لبنان: عودةُ شبح الحرب الأهلية

لبنان: عودةُ شبح الحرب الأهلية

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
22/11/2021

ترجمة: مدني قصري

اِعترض عددٌ من الفاعلين السياسيين اللبنانيين - بما في ذلك حركتا حزب الله وأمل الشيعيتان – على الطريقة التي حقّق بها المدعي العام طارق بيطار في انفجار مرفأ بيروت في 4 آب) أغسطس) 2020. لقد أصبح هذا القاضي ذريعة للمواجهة بين القوى الشيعية وخصومها القوات المسيحية اللبنانية، وهو ما يجعل شبح الحرب الأهلية يلوح في أفق لبنان مرّة أخرى.

اقرأ أيضاً: يوم قضت الشراكة مع حزب الله على لبنان

كانت بعض الأسلاك الشائكة كافية لتحويل المخارج التي تربط دوار الطيونة في بيروت بالطرق المؤدية إلى منطقتي الشياح وعين الرمانة، من نقاط التقاءٍ بين الجيران إلى خطوط مواجهة بين مقاتلين. رسمت هذه الأسلاك الشائكة التي تحيط بحواجز الجيش التي أقيمت في أعقاب أحداث الخميس 14 تشرين الأول ( أكتوبر) 2021، مرّة أخرى الخطّ الفاصل القديم الذي عرفه اللبنانيون خلال الحرب الأهلية (1974-1989)، بين منطقة الشياح ذات الأغلبية المسلمة وعين الرمانة ذات الغالبية المسيحية. هنا في عام 1975 ارتكبت ميليشيا الكتائب المسيحية مذبحة بفتح النار على حافلة تقل لاجئين فلسطينيين، ممّا أدّى إلى اندلاع حرب أهلية.

كان مسار هذا الخط بالكاد ذكرى، والدليل على ذلك هو توطين سكان غير مسيحيين في عين الرمانة خلال العقد الماضي. لكنّ أحداث الخميس الأسود بدّلت الوضع في غضون ساعات، مُذَكِّرةً اللبنانيين بأنّ الحرب الأهلية لم تنته حقًا.

فجأة، وابل من الرصاص

كنتُ قد نسيت أنّ مظاهرة كانت ستمر في شارع سامي الصلح بالقرب من شارع بدارو، صباح الخميس 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2021. عندما وصلت إلى نهاية الشارع، عند دوار الطيونة وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام المتظاهرين. كان هؤلاء متوجّهين إلى محكمة بيروت دون سلاح للمطالبة بإبعاد القاضي طارق بيطار، المسؤول عن التحقيق في الانفجار الذي وقع في ميناء المدينة في 4 آب (أغسطس) 2020، من القضية. إذ يتّهمه أنصار حركة أمل وحزب الله بالرغبة في تسييس التحقيق وباختيار أهدافه من خلال المتابعات القضائية  التي يطلقها.

من الصعب فصل التوترات الحالية عن اقتراب المواعيد الانتخابية - التشريعية والرئاسية – المتوقع إجراؤها في ربيع عام 2022، والجدل الذي يحيط بها حول تمثيل المسيحيين

رافقتُ التظاهرة وسألت بعض الشباب عن دوافعهم، فيما كان المتظاهرون يردّدون شعارات تشيد بقادة الحركتين الشيعيتين. لكنّ الموكب وصل إلى الزقاق الذي يفصل شارع سامي الصلح المؤدي إلى المحكمة عن الشارع الذي تقع فيه مدرسة ليفرير Frères(الرهبان) في عين الرمانة حيث توقف الموكب. كان من الواضح أنّ حادثة وقعت على بُعد حوالي خمسين متراً، استناداً إلى أواني الزهور التي ألقيت على المتظاهرين من الشرفات. علمت لاحقاً أنّ اشتباكاً وقع بين شبان من عين الرمانة وبعض المتظاهرين، تبادلوا خلاله الإهانات تجاه زعماء بعضهم البعض، وديانة بعضهم البعض. تصاعد الموقف وتفاقم وتم كسر نوافذ السيارات والضرب بالهراوات وإطلاق النار على أحد المتظاهرين. وقد أجبَرت عبوةُ غاز مسيل للدموع المتظاهرين على التراجع.

سرت بوتيرة أسرع خوفاً من أن تسحقني حركة الحشود العائدة إلى الطيونة، ثم إذا بوابل من الرصاص يسقط فوق رؤوسنا من أسطح الأبنية التي تطل على الدوار، من شارع بدارو المجاور. رأيت صبيّاً يسقط على الأرض. صاح أحد الأصوات: أصيب في رأسه! ". اندفعت مجموعة من الحشد، متحدّية الرصاص لسحب الضحية بعيداً، لكنّ الصبي كان قد فارق الحياة من فوره.

اقرأ أيضاً: سياسات "حزب الله" في لبنان.. جرائم تعدت حدود الاغتيال

كانت الساحة والشارع مكشوفَين، مما جعل مهمّة القنّاصين سهلة، حيث استهدفوا الأشخاص كما لو كانوا في ميدان رماية. اختبأتُ خلف سيارة دفع رباعي، على أمل أن يتوقف صفير الرصاص حتى أتمكن من الهروب إلى أقرب مبنى. وعندما وسعني ذلك بعد حوالي عشر دقائق، رأيت بركة من الدماء وزوجاً من الأحذية الرياضية المهجورة على مقربة من المكان الذي كنت أقف فيه.

تأخّر وصول الجيش

بعد بضع دقائق، أفسح المتظاهرون الطريق لمسلحين قادمين من الشياح فتحوا النار، محاولين عبثاً الوصول إلى القناصين الذين قيل إنهم تمركزوا على أسطح المنازل. وقد ندم المتظاهرون الذين لجأوا معي إلى بناية على تعليمات قادتهم: لا أسلحة ولا أعلام الحزب. وكانت النتيجة كما تذمّر أحدهم: "إنهم يطلقون النار علينا وكأننا أرانب"

اقرأ أيضاً: "القوات اللبنانية" يهاجم حزب الله لهذا السبب

"اشتباكات" ليست هذه بالتأكيد الكلمة الصحيحة لوصف ما حدث خلال تلك الدقائق العشرين. لقد ورد  في بيان صحفي مشترك صادر عن وزارة الداخلية والجيش أنّ "القناصة المتمركزين على أسطح المباني استهدفوا المتظاهرين بوابل من الرصاص في الطيونة". لكن الجيش لم يذكر بعد ذلك وجود قناصين، بما في ذلك في التقرير الذي صدر للصحافة في 29 تشرين الأول (أكتوبر).

في نهاية المطاف، تدخل الجيش وتمكّن، كما قيل لنا، من إيقاف عدد قليل من القناصين. والنتيجة: 8 قتلى بين المتظاهرين والمارة وعدد كبير من الجرحى من الجانبين. وقالت مصادر طبية إنّ معظم إصابات الأعيرة النارية وقعت على مستوى الرأس والصدر. كانت نيّة القتل جد واضحة.

الانفصال الطائفي

كان الشعور بالوقوع في كمين سائداً بين المتظاهرين، تعزّزه روايات السكان المسلمين في منطقتي عين الرمانة وفورن الشباك، ذات الغالبية المسيحية وحيث تحظى القوات اللبنانية ببعض الشعبية. هكذا قالوا إنّ جيرانهم المسيحيين نصحوهم بمغادرة المنطقة في الليلة السابقة، ليس لطردهم، ولكن لحمايتهم، لأنهم سمعوا أنّ القوات اللبنانية قد جلبت ميليشيات، ولا سيما من معقلها في بشري ومأرب "إنهم لا يعرفون أنكم جيراننا منذ فترة طويلة. نخشى الأسوأ، وخيرٌ لكم أن تغادروا الحي، ولو مؤقتاً"، هكذا قالوا لهم. اِمتثل المسلمون وخرجوا من منازلهم، مستذكرين بهذه البادرة الانفصال الطائفي الحزين في زمن الحرب، المفترض أنه أصبح من الماضي. كما تم نشر إعلانات على الشبكات الاجتماعية لتوفير سقف لمن أجبِروا على المغادرة ... بما في ذلك المسيحيون الذين أذهلتهم هذه الأحداث. وبحسب تحقيق الجيش، فإنّ القوات اللبنانية "حشدت الرجال والسلاح" قبل مظاهرة الخميس 14 تشرين الأول (أكتوبر).

يلوم البعض المدعي العام طارق بيطار على تعامله ببعض "التساهل" إزاء الجيش وخدماته، رغم أنه المسؤول بالدرجة الأولى عن تخزين النترات في الميناء وعن إهماله لخطورته

السبب الرئيسي للمظاهرات هو "الشبهة"  في حق القاضي طارق بيطار، بسبب ما اعتبر أنه "تسييس" للقضية، لا سيما في اختيار الشهود الذين تم استدعاؤهم، وغياب الشفافية فيما يتعلق بنتائج التحقيق الفني، ناهيك عن العيوب الإجرائية. لا بد من القول إنّ القضاء اللبناني ليس معروفاً أنه مستقل، وكان دائماً الخاسر الأكبر في مواجهة الضغوط السياسية من جميع الجهات. لكن من الصعب فصل التوترات الحالية عن اقتراب المواعيد الانتخابية - التشريعية والرئاسية – المتوقع إجراؤها في ربيع عام 2022، والجدل الذي يحيط بها حول تمثيل المسيحيين. فقد تتغير الأغلبية البرلمانية وقد يحل رئيس جديد محل ميشال عون.

هذا السياق الذي يسبق الانتخابات يمكن أن يفسّر بالفعل منطقَ التصعيد الذي تبنته القوات اللبنانية التي أرادت أن تصوّر نفسها باعتبارها الحامية الأكثر فاعلية للمسيحيين ضد الشريكين الشيعيين حركة أمل وحزب الله، وحليفهم المسيحي الحركة الوطنية الحرةCPL ، حزب رئيس الجمهورية. إنه رهان لا يخسر، على الأقل على المدى القصير، إذا حكمنا عليه من خلال ردود أفعال الشارع المسيحي، عقب أحداث الخميس 14 تشرين الأول (أكتوبر)، على الرغم من أنّ القوات اللبنانية لا تزال بعيدة عن الزعم بأنها تمثل المسيحيين، بالنيابة عن الحركة الوطنية الحرة. إلا أنّ أنصاره لم يخجلوا من فرحتهم، فضاعفوا المنشورات التي تحدّثوا فيها عن "فخرنا بالدرس الذي قدمته مقاومتنا للبعبع الإيراني (أي حزب الله). كما سخروا من "الركوع البرتقالي (لون الحركة الوطنية الحرةCPL) للميليشيات الإيرانية"، متمنين الشفاء العاجل لجرحاهم، وداعين إلى الوحدة حول "القوات اللبنانية الأقوى". أمّا سمير جعجع زعيم الحزب، فقد تحدث في الاتجاه نفسه، مؤكداً أنّ "هدفه الأساسي هو الإطاحة بالأغلبية الحالية، لأنها هي التي قادت البلاد إلى ما هي عليه اليوم".

راجعوا حساباتكم

كان ردّ الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله سريعاً. في 18 تشرين الأول (أكتوبر) رفع صوته وخاطب المسيحيين اللبنانيين بهذه العبارات: "القوات اللبنانية عدوّكم وعدوّ لبنان كله... أجندتهم الحقيقية هي الحرب الأهلية التي من شأنها أن تؤدي إلى تغيير ديموغرافي". ثم نصح نصر الله الجيش اللبناني "بمراجعة حساباتك وجميع الخيارات السيئة التي قمتَ بها منذ إنشائك".

كما علق نصرالله على كلام جعجع الذي افتخر سرّاً بوجود 15 ألف مقاتل مدرب تحت تصرّفه، قائلاً: "هذه أوّل مرّة أقول فيها: اعلموا أنّ لدينا 100 ألف مقاتل".

استدعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي سمير جعجع أمام المحكمة العسكرية كشاهد في القضية المتعلقة بأحداث 14 تشرين الأول (أكتوبر). وقال جعجع في مقابلة تلفزيونية على قناة إم تي في، المقرّبة من القوات اللبنانية إنه يوافق على المثول أمام القاضي "بشرط سماع نصرالله قبلي"، واصفاً عقيقي بـ "مفوّض حزب الله".

اقرأ أيضاً: عن الهوية اللبنانية لـ"حزب الله"

وقالت مصادر مطلعة على مجريات التحقيق لصحيفة الأخبار المعروفة بأنها مقرّبة من حزب الله، إنه رغم مشاركة عناصر من حزب الله وحركة أمل في اشتباكات 14 تشرين الأول (أكتوبر)، فإنّ اعترافات المعتقلين تؤكد بضوح أنّ جماعات مسلحة تابعة للجيش اللبناني تدخلت في عين الرمانة والأشرفية. لقد نسّق قادة الحركتين الشيعيتين مع الجيش ومصالحه للتحضير للمظاهرة، بينما لا شيء يفسر جلب القوات اللبنانية لمسلحين إلى بيروت في تلك الليلة على وجه الخصوص.

اقرأ أيضاً: محافظ البنك المركزي تونس ليست لبنان... ما القصة؟

وعن التحقيق في الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت، أبدى العديد من القادة اللبنانيين، مثل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ورئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، والسلطات الدينية الشيعية والسنية والمارونية تحفظاتهم بدرجات متفاوتة حول عمل المدعي العام طارق بيطار. يلومه البعض على تعامله ببعض "التساهل" إزاء الجيش وخدماته، رغم أنه المسؤول بالدرجة الأولى عن تخزين النترات في الميناء وعن إهماله لخطورته. من ناحية أخرى، يبدو أنّ بيطار تجاهل مسؤولية القضاة الذين كانت موافقتهم مطلوبة قبل تفريغ السفينة وتخزين النترات في الميناء. بدلاً من ذلك، سارع إلى استدعاء شخصيات قريبة من الأغلبية السياسية، دون استدعاء المسؤولين العسكريين الحاليين (أي قائد الجيش وأجهزة مخابراته) أو مسؤولي حزب الله. ومن المفارقات أنّ هذا الأخير يمثل طليعة المعارضة ضد بيطار ... لكن لأسباب أخرى.

مخاوف حزب الله

عُيِّن بيطار مدعياً عاماً مسؤولاً عن ملف تفجير مرفأ بيروت في شباط (فبراير) 2021، خلفاً للقاضي فادي صوان الذي أوقِف في أعقاب استئناف ضدّة بسبب "شبهة مشروعة" تتعلق بنزاهته، وذلك بعد طلبه استجواب رئيس الوزراء السابق حسان دياب وثلاثة وزراء سابقين آخرين.

ومع ذلك، استمرّ بيطار في الاتجاه نفسه من خلال استدعاء العديد من الشخصيات السياسية، مثل وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق (تيار المستقبل)، ووزير الأشغال العامة والنقل السابق غازي زعيتر (أمل)، ووزير المالية السابق علي حسن خليل (أمل)، ناهيك عن الوزير السابق يوسف فنيانوس من تيار المردة بقيادة سليمان فرنجية. كما تم استدعاء مسؤولين أمنيّين، مثل مدير عام أمن الدولة، اللواء طوني صليبا، المعروف بأنه قريب من الحركة الوطنية الحرة CPL، ولكن بشكل خاص مدير الأمن العام عباس إبراهيم. عندما رفض وزير الداخلية الجديد السماح بالتحقيق مع إبراهيم، كتب بيطار إلى محكمة النقض لطلب تحكيمها. فأصدرت مذكرة توقيف بحق علي حسن خليل عندما رفض هذا الأخير الرد على استدعاء القاضي، مستغلاً تعليق حصانة خليل البرلمانية خارج جلسات البرلمان. ومع ذلك، اعتبر العديد من القضاة أنّ هذه الخطوة غير قانونية.

وكان بيطار قد استدعى أيضاً رئيس الوزراء السابق حسان دياب لجلسة 28 تشرين الأول (أكتوبر) قبل تعليق الإجراءات. وكان هذا الأخير قد رفع في اليوم السابق شكوى ضد الدولة اللبنانية، متّهماً القاضي بخرق الدستور الذي ينص على وجوب محاكمة الرؤساء والوزراء أمام محكمة عليا يشكلها مجلس النواب وليس أمام القضاء الجنائي.

كان الأمين العام لحزب الله قد أوضح قبل أحداث الطيونة بوقت طويل أنّ تحفظاته على عمل القاضي بيطار تتعلق بإصرار الأخير على التركيز على المسؤولين عن الإهمال في تخزين النترات، فيما لم يعلن عن نتائج  التحقيق الفني الذي يفترَض أن يشرح الكيفية التي دخلت بها هذه الكميات من النترات إلى مرفأ بيروت، ومن المسؤول عنها وكيف وقع الانفجار. تعتبر الإجابات على هذه الأسئلة أكثر أهميّة لأنّ التفسيرات التي تم تقديمها حتى الآن تفسيرات متناقضة.

يقول بعض المحللين إنّ حزب الله يخشى أن تتغاضى كل هذه الضجّة عن قضايا يراها هو ملحة وضرورية. كما يخشى الحزب أن يتم استخدام هذا الافتقار للشفافية لـ "توجيه" الاتهامات ضده أو ضد حلفائه عشية الانتخابات الرئاسية والتشريعية، كما حدث في عام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري، ومع اعتقال أربعة من كبار المسؤولين الأمنيين الذين تمت تبرئتهم فيما بعد وسقوط الأغلبية البرلمانية.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

orientxxi.info/magazine




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية