لماذا توجّه تركيا اتهامات للسويد بدعم الإرهاب؟

لماذا توجّه تركيا اتهامات للسويد بدعم الإرهاب؟

مشاهدة

24/05/2022

ترجمة: محمد الدخاخني

المخاوف الأمنيّة المتزايدة بشدّة لجيران روسيا تفاقمت في أعقاب غزوها لأوكرانيا. فنلندا والسّويد أشارتا، بعد أسابيع من المحادثات مع زعماء الولايات المتّحدة وأوروبا، إلى أنّهما ستتحرّكان قريباً للانضمام إلى "حلف شمال الأطلسيّ".

بعد ذلك، قال الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، إنّ طلباتهما سيسرّعها الحلف.

هذا على افتراض أنّ تركيا لن تقف في طريق ذلك. قال الرّئيس رجب طيب أردوغان: "تُعدّ الدّول الإسكندنافيّة بمثابة بيوت ضيافة للمنظّمات الإرهابيّة"، وأضاف: "في هذه المرحلة، من المستحيل أن نكون مؤيّدين".

يجب أن يكون توسّع "حلف شمال الأطلسيّ" بالإجماع، لذلك؛ فمن خلال تصويتها المعارض، يمكن لأنقرة، التي تحظى بثاني أكبر جيش في الكتلة، أن تستخدم حقّ النّقض، وستكون هذه هديّة كبيرة لموسكو، التي تعهّدت بالانتقام إذا انضمت السّويد وفنلندا إلى الحلف.

أشار الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، مراراً وتكراراً، إلى توسّع الحلف شرقاً، في أواخر التّسعينيّات وأوائل القرن الحادي والعشرين، بإضافة 10 دول، معظمها من دول البلطيق والبلقان، باعتباره دافعاً لغزو أوكرانيا.

التهديد الوجودي لروسيا

حتّى في الوقت الذي يبدو فيه العدوان العسكريّ الرّوسيّ مُهيّئاً لتحفيز المزيد من توسّع الحلف، يظلّ موقف موسكو أنّ تعدّي الكتلة على حدودها يُشكّل تهديداً وجوديّاً، وأنّ السّيطرة على أوكرانيا، أو جزء منها، ضروريّ لضمان أمنها.

في العطلة الأسبوعيّة، بعد فترة وجيزة من إجبار الجيش الأوكرانيّ للرّوس على الانسحاب من خاركيف، ثاني أكبر مدينة في البلاد، أوقفت روسيا صادرات الكهرباء إلى فنلندا، التي تشترك معها في حدود طولها 1,400 كيلومتراً تقريباً، وحذّرت من ردّ "عسكريّ تقنيّ" سيأتي لاحقاً.

كانت السويد داعمة لقوات سوريا الديمقراطية

على مدى الأشهر القليلة الماضية، سعى الزّعيم التركيّ، الذي يحكم منذ فترة طويلة، إلى دعم كييف عسكريّاً والحفاظ على علاقات ودّية مع نظيره الروسيّ في آن، ويبدو من غير المحتمل أن تتّخذ تركيا الآن خطوة إلى الأمام وتقف في معارضة مباشرة لجميع زملائها الأعضاء في الحلف، على الرّغم من أنّها لن تكون المرّة الأولى.

ربما يسعى أردوغان، وهو المعروف بانتهازيّته، للاستفادة من موقفه لكسب تنازلات.

في تصريحاته، أشار إلى "حزب العمّال الكردستانيّ"، الذي يخوض تمرّدّاً في جنوب شرق تركيا منذ عقود، وتصنّفه الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، فضلاً عن تركيا، منظّمة إرهابيّة.

السويد تدعم الأكراد

تدعم السّويد بشكل عامّ مهاجريها الأكراد وتدعم حكومتها "قوّات سوريا الدّيمقراطيّة" المتحالفة مع الولايات المتّحدة، والتي تعدّها تركيا فرعاً عن "حزب العمّال الكردستانيّ".

في تشرين الثّاني (نوفمبر)، أقامت جاليات كرديّة في ثلاث مدن سويديّة فعّاليات بمناسبة مرور 43 عاماً على ولادة "حزب العمّال الكردستانيّ"، تمّ تنظيم التّجمّعات من قِبل الـ "كي سي كي"، وهي مجموعة تضامن كرديّة تلتزم بأيديولوجيا مؤسّس "حزب العمّال الكردستانيّ"، عبد الله أوجلان.

تدعم السّويد بشكل عامّ مهاجريها الأكراد وتدعم حكومتها "قوّات سوريا الدّيمقراطيّة" المتحالفة مع الولايات المتّحدة، والتي تعدّها تركيا فرعاً عن "حزب العمّال الكردستانيّ"

إنّ موقف السّويد الودّيّ نسبيّاً تجاه الانفصاليّين الأكراد هو، في جزء منه، محاولة لتعويض خطأ فادح سابق. بعد اغتيال رئيس الوزراء السّويدي، أولوف بالم، عام 1986، سُرعان ما ألقت السّلطات بالّلوم على "حزب العمّال الكردستانيّ"، وشرعت في مضايقة، واحتجاز، واضطهاد الجماعات الكرديّة داخل السّويد وخارجها.

شجّعت تركيا هذه الجهود بتسريبات شبه منتظمة تدعم نظريّة قيام الحزب بعمليّة الاغتيال، كما حدث عام 1998 عندما ألقى زعيمٌ أسيرٌ بـالحزبِ باللائمة على أوجلان بخصوص عمليّة القتل. وعام 2014، هدّدت السّويد بفرض غرامة على نادي كرة قدم كرديّ بسبب دعمه العلنيّ للأكراد السّوريّين.

لكن بمرور الأعوام، وجد المدّعون السّويديّون نظريّة "حزب العمّال الكردستانيّ" أقلّ ترجيحاً، وفي منتصف عام 2020، برّأوا الحزب بشكل أساسيّ من التّورّط في مقتل بالم وأشاروا إلى مصمّم غرافيك مُفرَد متوسّط ​​العمر باعتباره القاتل المحتمل.

بعد فترة وجيزة، زار وفد سويديّ رفيع المستوى قيادة "قوّات سوريا الدّيمقراطيّة" في شمال شرق سوريا، ممّا أثار استياء تركيا. ثمّ، في العام الماضي، أجرى وزير الدّفاع السّويديّ، بيتر هولتكفيست، مكالمة فيديو مع زعيم القوّات، مظلوم عبدي، وأعرب عن دعم بلاده طويل الأمد للتّنظيم الذي لعب دوراً رئيساً في هزيمة داعش، بالإضافة إلى ذلك، هناك خمسة أعضاء في مجلس النّواب السويديّ من أصل كرديّ.

أتباع بارزون لفتح الله غولن

من المعروف، أيضاً، أنّ السّويد تؤوي أتباعاً بارزين لفتح الله غولن، الذين تُلقي أنقرة باللائمة عليهم في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت عام 2016. و"مركز ستوكهولم للحرّيّة"، و"شبكة المراقبة البحثيّة الإسكندنافيّة"، منبران معروفان مقرّهما السّويد ويقدّمان في الغالب تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة في أنقرة، يديرهما من يُفترض أنهم من أتباع لغولن.

تشير تعليقات المتابعة التي أدلى بها كبير مستشاري الحكومة، إبراهيم كالين، في العطلة الأسبوعيّة، إلى أنّ أردوغان يقوم بالفعل ببعض الإلحاح والضّغط على أمل أن تُنهي السّويد دعمها الصّريح لخصومه، على الرّغم من أنّه قد يبحث، أيضاً، عن عرضٍ أكثر إغراءً. أحد الاحتمالات هو أنّ أنقرة تأمل في الحصول على تنازلات عسكريّة من الولايات المتّحدة، مثل إعادة الدّخول في عمليّة إنتاج طائرات "إف-35" المقاتلة، أو مبيعات "إف-16"، أو الحصول التزام ماليّ كبير من أوروبا.

متظاهرون أكراد في مظاهرة بستوكهولم في أكتوبر  (تشرين الأول) 2019

كما أوضحتُ من قبل، فإنّ تركيا غارقة في الغضب ضدّ اللاجئين هذا الرّبيع، حيث يُكافح ملايين الأتراك لوضع الطّعام على المائدة ودفع فواتيرهم.

إنّ الـ 6 مليارات يورو (6.25 مليار دولار) التي منحها الاتّحاد الأوروبيّ لأنقرة لرعاية 4 ملايين لاجئ سوريّ، كجزء من اتّفاق وقّع عام 2016، صُرفت الآن، وأوروبا أعربت عن استعدادها لدفع المزيد.

بدأت أنقرة في بناء مساكن لمليون سوريّ في المناطق التي تسيطر عليها تركيا عبر الحدود، لكنّ أردوغان تعهّد، الأسبوع الماضي، بأنّه لن يعيد اللاجئين قسراً إلى وطنهم.

أوقفت روسيا صادرات الكهرباء إلى فنلندا، التي تشترك معها في حدود طولها 1,400 كيلومتراً تقريباً، وحذّرت من ردّ "عسكريّ تقنيّ" سيأتي لاحقاً

يشير هذا إلى أنّه على الرّغم من الأرضيّة التي اكتسبتها المعارضة في الأشهر الأخيرة من خلال تعهّدها بإعادة اللاجئين إلى الوطن؛ فإنّ حزب العدالة والتّنمية الحاكم قد يواصل التزامه بسياسة الباب المفتوح، سياسة "بطل المسلمين المكلومين في كلّ مكان" مع بدء الحملات الانتخابيّة.

من المرجّح أن ينجح هذا الموقف بشكل أفضل مع النّاخبين الأتراك إذا سلّم الاتّحاد الأوروبيّ أنقرة، مثلاً، 8 مليارات دولار في شكل تمويل للاجئين، مقابل قبول تركيا دخول السّويد وفنلندا "الدّاعمتين للإرهاب" في "حلف شمال الأطلسيّ"؛ إنّ ذلك غير المحتمل، ربما، لكنّه يقع في نطاق الإمكانيّة.

ومع ذلك، قد يكون السّؤال الحقيقيّ؛ هو ما إذا كانت موسكو ستسمح بحدوث ذلك، مدفوعة بالمصّلحة الذّاتيّة والحفاظ على الذّات؟ سارت تركيا بذكاء على حبل جيوسياسيّ مشدّود لأعوام، لكنّ اللحظة التي ستُجبَر فيها أخيراً على اختيار جانب قد تكون قريبة.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

ديفيد ليبيسكا، "ذي ناشونال"، 16 أيار (مايو) 2022

مواضيع ذات صلة:

فنلندا والسويد تقدمان رسمياً طلب الانضمام إلى الناتو.. وهذا رد أردوغان

ما الذي يريده أردوغان حقّاً من الناتو؟

أردوغان يلاحق الأكراد حتى في قبورهم... ما القصة؟

الصفحة الرئيسية