كيف سيتكيف الإخوان مع الحصار الأوروبي؟

كيف سيتكيف الإخوان مع الحصار الأوروبي؟

مشاهدة

12/07/2021

أقر المجلس الوطني في النمسا قانوناً جديداً لمكافحة الإرهاب والتطرف يستهدف تعزيز جهود الدولة لحظر نشاطات التنظيمات الإرهابية وملاحقة مموليها، ومنهم جماعة الإخوان.

وفق وزير الداخلية النمساوي كارل نيهمر تتيح التشريعات الجديدة تغليظ العقوبات على البيئات الحاضنة للمتطرفين وتسهل عملية مراقبتهم، وكذلك مراقبة خطاب الكراهية والتشدد الديني واستغلال شبكة الإنترنت في هذه الأغراض.

في نفس التوقيت صدر القانون الاتحادي الألماني الجديد الذي يحظر استخدام الرموز التي تنتمي إلى داعش والإخوان المسلمين والجماعات الأخرى.

كان الغنوشي وما يزال أحد أهم المؤثرين في مسار الفرع الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين فكرياً وتنظيمياً

وإن كانت تلك الخطوة تقدماً مهماً في الاستجابة للدعوات التي أطلقتها دول التحالف العربي لمحاصرة الإرهاب في الدول الأوروبية، إلا أنّها تستوجب خطوات أكبر؛ إذ إنّ الجماعات وفي القلب منها الإخوان وضعت خطة للتكيف مع مثل هذه الأمور، وهذا ما صرح به شكيب بن مخلوف، الرئيس السابق للفرع الإخواني في أوروبا، لصحيفة "الشرق الأوسط" في تعقيبه على الاحتجاجات التي قام بها بعض مسلمي أوروبا ضد الرسوم الكاريكاتورية، قائلاً: "نحن لدينا برنامج عمل، ولدينا خطة عمل لمدة 20 سنة، خطة قريبة المدى، وخطة متوسطة المدى، وخطة بعيدة المدى. مثل هذه القضايا التي تأتي من حين لآخر، تؤثر سلباً على عملنا. وبعض الأحيان المسلمون ينساقون في الدخول في بعض المعارك الهامشية، وهذه تؤثر على خطتنا العامة".

 الخطة القديمة للإخوان

في العام 2005 نُشر ما يسمى بالمشروع السري للإخوان في كتاب جاء تحت عنوان "فتح الغرب.. المشروع السري للإسلاميين"، مستنداً للوثائق التي عثرت عليها السلطات السويسرية في منزل يوسف ندا ومنها وثيقة جاءت تحت عنوان (نحو استراتيجية عالمية للسياسة الإسلامية، منطلقات وعناصر ومستلزمات إجرائية ومهمات).

كشفت وثائق يوسف ندا التي كتبها القيادي محمد أكرم عن المشروع السري الإخواني ومنطلقاته الاثني عشر عن الخطة القائمة على التكيف الذي قام به الإخوان مع المجتمع الغربي، وإنه بمثابة مناورة تكتيكية مصممة لطمأنة الغرب، ثم توظيف ما في الدول الغربية من قيم الحضارة الحديثة مثل: الديمقراطية، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، وحرية العبادة، وتغيير الدين والمعتقد، والاعتراف بتعددية الثقافات، وغيرها من التسهيلات، وكذلك بيروقراطية إجراءات الغربيين الإدارية والقضائية، ما يسمح بتمرير الجماعة.

 توظّف الجماعة ما في الدول الغربية من قيم الحضارة الحديثة كالديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان

اعتمدت الجماعة في تلك الخطة القديمة على الارتكازات المباشرة، مثل المؤسسات القانونية كالمراكز الإسلامية، والجمعيات الدينية، والمنتديات والمؤتمرات، والمراكز السياسية الاستراتيجية، والوسائل الإعلامية، وأما غير المباشرة فهي الوسائل السابقة، دون تواصل مباشر مع التنظيمات، وأما خلايا التجنيد، فهي تلك التي تنشط وسط الطلاب المهاجرين، وطبقات اللاجئين، وفي الأغلب تستخدمها التنظيمات الجهادية، حيث  تنخرط لنشر الفكر الجهادي، وضم المتعاطفين مع الجهاد.

اقرأ أيضاً: الخريف يعصف بالتنظيم في أوروبا: تشريعات نمساوية لحظر أنشطة الإخوان

يحيلنا ما سبق إلى لائحة عريضة من الفاعلين، بدءاً من المؤسسات والمراكز الإسلامية، ونهاية بتفرعات أوروبية لـ"التنظيم الدولي للإخوان"، وشبكة المساجد والمراكز الثقافية التي تساهم في التأطير الديني للأقليات الإسلامية، والقادة المستقلين لتيار الإسلام السياسي.

الإخوان وطرائق التكيف

تشير تحركات الجماعة في أوروبا إلى توقعها إجراءات الحصار التي قامت بها بعض الدول الأوروبية، وتكيفها معها عبر خطوات أهمها التالي:

1- انفصام التنظيم عن رأسه في مصر والدول العربية، وهذا ما أكده إعلان "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، انفصاله عن الجماعة وحول اسمه إلى "مجلس مسلمي أوروبا" العام 2017، فرغم أن كل فرع للجماعة له حرية حركة، إلا أنّ هناك روابط مشتركة، وتداخلاً كبيراً كان يجري، ووفقاً لمخططات استراتيجية جديدة تغيرت تلك السياقات، وقد أعلن اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا في 30 كانون الثاني (يناير) 2017 انفصاله رسمياً عن جماعة الإخوان المسلمين. وأقرت الهيئة في اجتماعها – الذي عُقد في مدينة اسطنبول التركية - ما أسمته بمشروع "تطوير وهيكلة الاتحاد" ليكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات الكبرى، بحسب ما جاء في البيان الختامي للاجتماع وأكد المجتمعون في بيانهم أن الاتحاد هو عبارة عن مؤسسة أوروبية ليس لها أي ارتباط تنظيمي أو إداري بمؤسسات، أو هيئات خارج أوروبا، وأنه يبني علاقاته على أساس من الانفتاح والتعاون من أجل الصالح العام.

2- التخفيف من الشحنة الإيديولوجية، وانتقال مجموعات من شباب الجماعة الأكثر انفتاحاً على التيارات السياسية الأخرى، وفق ما ذكره الباحث التونسي أحمد نظيف في دراسة حول التواجد الإخواني في فرنسا، وكيفية الأشكال الجديدة في التنظيم والخطاب والممارسة في الالتفاف التكتيكي على المرحلة، فمنذ العام 2016 في نقاش تعديل خططه المرحلية للتكيف مع الأزمة الشاملة التي تعيشها الجماعة متوجهاً نحو إجراءات تغييرات – تعتبر جذرية- على بنيته التنظيمية بداية من الاسم وصولاً إلى الهيكل، وكذلك على مضامين النشاط وطرقه، الأمر الذي خلق تحولات سوسيولوجية على مستوى القاعدة الاجتماعية للتنظيم والشرائح المستهدفة. 

اقرأ أيضاً: إمبراطورية الإخوان المالية تهتز في أوروبا.. ما القصة؟

3- الفصل ما بين الدعوة ومؤسسات العمل السياسي، وهذا ما أعلن عن تطبيقه في كل الأقطار تقريباً ولاح بوضوح في تونس عندما أعلنت الحركة في مؤتمرها العاشر الذي عقد في أيار (مايو) 2016 التخصص في العمل السياسي وترك النشاط الدعوي للمنظمات المدنية، والفصل التام بين جهازها السياسي وأذرعها الدعوية.

4- تطبيق خطة هيكلية جديدة تعتمد على اللامركزية في العمل، وفق ما ذكره الباحث محمد اللويزي في حديث خاص، من خلال تغيير التنظيم من البناء الهرمي الصارم إلى الانتشار الأفقي المرن، والعمل من خلال الواجهات المدنية بعيداً عن الشبكات الدينية واضحة الهوية.

اقرأ أيضاً: ألمانيا والنمسا تحاصران الجماعة.. ما دلالات حظر استخدام رموز وشعارات الإخوان؟

5- تطبيق نظرية راشد الغنوشي حول "تشكيل النخبة"، حيث كان الغنوشي وما يزال أحد أهم المؤثرين في مسار الفرع الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين فكرياً وتنظيمياً، وفق ما ذكره الباحث أحمد نظيف في دراسة له، وهي ما تقوم على ضرورة تشكيل شبكة نخب مؤثرة في القطاعات المالية والتعليمية والأمنية والحزبية والمدنية والإدارية وزرعها داخل الطبقة السائدة باعتبارها رصيد "الحركة"، حيث يعتبر أنّ هزيمة التجارب الإسلاموية كانت نتيجة "الفقر النخبوي"، رغم أنّها تملك قواعد شعبية كبيرة لذا أصبح العمل في أوروبا أكثر تركيزاً على الطلاب، وعلى إنشاء كوادر قيادية من الجيل الجديد من الشباب، والاهتمام بالتوغل في المؤسسات التعليمية، وإنشاء معاهد لتدريب أئمة المساجد، والتسلل إلى الهيئات الوسيطة (اتحاد طلابية، جمعيات، نقابات، أحزاب سياسية) والشركات الكبرى.

6- استخدام "التقية السياسية" في معالجة الأمور السياسية المستجدة في الدول الأوروبية لذلك كانت دائماً خطاباتهم ومواقفهم تجاه السياسات الأوروبية، وعدم الإفصاح عن موقف الجماعة.

7- استخدام الجانب الحقوقي ومؤسسات حقوق الإنسان.

رغم كل القوانين التي صدرت إلا أنّ معضلة الإخوان ستستمر بسبب عمليات التثبيت والتموضع التي تمت لها عن طريق استغلالها القوانين في بناء منظمات وجمعيات في دول القارة، ومع التغيرات والتحولات الجارية الآن بدأت تعيد تشكيل ذاتها من جديد.

الصفحة الرئيسية