لماذا يتكاثر المشعوذون الجدد في حياتنا العامة؟

لماذا يتكاثر المشعوذون الجدد في حياتنا العامة؟

مشاهدة

18/10/2021

رغم كل ما تبوء به (الشغوذة) من سمعة سيئة، إلا أنّها تمتعت على أرض الواقع بسطوة استثنائية تجاوزت في بعض الأحيان سطوة الدين والعلم والأخلاق. وإذا كانت (الشعوذة) قد تداخلت قديماً مع (الكهانة) ومثلت مرجعية لا ترد في حياة الشعوب، إلى درجة أنها رسمت أقدار حضارات وفاتحين وجيوش، فإنّ كل الثورات الرقمية الراهنة، لم تحل دون تواصل هذه السطوة  التي لم يدخر أصحابها وممثلوها وسعًا، لإعادة إنتاجها بمسمّيات جديدة براقة.

اقرأ أيضاً: كيف تمكّن جورج أورويل من التنبؤ بكل ما حدث؟

على الصعيد السياسي، يمكننا الزعم مثلاً بأنّ عدداً غير قليل من أتباع الأيديولوجيات الشمولية، المثالية والمادية على حد سواء، مازالوا يبشّرون بالمدينة الفاضلة التي يعمّها الأمن والأمان ويتساوى فيها الجميع بعيداً عن أي شكل من أشكال الحكومات أو السلطات، ولا ينفكّون أيضاً عن التنبؤ بانهيار الأنظمة الاستغلالية جراء تفاقم تناقضاتها الداخلية. ولعل أبرز ما يجمع بين أتباع هذه الأيديولوجيات، يتمثل في صعود نجم الشعبوية التي رأى وسمع ولمس الناس آثارها الوخيمة خلال السنوات التي جثم فيها ترامب على صدر العالم، ولولا التحالفات المدنية والديمقراطية الواسعة التي قامت في الولايات المتحدة الأمريكية لدحره، لوجدنا أنفسنا أمام نسخة جديدة من أدولف هتلر!

 

وجه الاستنكار والتحفّظ على ما يغرق حياتنا العربية من فيديوهات ومحاضرات وكتب أدعياء التنمية البشرية، يتمثل في أنّ كثيراً منهم يعتمدون على الترويج الدعائي لأنفسهم من خلال المعجبين واليائسين

 

وعلى الصعيد العلمي، لا يسعنا التغافل عما تتناقله وكالات الأنباء العالمية وينشره العديد من المواقع والصحف والمجلات المرموقة، من أنباء عن الثقوب السوداء والمجرّات العملاقة والنيازك التي أبادت الديناصورات قبل ملايين السنين. كما لا يسعنا التغافل عن حقيقة أنّ هذه الأخبار تحظى بمتابعة ملايين القراء المهووسين بمطاردة أدق التفاصيل عن الموعد المتوقع لانطفاء الشمس واندثار الحياة على كوكب الأرض. ورغم أنّ هذه الأخبار لا تخلو من حقائق وجهود علمية واقعية، لكنّها غذّت على نحو غير مباشر خيال المبشّرين بنهاية الكون أو نهاية العالم، وأفرزت ما لا يُعد ولا يُحصى من الجماعات  التي يتمازج في طروحاتها الواقع بالخيال والحقيقة بالأسطورة، كما غذّت أيضاً قريحة العديد من كتّاب المستقبل ومنتجي أفلام الخيال العلمي التي راحت تتصدّر الآن صناعة السينما، وخاصة منذ أن اطلّت جائحة الكورونا التي استدعت بدورها ما لا يُعد ولا يحصى من السيناريوهات الخرافية والعقاقير السحرية، التي أعادت البشرية الى الوراء مئات السنين، على صعيد الطب والصيدلة.

اقرأ أيضاً: لماذا يعرض الشباب العربي عن الفلسفة؟

وأما على صعيد ما يُدعى ( التنمية البشرية) فحدّثوا ولا حرج؛ لأنّ الفضاء الإعلامي فضلاً عن الفضاء الافتراضي وقبل ذلك الفضاء المطبوع، عجّ بما لا يُعد ولا يُحصى من خبراء السعادة والتفكير الإيجابي ومقاومة الإحباط والاكتئاب وكشف أسرار الإنجاز. وهم جميعاً عالة على كتاب (دع القلق وابدأ الحياة) لكارنيجي. ولا يسع المتابع أو المراقب إلا أن يرفع حاجبية دهشة واستنكاراً لما آل إليه هذا الكتاب، على يدي عشرات المؤلفين العرب الذين وجّهوه وجهات مختلفة، تبعاً لمشاربهم ومآربهم الفكرية والحياتية. فالأصل في كتاب كارنيجي- الذي تعرّض ومازال يتعرض للعديد من الترجمات الرديئة والقرصنات الطباعية- أنه واقعي وملهم جداً لأنه يسرد على نحو جذاب، عدداً من قصص النجاح لعدد من الأشخاص العصاميين الذين لم يستسلموا لظروفهم النفسية أو الصحية أو المادية القاسية، وامتلكوا الإرادة والتصميم الكافيين لتجاوز محنهم. ولا ريب في أنّ الكتاب ينطوي على طاقة إيجابية ملموسة، وكان له دور حقيقي في إكساب ملايين الناس مهارات واستراتيجيات تفكير بنّاءة.

اقرأ أيضاً: ما الفرق بين التّناص والتوظيف؟

وجه الاستنكار والتحفّظ على ما يغرق حياتنا العربية من فيديوهات ومحاضرات وكتب أدعياء التنمية البشرية، يتمثل في أنّ كثيراً منهم يعتمدون على الترويج الدعائي لأنفسهم من خلال المعجبين واليائسين، ودون الاستناد إلى أي مرجعية فكرية أو أكاديمية أو علمية يمكن الوثوق بها. ولو جرّبنا إخضاع كثير من تسجيلاتهم ومحاضراتهم وكتبهم لتحليل مضمون حقيقي، فلن نخرج إلا بنتيجة واحدة مفادها: كلام وردي غير قابل للقياس أو مزيج من النصائح والتحذيرات والتوقّعات التي يصاحبها غير قليل من حركات الجسد وطبقات الصوت المؤثرة، والتي يمكن أن تصيب الهدف أحيانًا وفقاً لقانون الاحتمالات؛ فعلم النفس كان وما زال وسيظل مبنياً على سطوة الإيحاء بالكلمات.

 

غياب التثقيف السياسي الشفّاف، وتقوقع المؤسسات العلمية على ذاتها، أحدث فراغًا كبيرًا في حياة الناس بوجه عام وفي حياة الشباب بوجه خاص، فصاروا نهبًا للعديد من أشكال الشعوذة الجديدة

 

وأما بخصوص ما تكتظ به أشرطة كثير من الفضائيات العربية، من ترويج لخبراء جلب الحبيب وعلاج الضعف الجنسي والإبراء من أمراض السكري والضغط والعمود الفقري وحتى السرطان، فهذه مسؤولية وزارات الصحة والرقابات الدوائية والهيئات الإعلامية التي تتساهل حد التقصير، على صعيد ضبط وتقنين كل ما له علاقة بما صار يدعى (الطب البديل).

اقرأ أيضاً: هل انقضت الحاجة إلى الأمثال في الثقافة العربية؟

وعلى ذكر المسؤولية - والشيء بالشيء يذكر- فإننا لا نبالغ إذا قلنا: إنّ غياب التثقيف السياسي الشفّاف، وتقوقع المؤسسات العلمية على ذاتها، فضلاً عن تواري المؤسسات الشبابية، وإغضاء المؤسسات الصحية، قد أحدث فراغًا كبيرًا في حياة الناس بوجه عام وفي حياة الشباب بوجه خاص، فصاروا نهبًا للعديد من أشكال الشعوذة الجديدة، التي لم يدخر أصحابها ونجومها ومروجوها جهداً لملء الفراغ الموجود بما هبّ ودبّ من الألعاب الكلامية والذهنية والنفسية.



الصفحة الرئيسية