/2021

"إنّ الطريقة الوحيدة للتعامل مع مقاتلي تنظيم داعش البريطانيين في سوريا هي قتلهم في جميع الأحوال تقريباً"، هكذا صرّح وزير التطوير الدولي في بريطانيا، روي ستيوارث، في خبر نشرته صحيفة "إندبندنت"، في 22 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2017. وباللغة نفسها والتصوّر صرّح  بيتر ماجورك، مبعوث الولايات المتحدة الأمريكية في قوات التحالف ضدّ داعش، بالقول: "التحالف يريد التأكد من أنّ المقاتلين الأجانب يموتون هنا في سوريا". كذلك أشار وزير الدفاع الفرنسي، فلورنس بارلي، في 2017، لصحيفة "إندبندت"، إذا كان مقاتلو تنظيم الدولة يهلكون في هذا القتال فسأقول إنّ هذا أفضل".

اقرأ أيضاً: على الطريقة الهوليودية... تفاصيل محاولة هرب داعشية من ثاني أكبر سجون باريس

تبدو تصريحات المسؤولين الرسميين الغربيين حادة لم نألف سماعها من قبل، والتي تعكس بشكل واضح حالة القلق والتخوّف من عودة المقاتلين إلى مجتمعاتهم الأوروبية،كما تأتي اعترافاً بالتهديد الذي تفرضه تلك العودة على أمن الداخل الأوروبي، وقد شهدت أوروبا بالفعل هجمات متنوعة انعكاساً لهذه العودة لعناصر القاعدة وداعش للداخل الأوروبي.

كيف نتعامل مع هذا الخطر؟

الحجز في السجون، في طبيعة الحال، هو أول الحلول المفترضة لمواجهة عودة هؤلاء، وإذا كان الإطار القانوني الرسمي لتلك البلدان قد يقصر عن التعاطي بفاعلية مع هذا الاستحقاق الأمني؛ فإنّ السؤال الأهم ربما؛ هو هل يكفي احتجاز هؤلاء في السجون للاطمئنان بأنّ الخطر قد زال وأنّ الأمن قد تحقق؟

التجربة الفعلية تقودنا للقول إنّ جدران السجون، رغم أسوارها العالية وأبوابها المحكمة، قد سطرت فى أروقتها أهمّ أدبيات العنف والتنظير له، وعبر نوافذها الضيقة خرجت فتاوى التكفير والإقصاء واستحلال المجتمع، بل وولدت أهم المؤامرات التي غادرت السجن سريعاً لتتحوّل من أفكار إلى أفعال.

اقرأ أيضاً: سوريا: داعشيون ينفذون أعمال شغب وعصيان في أحد السجون بالحسكة

يقول أحد الخبراء الأمنيين: إنّه إذا كانت السجون هي أسوأ الأماكن للحياة؛ فهي في الوقت نفسه تمنح أفضل الأماكن والظروف لتلاقح الأفكار وبناء العقول المظلمة، وعلى الرغم من أنّه لا يوجد في السجن شيء أكثر من الكلام، إلّا أنّها مجرّد كلمات بسيطة وعبارات خفيفة يلقيها أمير الجماعة على مسامع النزلاء ليزداد عدد الجماعة، ويشير الخبير الأمني هنا وعبر خبرة أمنية طويلة؛ أنّ السجون تتواصل بها عمليات التجنيد لعناصر جديدة من الجنائيين وغيرهم، بالشكل الذي يؤدي إلى رفد التنظيم أو الجماعة بعناصر جديدة تواصل بعد خروجها تنفيذ خطط التنظيم أو الجماعة".

جهود إعادة التأهيل والدمج لم تكن قاصرة على بعض الدول الأوروبية، فقد اعتمدت دول عربية وإسلامية برنامج الإصلاح لمساعدة المتطرفين (التائبين) في إقناع بقية النزلاء للتخلي عن الفكر المتطرف

ثم يشير في فقرة أخرى إلى أنّ السجن عادة لا يغيّر قناعات السجين، بذكر تلك الواقعة لسجين ضبط يسرق ملح الطعام ليلصقه على قضبان النافذة ليصدأ ويتحلّل فيسهل كسره، وعندما سأل الضابط زميله مستغرباً هذا اللون من الصبر قائلاً: من أين له هذا الصبر وطول الانتظار؟ أجابه الضابط: لا يوجد في السجن شيء متوافر كالصبر والانتظار.

اقرأ أيضاً: ورقة المسجونين.. "حيلة إخوانية" لفرض سيناريو المصالحة بمصر

يقول لـ"حفريات" الخبير الأمني، الدكتور محمد عارف العظمات: "الحقيقة التي لا مفرّ منها هي أنّنا لا نملك الخيار بين أن تكتفي بحجز المتطرفين والإرهابيين، أو أن نخضعهم للبرامج الإصلاحية التأهيلية، ويجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ونطرح الأمر على صيغة إن لم نفعل شيئاً فإنّهم سيفعلون، وبعبارة أكثر جرأة نقول إنّ سنوات السجن قد تكون إلى صفّهم أكثر مما هي إلى صفّ الدولة، فإذا كانت الحرب على الإرهاب هي حرب الأفكار، فالسجون التي تخلو من أية تدخلات إيجابية هي بامتياز مصنع هذه الأفكار، المنطق والسوابق التاريخية وفهمنا لخطر هذه الفئة يلزمنا أن نتدخل، حتى إن لم نتمكن من إصلاحهم أو إعادة تأهيلهم، فإنّنا، على الأقل، نستطيع أن نمنع  انتشار خطرهم بين بقية النزلاء".

ظهرت أفكار التكفير في السجون المصرية فى منتصف الستينيات، واجتمع شمل جماعة التوحيد والجهاد، قوام داعش الرئيس، في سجون العراق تحت الإدارة الأمريكية.

حجم الخطر الذي يواجهنا

قدّرت الأمم المتحدة، عام 2015، عدد المقاتلين الأجانب الذين انضموا للقتال فى سوريا والعراق، وينتمون إلى 100 دولة بـ 22 ألف مقاتل، 10 آلاف، منهم ينتمون لدول عربية و4 آلاف مقاتل من أوروبا الغربية، وإذا تم أخذ الأرقام غير المسجلة بعين الاعتبار، فإنّ مجمل عدد المقاتلين سيصل إلى 30 ألف مقاتل، هذا الرقم المتحفظ يجاوز أرقام من شاركوا في الجهاد الأفغاني خلال السنوات من 1980 إلى 1992، هذا المشهد الذي جسد أكبر معسكر إعداد جهادي في التاريخ الحديث، والذي أفرز لنا كلّ مجموعات وعناوين العنف في السنوات التي تلت ذلك وحتى اليوم.

لا شكّ في إنّ التقديرات لأعداد المقاتلين تتباين، لكنّنا نتحدّث في كلّ الأحوال عن أعداد بالآلاف قادرة على تعبئة المزيد عبر عمليات التجنيد التي لم تتوقف، بل وتنوّعت وسائلها وتطورت من الاتصال الفردي إلى التجنيد عبر شبكات الإنترنت العلنية والداكنة أو العميقة.

اقرأ أيضاً: إرهابيون "رفيعو المستوى" ينشرون التطرف في السجون البريطانية

هذه الأعداد الكبيرة هل تبدو السجون مهيئة لاستقبالهم؟ من حيث تأهيل العنصر البشري الذي يتعامل معهم؟ هل نملك البرامج الإصلاحية والتأهيلية القادرة على تحدي كثافة المكوّن الأيديولوجي؟ هل توجد سياسة واضحة تحدد كيفية التعامل معهم طوال فترة حجزهم، سواء كان ذلك من خلال عزلهم أم تركيزهم أم تشتيتهم في نظام السجون؟ هل يوجد ما يضمن عدم انتشار أفكارهم في مجتمع السجون؟ حدث في السجون المصرية بعد حملات احتجاز عدد كبير من شباب جماعة الإخوان الإرهابية أن بايع عدد من هؤلاء الشباب داعش بشكل علني داخل السجون.

الدول العربية أيضاً لها سوابق ناجحة

يجب أن نذكر أن جهود إعادة التأهيل والدمج لم تكن قاصرة على بعض الدول الأوروبية التي قدمنا بالحديث عن تصريحات ورؤى مسؤوليهم بأنّ الوسيلة الأفضل للتعامل مع مواطنيهم هي القتل، بل إنّ لدى بعض الدول العربية تجارب جديرة بالنظر والدراسة والاستفادة من مخرجاتها.

اقرأ أيضاً: دراسة: السجون الأوروبية تضم عدداً غير مسبوق من الإرهابيين، وهذه توصياتها

فقد سجلت كثير من الدول العربية تجارب ناجحة في التعامل مع المتطرفين داخل السجون، منها: البرنامج السعودي الذي انطلق عام 2003، وقد أنجز نتائج مشجعة جداً، عبر عدد من البرامج النوعية الناجحة التي حققت نسباً عالية بين من تراجعوا عن الفكر المتطرف، رغم وجود بعض الحالات الانتكاسية، حيث اعتمد البرنامج على المدخل الأيديولوجي أو الإرشاد الديني بشكل أساسي، وفي الوقت ذاته، لم يستبعد البعد السيكولوجي والاجتماعي، كما تفوق البرنامج في جانب مهم من الإصلاح وهو الرعاية اللاحقة التي تلت الإفراج، وهي من النقاط التي تصطدم عادة لدى بعض الدول بضعف الموارد حتى لو توافرت إرادة لتوفير تلك الرعاية.

الخبير الأمني د. محمد عارف العظمات لـ"حفريات": إذا كانت الحرب على الإرهاب هي حرب الأفكار، فالسجون التي تخلو من أية تدخلات إيجابية هي بامتياز مصنع هذه الأفكار

كذلك في غير الدول العربية وفي أندونيسيا كدولة مسلمة، اعتمد برنامج الإصلاح على المتطرفين السابقين (التائبين) في إقناع بقية النزلاء للتخلي عن الفكر المتطرف، وتمكّن ضباط السجون الذين أشرفوا على تنفيذه بمواردهم المحلية المحدودة أن يحشدوا عدداً ليس بالقليل من السجناء التائبين في مواجهة المتشددين داخل السجون، وأما في سنغافورة فقد لجأت الدولة إلى المؤسسات الدينية والدعاة المستقلين فى تأهيل المتطرفين، وتمكّنوا بشكل قياسي من تحييد خطر التطرف الجهادي عن بلادهم. وفي مصر والجزائر وليبيا، تمّ التركيز على البرامج الجماعية، وهي مبادرات سلام بين الحكومات وجماعات مسلحة، تخلت فيها الجماعات عن العنف المسلح مقابل الإفراج المبكر وتحسين ظروف السجن، رغم أنّ بعض البرامج التي لم تنجح كالبرنامج اليمني، الذي اعتمد على الحوار الديني في مقابل الإفراج المبكر، وتقديم الضمانات من عائلات النزلاء بعدم عودة أبنائهم إلى السلوك الإرهابي، الأمر الذي استغلّه المتطرفون سبيلاً للعودة إلى أحضان تنظيماتهم واستئناف نشاطهم الإرهابي.

اقرأ أيضاً: ما مصير أطفال الدواعش التونسيين المنسيين في سجون ليبيا؟

هذه التجارب، بما تحمله من خبرات سلبية وإيجابية، تصلح منطلقاً لحوار رسمي بين الحكومات والمختصين لتحرير مدونة سلوك مشتركة، تنظر في فلسفة برامج التأهيل ومعايير نجاحها، والنتائج التي حققتها، وجسْر الفجوة بين الرؤية الأمنية بما تحمله من ضرورات ومحاذير وتشريعات، والرؤية البحثية بما تطرحه من شفافية وخيال وتفكير.



الصفحة الرئيسية