ما الذي يحكم علاقة الكنيسة بالدولة المصرية؟

ما الذي يحكم علاقة الكنيسة بالدولة المصرية؟

مشاهدة

17/05/2021

"الكنيسة المصرية... توازنات الدين والدولة" هو عنوان كتاب لهاني لبيب صادر عن دار نهضة مصر للنشر، ويتناول العلاقة الشائكة والملتبسة بين الكنيسة المصرية والدولة منذ ثورة 1952، وحتى ثورة 25 يناير وأحداث ماسبيرو.

ويمثل هذا الكتاب، الذي صدر العام 2012، في 527 صفحة من القطع الكبير، استكمالاً لمشروع فكري بدأه الكاتب قبل سنوات بكتاب "أزمة الحماية الدينية... الدين والدولة في مصر"، ثم بكتاب آخر حصل على جائزة الدولة التشجيعية بعنوان "المواطَنة والعولمة... الأقباط في مجتمع متغير"، وصولاً إلى هذا الكتاب الذي يتناول تفاصيل العلاقة بين الكنيسة كواحدة من أهم مؤسسات المجتمع المصري، وبين الدولة المصرية التي تقع الكنيسة تحت مظلتها الوطنية والسياسية.

الكتاب مدعّم بالعديد من الشهادات والملاحق ذات الدلالة حول علاقة الكنيسة بالدولة المصرية

يقول الكاتب في مقدمة كتابه "دعاني لكتابة هذه الكلمات.. ما يثار حالياً في بعض وسائل الإعلام لمحاولة تكريس وجود أزمة داخل الكنيسة حول مستقبلها.. وهي محاولات افتعال أزمات ليس لغالبيتها العظمى وجود على أرض الواقع... إنّ الحديث عن مستقبل الكنيسة في مصر الآن.. يرتبط بشكل مباشر وأساسي بمواصفات شخصية البابا القادم للكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهو أمر لا حرج منه طالما يتم مناقشته في إطار من الموضوعية".

غلاف الكتاب

وتابع "على الرغم من أنّ البابا شنودة الثالث قد رفض في السنوات الأخيرة تعديل لائحة انتخاب البطريرك لكي لا يكون قد وجه الانتخاب لشخص محدد، فإنّه قد صرح أنها ستكون من اختصاص من يأتي بعده. غير أنّ هذا لا ينفي أنّ البابا القادم سيجد نفسه في مقارنة مستمرة وشديدة بينه وبين البابا شنودة الثالث من كافة المواطنين المسيحيين المصريين قبل غيرهم.. ليس تشكيكاً في قدراته ومهاراته أو الاستهانة به.. بقدر ما هو تأثير الصورة التي رسخها أداء البابا شنودة مصرياً وعربياً ودولياً."

الكتاب قسمه المؤلف إلى 6 أقسام، وكل قسم يتضمن مجموعة من الفصول، ثم ختمه بمجموعة من الشهادات، وبعد كل قسم وشهادة المراجع والمصادر التي رجع إليها.

شائعات علاقة الكنيسة بالدولة في عهد ناصر والسادات ومبارك روجها تيار الإسلام السياسي

يتضمن الكتاب مناقشة للعديد من القضايا الخلافية السياسية: جماعات الضغط السياسي، العلمانيون المسيحيون المصريون والقضايا الجدلية المسيحية – المسيحية، القضايا الجدلية الطائفية (على غرار بناء الكنائس وحرية العقيدة)، فضلاً عن العلاقة الملتبسة بين التيارات الإسلامية والمواطنين المسيحيين المصريين. ثم انتهت برؤية حول بعض القضايا المستقبلية: المشاركة السياسية للمواطنين المسيحيين المصريين، وقضية البابا المقبل.

كما أنّ الكتاب مدعّم بالعديد من الشهادات والملاحق ذات الدلالة حول علاقة الكنيسة بالدولة. بالإضافة إلى العديد من الوثائق التي ينشر الكثير منها للمرة الأولى.

اقرأ أيضاً: مَن يدفع إثيوبيا إلى صراع دينيّ بين المسلمين والمسيحيين؟

وفي نبذة للناشر عن الكتاب يقول "لكل من يتحدث عن علاقة الكنيسة المصرية بالدولة المصرية من منظور واحد فقط دون مراعاة الأبعاد الأخرى، أو لكل من يتجاهل حدوث أزمات وتوترات طائفية، متمسكاً بفكرة (تبويس اللحى) بين القسيس والشيخ، وذلك من خلال رصد شامل لعلاقة باباوت الكنيسة المصرية برؤساء الجمهورية منذ 1952 وإلى الآن، وفي هذا السياق يطرح الكتاب العديد من الأسئلة على غرار: هل حقاً تم اغتيال الرئيس أنور السادات لأنه حدد إقامة البابا شنودة الثالث في الدير؟، وما حقيقة معجزات البابا كيرلس السادس وكراماته مع الرئيس جمال عبد الناصر؟، هل حقاً أصبحت الكنيسة المصرية دولة داخل دولة؟، ولماذا تقوقع المواطنون المسيحيون المصريون داخل أسوار الكنيسة؟

اقرأ أيضاً: هل تضطهد تركيا لاجئين مسيحيين من سوريا والعراق؟

أسئلة جدلية شائكة يتعرض لها الكتاب بالرصد التاريخي والتحليل للأسباب التي أدت إلى وصول علاقة الكنيسة بالدولة لما هي عليه الآن. فيما يتناول توازنات العلاقة بين الكنيسة والدولة خلال عصر الجمهورية الأولى منذ ثورة يوليو 1952 وإلى 25 يناير 2011، وما تلا ذلك من توترات طائفية بغيضة. إنها تلك العلاقة التي تأرجحت بين التكامل في وجهات النظر تارة، والتأزم والصدام تارة أخرى... ويحتوي الكتاب على العديد من الوثائق النادرة التي يتم نشرها للمرة الأولى، وهي الوثائق التي صاغت شكل العلاقة بين الكنيسة والدولة خلال ما يقرب من 60 عاماً.

البابا كيرلس السادس والرئيس جمال عبد الناصر

كما يتضمن الكتاب خريطة للتيارات الفكرية للمواطنين المسيحيين المصريين سواء النخبة الفكرية المثقفة أو من رجال الدين المسيحي لتوضيح الاختلاف فيما بين تلك التيارات وتوجهاتها العامة.

وتسير أفكار الكتاب في اتجاه بداية التفكير في نقد الذات، سواء في المؤسسة الدينية (المسيحية والإسلامية) أو الدولة المصرية، في شكل مراجعة للأفكار والتوجهات والمواقف، وذلك في إطار الاهتمام بالعلاقات بين المصريين (المسيحيين والمسلمين)، ورصد وتقييم العلاقة بين الكنيسة والدولة بوجه عام، اعتماداً على خبرات العمل الفكري والسياسي العام.

الكنيسة والدولة

إذا بدأنا بالقسم الأول الذي بدأ من الصفحة 13 فسنجده تحت عنوان بـ"القديس والزعيم" وتحدث في بعد تاريخي عن الصراع داخل الكنيسة، وعن وفاة الأنبا مكاريوس، ثم تطرق لحادثة خطف الأنبا "يوساب"، ونشأة جماعة الأمة القبطية، ودعوتها لإحياء القومية القبطية، ثم المرحلة الناصرية، وعلاقة التوتر بينه وبين عبدالناصر ثم تحولها لعلاقة حميمية انتهت ببناء كاتدرائية كبيرة ساهمت الدولة فيها بنصف مليون جنيه.

وأشار الكاتب في هذا الفصل إلى الراهب الجاسوس أرمانيوس الذي أرسل رسالة لبن جوريون ومَهَرَها بالأنبا كيرلس.

مع بداية عصر السادات تم اختزال المواطنين المسيحيين في الكنيسة وشخص البابا

لكن الأهم في الفصل هو تداعيات المرحلة الناصرية على الأقباط، فيرى الكاتب أنها مرحلة تأسيس للدولة الدينية، بدأت بتحويل الأزهر لجامعة، ثم إنشاء مدينة البعوث، وترسيخ تعيين المسيحيين في مجلس الشعب، وعدم توليهم لوزارات، وإضافة خانة الديانة في البطاقة.

وفي الفصل الثاني "الزعيم والفرعون" أشار الكاتب للعلاقة المتوترة بين الأنبا شنودة والسادات، ووصول تقارير عن نشاط الكنيسة للرئيس المصري، ثم نشأة قانون الوحدة الوطنية، وحادث الخانكة الطائفي، والتقرير الذي صدر بعده حول أسباب الطائفية ومنها عدم وجود قانون لبناء الكنائس، ثم نشأة دولة أسيوط والجماعات الإسلامية، وبدء المناخ الطائفي.

في نهاية الفصل استدل الكاتب بشهادة موسى صبري في كتابه "السادات.. الحقيقة والأسطورة"، ود.غالي شكري في "الثورة المضادة في مصر" حيث توصلتا إلى أنّ أزمة الكنيسة والدولة ترجع للسادات والأنبا شنودة معاً.

الرئيس السادات والبابا شنودة

وفي الفصل الثالث "البابا والرئيس" الذي بدأ من الصفحة 43، تحدث الكاتب عن مبادرات العودة للدولة من قبل الأنبا شنودة في عهد مبارك، ثم تطور العلاقة التي أدت إلى نشوء مصطلح الكنيسة والدولة، وليس علاقة البابا والرئيس، وقال في ص48 "اتسمت الفترة بارتباطها بشخص الرئيس مبارك نفسه.. من خلال ردود الأفعال المتأنية وغير المتسرعة أو الانفعالية، وعدم اللجوء لنام الصدمات الكهربائية".

وأكد الكاتب في الفصل الرابع من القسم الأول وبعد سرده للشائعات التي وردت عن الكنيسة وعلاقتها بالدولة في عهد الرؤساء المصريين الثلاثة، أنّ تيار الإسلام السياسي كان له دور في في ترويجها.

اقرأ أيضاً: مَن الأشد تهديداً لأمريكا: المتطرفون المسيحيّون أم داعش؟

ويدعم الكاتب رؤيته بالعديد من الشهادات والملاحق ذات الدلالة، بالإضافة إلى العديد من الوثائق المهمة التي ينشر الكثير منها للمرة الأولى، حيث تطرق إلى الروايات التي تتردد حول أن البابا كيرلس عمل معجزة مع الرئيس عبد الناصر، وأيضاً الرواية التي تقول عن شفاء البابا كيرلس لابن أو ابنة عبد الناصر، مشيراً إلى أنه التقى الأنبا غريغوريوس، أسقف البحث العلمي، وحكى له كيف بدأت العلاقة بين البابا كيرلس وعبد الناصر، من خلال مقابلة الإمبراطور هيلاسلاسي للبابا كيرلس وانحنائه له، وهو ما جعل "عبد الناصر" يدرك قيمة البابا ودور الكنيسة المصرية في علاقة الدولة بأثيوبيا.

اقرأ أيضاً: مسيحيو لبنان يفتحون النار على حزب الله... تفاصيل

وجاءت فترة الرئيس السادات وحدث الصدام بينه وبين البابا شنودة وحدد إقامته في الدير، وتميزت هذه الفترة بكونها علاقة شخصية بين البابا والرئيس وليست علاقة بين الكنيسة والدولة، فعندما تتوتر العلاقة بين الرئيس والبابا تتوتر العلاقة بين الدولة والأقباط في مصر، مع بداية عصر السادات تم اختزال المواطنين المسيحيين في الكنيسة، وتم حصر المسيحيين في شخص البابا، وبالتالي فأي مسيحي مصري يواجه مشكلة أصبحت لديهم قناعة أنّ مشاكلهم لن تحل إلا عن طريق الكنيسة وهو ما أدى إلى قوقعتهم.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد

وأشار لبيب إلى أنه في عهد الرئيس مبارك، تحول الملف القبطي إلى شكل مؤسسي ولكن تديره مباحث أمن الدولة، وليس ملفاً وطنياً أو سياسياً للتعايش المشترك، وشدّد على أنّ مشاكل المسيحيين بعد الثورة مازالت تحل بوصفهم رعايا وليسوا مواطنين، ومازالت تحل المشاكل بجلسات "التهريج العرفي" وفق قوله، مشيراً إلى أنه لو ثبت اتهام أي رجل دين في التوترات الطائفية وتمت معاقبته لما كانت تطورت الأمور.

في عهد مبارك تحول الملف القبطي إلى شكل مؤسسي ولكن تديره مباحث أمن الدولة

وأكد لبيب الحاجة الماسة إلى دولة قانون ناجز وعادل يطبق على الجميع وتوعية على المدى الطويل.

وختم الكاتب القسم بشهادات عن مرحلة الرؤساء الثلاثة صدرت عن فئة من المفكرين كميلاد حنا، توصلت أنّ الدولة والكنيسة تقع عليهما مسؤولية الأحداث، ما جعلهما يتجهان بعد ذلك لسياسة الاحتواء والتوازن.

قضايا خلافية وسياسية

وعن جماعات الضغط السياسي تحدث الكاتب في فصله الأول من القسم الثاني الذي عنون بـ"قضايا خلافية وسياسية"، مضمناً حديثه بتعريف لهم، وكيفية تشكيلهم، وسنوات الظهور لهم، ثم درس عدة حالات من المهجر ومنها مجدي خليل، وموريس صادق، ثم تطرق لنموذج إعلان شيكاغو، ليتطرق بعده إلى الفصل الثاني ليتطرق إلى البابا الرمز.. وهل هو لمؤسسة سياسية أم دينية؟

هناك شعور عام بعد رفض الكنيسة لأحكام القضاء بشأن الأحوال الشخصية أنّها فوق القانون

وأكد الكاتب في ص93 أنّ البابا شنودة هو "بطل صنع الكنيسة ولم تصنعه"، مشيراً إلى عملية تقزيم الدولة من قبل جماعات الإسلام السياسي، وقال "الطرح الذي يقول بأنّ الكنيسة تقف بشدة ضد نشأة الأحزاب المسيحية لتصادر ما عسى أن يظهر من معارضة مسيحية لها بين الأقباط في صورة حزب سياسي، هو طرح بعيد عن الواقع العملي".

وأشار إلى ترويج استقواء الكنيسة بالخارج ودور الإعلام في ذلك، لكنه عاد ليؤكد أنّ هناك استقواء افتراضياً بسبب وجود علاقة متأزمة بين الدولة والكنيسة، وقال "أعتقد أنّ ذلك بسبب الشيوع التدريجي للتدين الشكلي في المجتمع المصري، ولجوء العديد من الأقباط إلى الهجرة".

الفصل الثالث تحدث عن العلاقة المتوترة بين العلمانيين والكنيسة، والدور المفقود، مؤكداً أنّ علاقة العلمانيين بالكنيسة تتميز بتباينات واختلافات من ناحية رغبتهم في تطوير العمل الكنسي، ولكنه أشار إلى عدم امتلاكهم مشروعاً متكاملاً لما يرغبون فيه، ودعا لأن يتغير اسم المجلس المِلِّي، لما يكرسه من مفهوم الملة والطائفية.

قضايا جدلية مسيحية – مسيحية

تعتبر قضية العلاقات بين الطوائف المسيحية من أكثر القضايا الجدلية التي ستحدد مستقبل الكنيسة، وهي ما تحدث عنه هاني لبيب من الصفحة 120 إلى 174، وعدّد مجموعة من القضايا المختلف فيها، مثل زيارة القدس، وقضية المسيحي الحقيقي، والغزو الإنجيلي، ثم الولاء والانتماء الكاثوليكي والإنجيلي، وأخيراً نظرة التميز بين الطوائف.

اقرأ أيضاً: كيف يعيش المسيحيون في إيران؟

وتوصل إلى عدد من الدلالات منها أنّ كل الطوائف وطنية، يجب على الأرثوذكس أن يقوموا بالتنسيق مع الباقين، لابد من إنهاء علاقات التهميش بين الطوائف.

وفي الفصل الثاني تحدث عن الأحوال الشخصية، والقوانين التي صدرت بهذا الشأن من الكنيسة، وتساءل هل هي مشكلة الكنيسة أم الدولة؟ مؤكداً أن هناك فجوة في اللوائح، وفجوة في القضاء الرسمي للدولة ولوائح الكنيسة، ودعا أن أيكون هناك اجتهاد لاهوتي جديد لهذه المسألة.

وعاد للقول أنّ هناك شعوراً عاماً بعد رفض الكنيسة لأحكام القضاء بأنها فوق القانون، ووضع سيناريوهات الحل التي تلخصت جميعها في إصدار قانون مدني موحد، للمسلمين والمسيحيين.

تحدث الكاتب في الفصل الثالث عن المنشقين عن الكنيسة، وأكد أنهم مثل الأعراض الصينية، وهم ظاهرة صنعها الإعلام. وأعطى نماذج موجزة للمنشقين ومنهم عماد نزيه، وأندروا عزيز، ودانياتل البراموسي، وأغاثون السياحي.

اقرأ أيضاً: كيف استأصلت تركيا أقلياتها المسيحية؟

وفصّل لبيب في نموذجي ماكس ميشيل، وحنين عبد المسيح، مشيراً إلى كافة الظواهر والنماذج استغلت عدم تسجيل الزي الكهنوتي بشكل رسمي من قبل الدولة، وأنها اخترقت المجتمع بشكل غير رسمي عن طريق الفضائيات والإنترنت.

وختم لبيب قسمه الثاني بحديثه عن الميديا ودورها في تأجيج العنف الطائفي، والفضائيات المسيحية التي بلغت 11 فضائية قائلاً "السجال الإعلامي تحول بسبب صبغته الطائفية إلى واحدة من أهم أدوات تفجير العلاقات بين أبناء الوطن" ودلّل على ذلك بأحداث ماسبيرو التي خرجت فيها المعالجة الإعلامية عن المألوف.

قضايا جدلية طائفية

واجه الكتاب العلاقة بين الكنيسة والدولة من خلال النقد الحقيقي للمجتمع: الذي أصبح أمراً محظوراً وغير مباح، لأنه يتحول في الكثير من الأحيان إلى نقد شخصي ومهاترات، فالنقد المباح هو النقد الذي لا يوجه إلا في العموميات، والحذر كل الحذر من النقد الموضوعي البناء، لأنّ هذا من شأنه أن يضع من يقوم بالنقد تحت طائلة القانون بتهمة السب والقذف، بعد أن تحول المعتدلون من كل الاتجاهات الفكرية والسياسية والدينية في مصر إلى أقلية، لدرجة إعلان البعض في الطرف المسيحي المصري "الاستشهاد" في مقابل إعلان البعض الآخر في الطرف المسلم المصري "الجهاد".

وطالب لبيب في الفصل الأول من القسم الرابع، تحت عنوان "العنف الطائفي أزمات وتوترات" بمعالجة قضايا الأزمات والتوترات الطائفية كملف سياسي ووطني بالدرجة الأولى، وليس كملف أمني بأي حال من الأحوال، ويدرجه ضمن أولويات الجمهورية المصرية الثانية بعد 25 كانون الثاني (يناير) 2011. لأنّ المعالجة الأمنية في نظر الكاتب، كانت السبب في تصاعد العديد من المشكلات بشكل تجاوز المشكلة الأساسية إلى أطراف اجتماعية أخرى، ما جعل المجتمع المصري بكامله يتحمل التداعيات.

ويعالج لبيب، في كتابه، قضية محورية، وهي بناء الكنائس، وصناعة القرار المتعلق بالتوترات الطائفية، موضحاً أنه أمر شائك جداً، لما يراعيه من أبعاد كثيرة متشابكة ومتداخلة ومتباينة، وربما يكون أبسطها هو الحل الأمني السريع

اقرأ أيضاً: هذه آخر ممارسات الصين القمعية بحق المسلمين والمسيحيين

وحول المادة المثيرة للجدل لدى المسيحيين، وهي مبادئ الشريعة، وعلاقتها بحرية العقيدة، وضمن الصفحات 200، و201، و202 جدولاً للمادة من خلال الدساتير المصرية، وأكد لبيب أنّ جماعة الإخوان والسلفيين في مصر استطاعوا أن يستقطبوا مسيحيين للحديث عن المادة الثانية من الدستور. وأشار إلى نماذج من السجالات حولها، ثم قانون تغيير الديانة، ومقترحات تعديل المادة، ثم وثيقة إعلان المبادئ.

التيارات الإسلامية والأقباط

يلفت هاني لبيب في كتابه إلى أنّ ملف العلاقات المسيحية ــ الإسلامية، كان في الكثير من الأحوال مجرد ملف أمني في مصر، ولكنه يشدد على أنّ الحلين "الأمني والديني"، يبقيان أبعد الحلول ملاءمة، فالأول "الأمني" يعيد السيطرة على اللحظة (فيقي ويعفي) المجتمع من المصادمات؛ غير أنه يبقى حلاً مؤقتاً، إذ معه وفي ظله طالما ظلت أسباب الأزمة وجذورها كما هي دون حل أو تحليل، ذلك لأنه غير معني بالمستقبل البعيد بقدر حرصه على استقرار الأحوال في لحظتها. وأما الثاني (الديني)، فيظل حلاً محفوفاً بالمخاطر، لأنه يملك حلولاً عملية، بل قد يسعى إلى تأكيد التمايز، بما يقدمه من تبريرات تعزف على أوتار القيم، والنصوص الدينية أحياناً.

الأمية الدينية مشكلة لا يعاني منها المصريون من مسيحيين ومسلمين فحسب بل والعديد من رجال الدين لدى الجانبين

ويدرج الكتاب جملة وقائع وإشارات شهدتها الفترة الأخيرة، من خلال (خبرة) التعامل مع التوترات الطائفية، وخصوصاً طيلة الـ25 عاماً الأخيرة بوجه خاص، ويرى أنّها تؤكد على أهمية أن يكون الحل دائماً قائماً على حلول وطنية.. وهي صمام الأمان الأساسي ضد الطائفية البغيضة. فالتوترات والأزمات الطائفية في العلاقات المسيحية ــ الإسلامية، حسب المؤلف، تحتاج إلى رؤية وطنية تهتم بالحفاظ على مستقبل هذه العلاقات في ظل كل ما يدور حولنا داخلياً وخارجياً.

ويتطرق الكتاب بوضوح، إلى نقطة مهمة، تتمثل في أنّ المشكلة الأساسية لكل هذه النوعية من الأزمات هي الأمية الدينية التي لا يعاني منها المصريون (من مسيحيين ومسلمين) فحسب، بل العديد من رجال الدين من الجانبين أيضاً.

ويخلص لبيب إلى حقيقة واعتبارات مفصلية في هذا السياق، جوهرها أنه يمكن الاستغناء عن كل ما سبق، من خلال صياغة دستور مدني ليبرالي مصري جديد، وذلك على اعتبار أنّ التسامح الحقيقي هو أساس صناعة القرار المتعلق بالتوترات الطائفية، وهو ما يعني أن يلتزم الجميع السماح لبعضهم بممارسة مختلف أنواع عباداتهم الدينية، باعتبارها حقاً خالصاً لهم.. وليس تفضلاً عليهم من أحد. وأما خارج هذا الإطار.. فينبغي أن يسود بين الجميع، العدل ومجموعة القيم المرتبطة بالتسامح.

اقرأ أيضاً: لماذا يعتنق مغاربة أمازيغ المسيحية؟

ويتحدث بتفصيل عن خريطة الأحزاب والجماعات الإسلامية وكان أهمها الإخوان المسلمون، والحوار بينهم وبين المسيحيين، ولاحظ لبيب استخدام الجماعة طريقة المسكنات مع كل الطوائف ومنها الأقباط، واستخدامهم لشعار "الإسلام هو الحل" كشيء جذاب، واتباع الجماعة للحوار مع الأقباط لاستقطاب بعض الأفراد.

وتضمن الفصل الثالث "التيارات الإسلامية والأقباط.. علاقات متشابكة" نماذج كدراسة حالة من الشخصيات الإسلامية ومنها د.محمد عمارة، وعن "تطرفه الفكري" في قضية د.حامد أبو زيد، ونوال السعداوي، ثم تحدث عن محمد مهدي عاكف، وأبو إسلام أحمد عبد الله، ثم العلاقات المتشابكة مع بعض الشخصيات القبطية ليخلص وفق قوله إلى "أن هناك فرق بين إصلاح الكنيسة وتطويرها، وبين التخريب الطائفي".

قضايا مستقبلية

الفصل الأول في القسم السادس تحدث فيه لبيب عن المشاركة السياسية للأقباط، وقال إنّ المستقبل مرهون بمحاربة الأمية الدينية، وذلك بعد أن غابت هيبة الدولة في كثير من المواقف والأزمات، بل إنها في بعض الأحيان تغاضت عن أخطاء كثيرة وغابت في أوقات أخرى.

الخلافات الصغيرة يمكن أن تكبر حين يغيب الحسم

 وأكد أنّ الخلافات الصغيرة يمكن أن تكبر حين يغيب الحسم.. والتجاوزات الصغيرة يمكن أن تصبح أزمات أكبر بالتهاون والإهمال.. ولهذا ينبغي أن تكون الدولة المصرية أكثر حسماً في مواجهة هذه القضايا. يضاف إلى ذلك أنّ الدولة في معظم الأحيان تلجأ إلى حلول أمنية في قضايا هي أقرب للفكر، وكان ينبغي أن يكون الحوار - وليس الأمن - هو وسيلة الإقناع والاقتناع.

اقرأ أيضاً: البطريرك بنيامين الأول عبود: المسيحيون في العراق كيان مُهمّش

وفي هذا الصدد، طرح الكاتب العديد من الخطوات لبناء الثقة بين المواطنين المسيحيين المصريين وبين وطنهم مصر، وذلك على غرار، قانون بناء دور العبادة "المسيحية والإسلامية"، ومنع التمييز، وحرية العقيدة "تغيير الدين"، وقانون الأحوال الشخصية الموحد للطوائف المسيحية، وتطوير التعليم، وضبط الأداء الإعلامي.

ورأى أنّ الموضوعية تحولت إلى الكلام في العموميات، وأنّ (الذاتية) - أو تحديداً الاعتراف بالذاتية - من أقصى درجات الموضوعية، وذلك مع الأخذ في الحسبان أنّ الكلام السابق يقتصر على أصحاب الرأي الحقيقيين ممن لديهم القدرة على إنتاج أفكار جديدة، أي تلك النخبة التي تقوم بصناعة الأفكار، لا متخذو القرارات المبنية على تطبيق تلك الأفكار، فالفئة الأولى تهتم بمضمون الأفكار، والثانية بتطبيقها.

اقرأ أيضاً: المسيحيون في المشرق.. هل يمكن الحديث عن تمييز واضطهاد؟

وبالتبعية، يستبعد منهم من ينقل الأفكار لينسبها إلى نفسه بعد تعديل المقدمات والصياغات، ويستبعد أيضاً من يترجم أفكاراً ويقتبسها من دون أن يذكر ذلك، بعد أن تحولت (السرقة) إلى اقتباس، والنقل إلى ترجمة مشوهة.

وفي نهاية الفصل تحدث عن الظواهر التي أسهمت في عزلة الأقباط السياسية، ومنها انتشار حالة المزاج الديني، ووجود مصادر للاحتكاك الطائفي، والاعتداءات المتكررة على المسيحيين حتى بعد الثورة، وتراجع منظومة المواطنة في الوعي الجماعي، وعدم اهتمام الأحزاب السياسية بمشكلات المسيحيين.

وعن البابا القادم تحدث لبيب في الفصل الثاني الذي بدأ ص305، وأوضح مواصفات البابا القادم الخاصة، والعامة، من واقع الدور المنوط القيام به في ظل زخم الميراث التاريخي الهام والضخم للبابا الراحل شنودة الثالث، وذلك على النحو التالي:

أولاً المواصفات الخاصة: أهمية أن يكون البابا القادم من الشخصيات المعروفة ليس في الداخل فقط، بل وفي الخارج أيضاً.. خاصة بين المهاجرين المسيحيين المصريين.. ليكون بمثابة نقطة الالتقاء التي تجمع كافة الأطراف.

اقرأ أيضاً: المسيحيون في المشرق.. ما أبرز التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟

ولكي لا يبدأ عهده بتحفظات وافتراضات تحكمها عدم المعرفة به، وهو ما حدث مع البابا الراحل نفسه حيث كان ضمن عدد من الشخصيات الشهيرة بجوار البابا الراحل كيرلس السادس.. فكان هناك الراحل الأنبا غريغوريوس، والأنبا صموئيل (الذي اغتيل في حادث المنصة مع الرئيس أنور السادات سنة 1981)، مما كان له أثر كبير في دعمه ومساندته من قبل العديد من المواطنين المسيحيين المصريين.

يتابع: أعتقد أنه من الأهمية التأكيد على صعوبة وخطورة أن يأتي على كرسي البابوية راهب من الصحراء غير معروف لدى المجتمع، ومنقطع ليس فقط عن أحوال الدنيا، بل والدين أيضاً، في تفاعله مع القضايا التي ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية، وعليه يجب أن يكون مطلعاً على الخريطة السياسية في الداخل من تيارات فكرية وسياسية ومجتمع مدني لكي يكون للكنيسة دور وطني في دعم نهضة هذا الوطن، بالإضافة الى معرفته بسير العلاقات الدولية خاصة في القضايا التي تعد محط اهتمام وأولويات النظام المصري على غرار القضية الفلسطينية أو قضية تدويل هموم المواطنين المسيحيين المصريين ومشاكلهم أو قضية علاقة الكنيسة بالمهاجرين المسيحيين المصريين، وأن يكون صاحب منطق فكري في قدرته على الفهم الديني للقضايا الاجتماعية ذات الدلالات الدينية، وذلك على غرار علاقة الكنيسة بالدولة، أو بالحديث عن قضايا الأحوال الشخصية، والعولمة، والاستنساخ.

ثانياً المواصفات العامة التي تتمثل في أن يكون له توجه ملحوظ نحو الارتقاء بالمستوى العلمي لرجال الدين المسيحيين.

* أن يعمل على تفعيل ومساندة كوادر من العلمانيين (أي من غير رجال الدين) داخل الكنيسة وهو ليس موجوداً الآن بالشكل الذي نتصوره. وهذا أمر هام لأن الكنيسة تقوم على ركيزتين، هما: رجال الدين والعلمانيون، ولا يوجد تعارض بين مهام كل منهما أو عمله. بالإضافة إلى أن هذا يساعد على تجديد حيوية الكنيسة وفاعليتها.. خاصة في ظل التحديث الإداري لها كمؤسسة دينية. وهو ما يترتب عليه – أيضاً - تفعيل دور المجلس الملي في الفترة القادمة بعد تغيير اسمه الذي يعود إلى مفاهيم السلطنة العثمانية.

اقرأ أيضاً: المسيحيون في السودان.. هل انتهت حقبة القمع؟

* أن يقوم بالتأكيد على أنّ الكنيسة هي المؤسسة الدينية والروحية الرسمية للمواطنين المسيحيين المصريين، ولكنها لا تمثلهم سياسياً. بمعنى أنّ الدور الروحي والوطني للكنيسة هو أمر ضروري وفائق الأهمية (وعلى سبيل المثال موقفها من: قضية القدس وقضية الحماية الدينية). ولكن الدور السياسي للكنيسة هو أمر غير مقبول ومرفوض، ولكنه مقبول لأبنائها من العلمانيين كمواطنين مصريين.. أي بمعنى أشمل فصل الدين عن الدولة تماماً.

* ويترتب على ما سبق، أن يكون البابا وبالتبعية للكنيسة المساند والداعم الذي يربط الفرد بالوطن والدولة، وعليه يتحدد مفهوم الانتماء ومعانيه.

الشهادات

ختم لبيب كتابه بمجموعة من الشهادات تحدثت الأولى، عن تجربة الفريق العلماني في الحالة القبطية، وإيجابيات هذا الفريق وسلبياته، الشهادة الثانية أجابت عن السؤال "هل المسلمون في مصر مضطهدون؟" ليشير إلى أنّ الطرح باضطهاد المسلمين لا يفرق بين مشاكل وهموم الفريقين.

وأما الشهادة الثالثة فكانت إجابة عن سؤال آخر وهو "هل الأقباط في مصر أقلية مدللة" وتحدث الكتاب عن مفهوم الدولة والأقلية، ليخلص إلى أن الأقباط مواطنون من الدرجة الأولى، وأن مصر ليس بها أقليات.

وفي شهادته الرابعة "متى نحاكم شيخاً أو قسيساً؟" أشار إلى الخلاف بين الأنبا بيشوي، والدكتور سليم العوا، وخلص إلى الحاجة لمراجعات في السياسات الأمنية فيما يخص التوترات والأزمات.

الشهادة الخامسة تحدثت عن إدارة الدولة الدينية بقناع دولة المواطنة، واستشهد بمقالات د.طارق البشري، وتوصل أن هنا كدولة دينية قادمة في مواجهة دولة المواطنة بشكل لا لبس فيه ولا جدال.

وعن أحداث ماسبيرو تحدثت الشهادة السادسة، وهل يصل الأقباط إلى العنف المسلح؟ واجتهد الكاتب للإجابة عن أسئلة تتعلق بالأحداث التي وقعت يوم الأحد 9 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2011، وهل تدل على وجود عنف، وهل يمكن قبول المحاكمات العسكرية للأقباط؟، وأكد الكاتب، أنه منذ الثورة قد حدثت مجموعة من الأزمات، مثل هدم كنيسة صول بأطفيح، ولم يتم اتخاذ إجراء قانوني  حاسم وشامل، وأكمل أن مظاهرات ماسبيرو كانت معلنة وتكونت بسبب الضغوط المتوالية على المسيحيين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح المسيحي كمال ترزي عكازة صديقه الضرير المسلم حاتم خريس؟

وختم في نهاية الشهادة قائلاً "أعتقد أن إخضاع كاهن أو شيخ أو أسقف أو داعية أو مفكر للتحقيق، وتجريم المخطئ، والمتجاوز، منهم هو أمر مطلوب، ومرغوب فيه وطنياً، بالدرجة الأولى الآن".

وكانت الشهادة السابعة تجيب عن عدد الكنائس وكم يبلغ عدد الأقباط؟، أوضح لبيب أنّ هذا الحديث طائفي، ويعتبر ضد منظومة المواطنة المصرية، وقال إنّ الحديث عن الأقلية، وأنها يجب أن تخضع لحكم الأغلبية إعمالاً للديمقراطية، هو منطق فاسد يرسخ لمفهوم الأقلية.

اقرأ أيضاً: الفيلسوف المسيحي وشيخه المسلم!

أما الشهادة الأخيرة فقد تطرقت وهم الدولة القبطية، ومطالبات البعض بالتدخل الدولي لحماية الأقباط، وأكد أن الأغلبية يتمسكون بحلول قانونية، واجتماعية للمشاكل التي يتعرضون لها، من داخل مصر وليس من خارجها.

الكتاب يطرح فكرة مباشرة في معالجة العلاقة بين الكنيسة والدولة المصرية، حيث يرى أنّ الاعتراف بالذاتية هو أقصى درجات الموضوعية المتسقة مع الشخصية صاحبة الأفكار الحقيقية المرتكزة على خبرات عديدة وتجارب متنوعة. وهو ما يتعارض مع قاعدة تنتشر بين النخبة المثقفة هذه الأيام، وهي تعبير حقيقي عن موقفهم، بعد أن تحولوا إلى (الذين لا يقولون... ويزعجهم أن يقول لهم أحد لا... لا نوافق على رأيكم أو على ما تقولون...) حسبما جاء في إهداء الكتاب.

الصفحة الرئيسية