كيف صارت الجزائر خارج اللّعبة في ليبيا؟

كيف صارت الجزائر خارج اللّعبة في ليبيا؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
24/07/2021

ترجمة: مدني قصري

بعد تهميشِها في ليبيا، بسبب دعمِها لِمعمّر القذافي حتى النهاية، انتهَى الأمر بالجزائر بِفقدان نفوذها، حتى في فزّان، وفي بلاد الطوارق التي كانت تقليدياً جزءاً من منطقة نفوذِها.

بدأ عبد الحميد دبيبة، الرئيسُ الجديد للحكومة الليبية، منذ 15 آذار (مارس) 2021، فور تنصيبه، جولةً دبلوماسية في العديد من العواصم، كما استقبل رؤساء حكومات من دول قريبة، مثل تونس ومصر وإيطاليا، أو أبعد منها، مثل اليونان، لكنّه انتظر شهرين ونصف الشهر قبل أن يذهب إلى الجزائر العاصمة، في 29 أيار (مايو)، في مجرد توقّف في طريقه إلى أوروبا.

تهميش الجزائر في الملفّ الليبي وجه من أوجه تميُّع السلطة الجزائرية، نتيجة أزمة نظامٍ كشف فيه الحراك الشعبي، الذي بدأ في فبراير 2019، جمودَ وفساد أجهزته الأمنية

منذ عام على الأقل، لم يعدْ تهميشُ الجزائر في القضية الليبية موضعَ شكّ، في سياق المفاوضات بين الأطراف المتحاربة في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2020، والتي أسفرت عن اتفاق الحكومة الحالي، هذه المفاوضات، التي أجريت بشكل أساسي في تونس والصخيرات (ليس بعيداً عن الرباط)، شهدت تضاعف ذهاب وإياب لممثلين ليبيين بين هاتين العاصمتين المغاربيّتين، مُتَخَطّين في كلّ مرّة الجزائر العاصمة.

منذ فترة طويلة، لم يعد لدى هؤلاء الفاعلين الليبيين، المؤيِّدين أو المعادين للجزائر، أيّة أوهام حول قدرة الجزائر على ممارسة نفوذها على الساحة الليبية.

لقد همّشت الجزائر نفسَها أوَلاً منذ دعمها المتشدّد لمعمر القذافي، خوفاً من عدوَى "الربيع العربي"، ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك باستقبالها لأسرته بأكملها في المنفى، وأخيراً فقدت الجزائر نفوذها حتى في فزان، وفي بلاد الطوارق التي كانت تقليدياً جزءاً من منطقة نفوذها، وهكذا فإنّ المشير خليفة حفتر لم يكتفِ بتهديد الجزائر علناً، وهو ما وُصِف بالتبجح والتعنتر، حيث انتقل بعد ذلك إلى الاستفزازات.

تحفّظات الطوارق

تمهيداً لهجومه على طرابلس، حاول حفتر قبل شهرين، في شباط (فبراير) 2019، السيطرة على منطقة فزان؛ حيث اقتصر الوجود الفعلي لقواته على سبها، العاصمة؛ ففي هذه المنطقة، التي لها حدود طويلة مع الجزائر، سَجّل حفتر بالوكالة انتقالَ الأراضي تحت سيطرته، وهكذا مَنح الطوارقُ، مثل معظم الطوائف الأخرى، ولاءَهم لِخليفة حفتر، ووضعوا تحت حكمه حقل الفيل النفطي الذي يسيطرون عليه، لكنّ المارشال أصرّ بشكل استثنائيّ على أن تقيم فرقُه العسكرية استعراضاً وتُخيِّم في غات، وهي واحة قريبة من الحدود الجزائرية، قبل أن يسحبها بعد 48 ساعة.

اقرأ أيضاً: حركة مجتمع السلم الإخوانية ومخطط تفخيخ المشهد السياسي في الجزائر

كان الطوارق، الذين كانوا قلقين بشأن علاقاتهم الحدودية الجيّدة مع الجزائر، يَوَدّون تجنّب استعراض القوة هذا، غات، الواقعة على بعد أقل من عشرة كيلومترات من الحدود، متفاعلة مع توأمها الجزائري جانِتْ، على بعد أقل من خمسين كيلومتراً.

بشكل عام، نفوذ الجزائر قوي في المنطقة؛ هنا بلدُ الكونفدرالية التارقية (نسبة إلى الطوارق) "كيل آجر" الموزّعة على جانبَيْ الحدود، مع مُصاهراتٍ عائلية متقاطعة ظلت تنسج سلسلة بشرية، جعلت غات قاعدةً خلفية في الكفاح ضدّ الاستعمار الفرنسي، ومن ثم في النضال من أجل تحرير الجزائر، زاوية التجاني، وهي الفضاء الذي يتمّ فيه عقدُ الاجتماعات والاتفاقيات بين قبائل الطوارق دائماً، والواقعة تقريباً على الحدود، كانت إحدى قواعد جبهة التحرير الوطني (FLN) الجزائرية، خلال حرب الاستقلال، حيث كانت تأوي الأسلحة والمقاتلين والاجتماعات. نتيجة لذلك، ظلت هيبة الجزائر قوية فيها.

عام 2017؛ أعلنت الجزائر، بضجةٍ كبيرة، زيارة وزير خارجيتها إلى جنوب ليبيا، هناك روابط قوية مع الجزائر منسوجة منذ نهاية القرن التاسع عشر والاستعمار الفرنسي، لكنّ زيارة الوزير انتهت بسرعة.

بعد توقّفٍ قصير في غات، طار الوزير إلى طرابلس، متجاهلاً مدن فزان الأخرى، لا سيما عاصمتها سبها، حيث كانت زيارتُه إليها منتظرة، فكانت خيبةُ الأمل الكبرى، لكنّها أيضاً اليقين من ضعف قوّة الجزائر، التي وُصِفت على أنّها هروب.

تجد الجزائر نفسَها في موقف سلبي؛ فكي تحمي نفسها من تداعيات الصراع، شرعت في بناء جدار يعبره الطوارق بسهولة بشكل يومي، بما في ذلك الوصول إلى النيجر

ومع ذلك، فقد استخدم الجزائريون في السابق القوة الضئيلة التي بقيت لهم في محيط غات كي يهمَّشوا، بشكل رسمي، بمساعدة القطَريين، المجلسَ الأعلى للطوارق، المكوّن من الشباب الذين انضموا إلى الثورة، وتقليصه إلى إطار شكلي، لقد استبدلوه بمجلس اجتماعي للطوارق وأعادوا إلى الواجهة شيخَيْ الطوارق التابعين لنظام القذافي: حسين الكاوني، الرئيس السابق لـ "اللجان الشعبية" في غات، وعلي كنّا، رئيس ميليشيا المواغير التارقية.

الالتقاء مع الأمازيغ

لمواجهة محاولات حفتر لتأسيس موطئ قدم في فزان، حدث إجماع بين مجتمعات فزان على تعيين علي كنّا رئيساً لمنطقة فزان العسكرية، والمفارقة أنّ الجزائر عارضت ذلك التعيين، مضيفة رفضَها لقوى مثل فرنسا والإمارات العربية المتحدة، اللتين كانتا تعدّانه رجلاً تابعاً للجزائريين.

هذه الضغوط ما لبثت أن شلّت، لفترة طويلة، فايز السراج، رئيس الوزراء منذ كانون الأول (ديسمبر) 2015، ومنعته ​​من تعيين حاكم عسكري في فزان، وهو ما ترك فراغاً لصالح حفتر.

بالتخلي عن علي كنّا؛ فقد الجزائريون آخر فرعاً يمكنهم من خلاله التشبّث بليبيا، لقد استند موقفهم إلى عدم ثقة مزدوج، إزاء أقلية عرقية لها امتداد في الجزائر، لكن على الخصوص أمام ظهور مقدمات تحالف بين الطوارق والأمازيغ في جبل نفوسة، كان الطوارق يدعمون القذافي في الغالب، ومع ذلك؛ فإنّ أحد فرعيهما، وهو فرع أقلية تيرجا، كان قد انضمّ منذ بدايته إلى الثورة، مقتفياً أثرَ زنتان الجبل الذين ارتبطوا بهم من خلال تحالف قبليّ قديم جداً.

تجد الجزائر نفسَها في موقف سلبي؛ فكي تحمي نفسها من تداعيات الصراع، شرعت بتكلفة كبيرة في بناء جدار يعبره الطوارق بسهولة بشكل يومي، بما في ذلك الوصول إلى النيجر، التي تم حظرُ الوصول المباشر إليها من قِبل منافسيهم التُبو (1).

فساد المصالح الاستخباراتية

هذا التهميش للجزائر في الملفّ الليبي ما هو إلا وجه من أوجه تميُّع السلطة الجزائرية، نتيجة أزمة نظامٍ كشف فيه الحراك الشعبي، الذي بدأ في شباط (فبراير) 2019، جمودَ وفساد أجهزته الأمنية ودبلوماسيته؛ إذ برزت آثارُه على الملف الليبي بوضوح في مدينة ورقلة، مقرّ المنطقة العسكرية الرابعة في الجزائر، والتي تدير، من بين أمور أخرى، الملف الليبي.

اقرأ أيضاً: موسم سقوط الإسلاميين في الجزائر

في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2018، اعتُقل اللواء عبد الرزاق الشريف، الذي قاد هذه المنطقة العسكرية خلال خمسة عشر عاماً، بتهمة تهريب الكوكايين، لقد سلطت الأجهزة الأمنية الأمريكية والإسبانية الضوء على الشبكة التي كان يغطيها، ويعمل منذ عدة سنوات من كولومبيا، داعية السلطات الجزائرية إلى التحرك، اللواء شريف هو أيضاً المسؤول العسكري الذي أدار الملف الليبي في هذه الأوقات المحورية، من 2004 إلى 2018.

المنطقة العسكرية الرابعة هي بالفعل الفضاء الذي يتم فيه تخطيط الدبلوماسية الأمنية الساحلية للجزائر، فهو وريثُ "إقليم الجنوب" لِورقلة التي كانت مقر القيادة العسكرية الفرنسية لمجموع الصحراء، فموقِعها في طرف سلسلة أهمِّ محورٍ في الصحراء الوسطى يجعلها مفترق طرق لشبكات التبادلات التجارية غير الرسمية.

منذ سنوات الـ 2000 تحولت المنطقة العسكرية الرابعة في ورقلة، حيث توجد معظم احتياطيات النفط والغاز في الجزائر، إلى ساحة مواجهة حول مكاسب خَصخصة الاقتصاد، مما أدّى إلى ضبابية الأمن الإقليمي والقضايا الدبلوماسية، وبعد عدة مغامرات، لا سيما ما كشفته دائرة الاستعلام والأمن عن الفساد حول العقود النفطية لِحاشية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، واحتجاز عدد من الرهائن من قبل الإسلاميين، في كانون الثاني (يناير) 2013، في مجمع تيجينتورين للغاز، ليس بعيداً عن الحدود الليبية؛ حيث أدّت التوترات بين الجيش ودائرة الاستعلام والأمن إلى ارتفاع عدد القتلى من الرهائن، (37) وفق مصادر جزائرية رسمية، وتمّ حلَ دائرة الاستعلام والأمن في النهاية. وفي ورقلة، حيث توجد إحدى قواعده القوية، تمّ تفكيك شبكاته التي تمتدّ من هذه القاعدة إلى ليبيا والساحل، ولغاية باريس.

اقرأ أيضاً: لماذا استبقت حركة "حمس" الإخوانية الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات في الجزائر؟

ففيما وراء تقلّبات هذه الصراعات في القمة، في ورقلة، فإنّ الأنشطة المخصخَصة، لا سيما في قطاع النفط، يَحتكِرها بشكل أساسي ضباطٌ رفيعو المستوى، وأطفالهم، أو من تربطهم بهم مصالح، بالتعاون مع الشركات متعددة الجنسيات؛ فالسكان الأصليون الذين أحيلوا إلى وظائف وضيعة لا تتطلب مهارات، لم يعد بإمكانهم حتى الوصول إلى هذه الوظائف، لقد أدت الخصخصة إلى تفاقم هيمنة الشركات الخاصة التي تفضّل "استيراد" حتى العمال غير المهرة من الشمال، وتنتهك قانون العمل والقواعد البيئية مع الإفلات التام من العقاب.

تعرّضت ثورة اجتماعية، تمّ تنظيمها حول "حركة أطفال الجنوب من أجل العدالة" (MSJ) ، إلى قمع عنيف، حيث استخدم النظام وسائل الحرب لتعقّب المتظاهرين، وقد برّرت السلطاتُ هذه الأعمال الانتقامية بانتقال جزءٍ من هذه الحركة إلى كفاح مسلح. لكنّ تحقيقاً مفصلاً للغاية أجرته صحيفة "الوطن" الجزائرية، في 28 آذار (مارس) 2014، تحت عنوان "التاريخ السرّي لحركة أطفال الجنوب"، كشفَ عدداً من المناطق الرمادية حول دوافع هذا الانتقال إلى الكفاح المسلح، وألغام هُويّة المسلحين وعنف الجيش في مواجهة محاولات الوساطة.

وهكذا احتلت "الجبهة الداخلية" الأسبقية على اعتبارات الأمن الإقليمي في منطقة ورقلة.

 لم يعد يُنظر إلى الجيش الجزائري هناك على أنّه قوة ظلّ، لكن باعتباره لاعباً تافهاً في السباق من أجل الربح، وقد أدى سحبُ الشرعية عن الجيش إلى تحرّر الألسن من قيودها لتنتقد علناً "قوّة القبعات العسكرية" و"المستوطنين الجدد" في اجتماعات الاحتجاجات، فحتى قبل ما يقرب من عقدين من الحراك، كانت قوّةُ الجيش موضعَ تساؤل في ورقلة.

كشف التحوّلُ العميق في هذا الإقليم، الذي يشكّل القلبَ الذري لنظام الأمن الجزائريّ، تطوراً أكثر شمولية؛ لقد جاءت لائحة الاتهام ضدّ اللواء عبد الرزاق في الوقت نفسه الذي صدر فيه توجيه الاتهام إلى أعظم رؤساء الأجهزة الأمنية: الشرطة، وقوات الدرك، ورؤساء المنطقة العسكرية الأولى والثانية (الأولى تغطي كلّ الجزائر العاصمة، وهي مكرسة لحماية النظام، والثانية للحدود مع المغرب).

بعد اندلاع الحراك الشعبي في الجزائر وتحت ضغطه، أضِيف إلى القائمة رئيسا أمن في الجيش، وثلاثة آخرون من جهاز المخابرات القويّ، وعدد من دوائر وزارة الدفاع.

كان لهذا الانزلاق في التسلسل الهرمي الأمني ​​الأعلى للجريمة عدّةُ آثار جانبية في ورقلة، على إدارة الملف الليبي، منها إلغاء الاستثمار في شبكات النفوذ التقليدية في فزان، وخلخلة نظامها، بل وحتى تحويلها لصالح شبكات إجرامية مخصَّصة، لتوصيل المخدرات، والحذر والإكراه تجاه الفاعلين السياسيين المؤثرين في فزان، والقادرين على تعطيل حركة التهريب هذه، والذين، على غرار بعض الطوارق والأمازيغ، كانت السلطاتُ الرسمية تخشى خطر انتقال عدوى الاحتجاج من قبلهم. بالتالي، فقد ساهم القمع العنيف ضدّ الحركة الاجتماعية، مثل ذلك الذي مورس ضدّ أبناء الجنوب، في قطع الصلة، على الجانب الجزائري، مع الطوارق وغيرهم من السكان الصحراويين الجزائريين، وسطاء النفوذ في ليبيا، لقد تجذّرت تجارة المخدرات في صراعات العشائر داخل السلطة الجزائرية، وكان مسرحُها الحدود الليبية.

بالنسبة إلى الرأي الجزائري، تثار أسئلة كثيرة الآن: هل تمتلك الجزائر حقاً درعاً أمنياً فعالاً؟ ألم يجعلها تحوُّل عدد كبير من مسؤوليها إلى الجريمة قابلة للاختراق من قبل الاستخبارات الخارجية؟

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

orientxxi.info/magazine


هامش:

التُبو مجموعة إثنية من الرُعاة الرُحّل وشِبه الرُحّل، يَستوطنون في الوقت الراهن، الجزء الأوسط من الصحراء الكبرى الأفريقية، على امتداد الجزء الجنوبي من دولة ليبيا، والأجزاء الشمالية والوسطى والغربية من تشاد، وشمال شرقي جمهورية النيجر، والطرَف الأقصى من شمال غرب السودان.

الصفحة الرئيسية