مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران والبحث عن المسكوت عنه

مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران والبحث عن المسكوت عنه

مشاهدة

26/01/2021

تظهر كلّ عام الآلاف من كتب المذكرات واليوميات الخاصة برجال السياسة في العالم، وكلها تحظى بالأهمية لما يفترض أن تحمله من معلومات لم تكن متاحة للجميع، أو أنّها كانت تحظى بنوع من الحساسية والسرّية قبل نشرها وجعلها متاحة للعامّة، بهدف رئيس هو إماطة إمّا نوع من السرّية أو الحساسية عن بعض الأحداث والتفاصيل، وإمّا توضيح وشرح تسلسل تلك الأحداث وأسبابها وتداعياتها، وفي النهاية مساعدة الباحثين والمؤرخين والدارسين في تحليل وفهم الحدث مثار الاهتمام.

اقرأ أيضاً: هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟

ولا شكّ أنّ سلوك رجال السياسة وصنّاع القرار بكتابة مذكراتهم أو يومياتهم، مهما كانت قيمتها النهائية، يُعتبر سلوكاً حضارياً وجهداً إنسانياً يستحقّ التقدير والثناء، خاصة لما يخلقه من تحفيز ونشاط في مجالات التفكير النقدي وتلاقح الأفكار، ويساعد الأجيال اللاحقة من الشباب التوّاقين لمعرفة المزيد عن تاريخ بلادهم والأحداث التي شكّلت واقعها، وربما ستساعدهم في بناء مستقبل أفضل.   

صدرت‏ الطبعة الأولى من هذه المذكرات العام ‏2020‏ تحت عنوان "القرار"

يبقى أنّ جزءاً مهمّاً من تلقي هذه المذكرات مُناط أوّلاً بالمُتلقي لهذه المذكرات، وبأيّ منظار يقرأ ويحلل ما ورد فيها؛ ما هو جديدها، وما مدى دقته؟ وهل ساهمت في زيادة معرفتنا بالأحداث وما التبس منها في السابق؟ وثانياً بالجانب مثار الاهتمام للمتلقي والباحث؛ فهل يسعى الباحث في المذكرات وراء الجوانب السياسية، أم الاجتماعية، أم الشخصية، أم الاقتصادية، إلخ..؟

بدران كان ثاني مدير لدائرة المخابرات العامة في تاريخها ثمّ تولى ‏رئاسة وزراء الأردن أكثر من مرّة

بين أيدينا كتاب من هذا النوع، هو مذكرات السياسي الأردني مضر بدران، الذي كان ثاني مدير لدائرة المخابرات العامة في تاريخها من عام 1968 إلى 1970، ثمّ أصبح ‏رئيس وزراء الأردن أكثر من مرّة ‏(‏أصبح بدران رئيساً للوزراء 3 مرّات، آخرها 1989-1991).‏ وقد صدرت‏ الطبعة الأولى من هذه المذكرات العام ‏2020‏ تحت عنوان "القرار"، عن مطبوعات المؤسسة العربية للدراسات والنشرـ بيروت، ودار الفارس للنشر والتوزيع ـ عمّان، وجاءت في 423 صفحة مع الملاحق والصور موزّعة على 7 فصول.

صورة تظهر بدران مع الملك الأردني السابق الحسين بن طلال

كما أسلفت، فإنّ الباحث أو المؤرّخ يسلك في طريق استعراض وقراءة مثل هذه المذكرات طريق البحث بالمنظار الدقيق عمّا يبحث عنه في ثنايا هذه المذكرات؛ ما ذُكر فيها صراحة  أحياناً، والمسكوت عنه أحياناً أخرى. ونحن هنا نبحث عن ظاهرة الإرهاب في الأردن وأشكال الإرهاب التي ظهرت على الساحة الأردنية والعربية خلال فترة الخمسينيات حتى بداية القرن الـ20، لأنها فترة كانت حافلة بما يُسمّى إرهاب الدولة، ثمّ إرهاب الجماعات بالوكالة، ثمّ ظهور المنظمات والجماعات الإرهابية التي رسّخت شكلها وتواجدها على مسرح السياسة العالمية بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001م ضدّ الولايات المتحدة.

على مستوى الإرهاب الداخلي لم يتحدث بدران بحرّية كما فعل مع عمليات الإرهاب الدولي

وحتى نبدأ بما تناوله بدران حول جزئية الإرهاب، نتحدث عن المسكوت عنه في المذكرات؛ أي فترة مواجهات السبعينيات بين الأردن والمنظمات الفلسطينية 1970-1971م، ونلاحظ أنه مرّ عليها مروراً سريعاً بدون تحليل وتعمّق بالبحث، مع أنه كان قريباً جداً من الأحداث. ورغم أنّه ترك قيادة دائرة المخابرات مع بداية المواجهات 1970، لكنه كان أكثر قرباً من الملك حسين وصناعة القرار، فقد كان ‏أميناً عاماً للديوان الملكي ومستشاراً للأمن القومي.

اقرأ أيضاً: لغة الإرهاب: كيف يؤثر علم الأعصاب على الخطاب السياسي؟

لكن وعلى الرغم من ذلك، فقد تحدث أكثر -على سبيل المثال- من عدنان أبو عودة في يومياته 1970-1988، عندما تحدث عن مواجهات وأحداث 1970، خاصة عندما تحدث بدران بالتفاصيل عن أحداث كان مقصوداً بها شخصياً، كمحاولة اغتياله وإصابته بيده، ثمّ رحلة علاجه من الإصابة التي أخذت الكثير من الصفحات والتفاصيل الخاصة (ص117-126).

وتعود هذه العملية التي ذكرها بدران إلى محاولة اغتياله في الأيام الأولى من أحداث أيلول (سبتمبر) 1970، خلال عمله ‏أميناً عاماً للديوان الملكي ومستشاراً للأمن القومي، بعد أن غادر دائرة المخابرات، وقد أصيب بدران برصاصتين، وهو يجلس بالقرب من نافذة منزل والدته، ‏في جبل اللويبدة، وأصيب بجرح في يده، ولم تُعرف الجهة التي نفذت العملية ‏تحديداً، غير أنّ بدران يقول في مذكراته: "إنّ الرصاصات جاءت من فندق الأردن المقابل لمنزل ‏والدته". أو محاولة قتله أو اغتياله في صحيفة الدستور خلال عمله في المخابرات العامة 1970. (ص109)

اقرأ أيضاً: كيف استغل الإرهاب وسائل الإعلام المعاصرة؟

يتحدث بدران عن بعض التفاصيل الدقيقة والمهمّة، لكنه يغادرها سريعاً للأسف بدون تحليل وتعمق، ربما لأنّه لا يريد فتح هذا الملف، وربما لأنّ هذا الملف ليس مهماً لشخص مثل بدران كان معنياً بالحديث عن إنجازاته الشخصية الأسهل التي لا تثير أيّ نوع من الأسئلة.

الإرهاب تجاه الدولة نشط في فترة وجود بدران في صنع القرار أو قريباً منه

والباحث أو المؤرّخ المهتم بالتأريخ لظاهرة مثل الإرهاب يكون معنياً بالتفاصيل الدقيقة والتواريخ والأسماء والأسباب والدوافع، لأنها لا تتوفر لدى الباحثين إذا لم يُفصح عنها من قبل المطلعين عليها، وتبقى في صناديق مغلقة لدى الأجهزة الأمنية، خاصة أنه لا تتوفر في الوطن العربي سياسة الإفراج عن الوثائق السرّية، حتى بعد تقادمها ورفع السرّية عنها.

وعلى مستوى الإرهاب الداخلي والجدل المتواصل حوله داخل الأردن وخارجه لم يتحدث بدران بحرّية، ولم يتعمق في تحليله، ولكنه تحدث بحرية أكبر عندما تطرق لعمليات الإرهاب الدولي.

نشط الإرهاب تجاه الدولة في الفترة التي كان بدران قد نشط سياسياً خلالها

ومعلوم أنّ الإرهاب تجاه الدولة قد نشط في الفترة التي كان بدران قد نشط سياسياً خلالها، وقريباً من صانع القرار، وأقصد بها عقد الثمانينيات، وهي فترة سيطر عليها إرهاب تنظيم فتح المجلس الثوري ـ أبو نضال، الذي ظلّ يتقلب على إدارة مشهد الإرهاب بتوجيه من العراق، ثمّ سوريا التي استخدمت أبو نضال "بندقية للإيجار" على حدّ وصف (باتريك سيل) ضدّ الأردن ومصالحه في الداخل والخارج، قبل أن تنتقل إدارة بندقية أبو نضال إلى ليبيا حتى نهاية الثمانينيات من القرن الـ20.   

اقرأ أيضاً: "مكافحة الإرهاب الجديد".. كيف تغيرت الأساليب والغايات؟

ومن العمليات الإرهابية التي تحدث عنها بدران محاولة اغتياله الفاشلة في شباط (فبراير) 1981 عندما كان رئيساً للوزراء من ‏قبل "سرايا الدفاع السورية" التي كان يتزعمها رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد، وقد تمّ إلقاء ‏القبض على فريق عملية الاغتيال في إحدى الشقق في منطقة صويلح ـ عمّان. واغتيال سرايا الدفاع المعارض السوري في الأردن عبد الوهاب البكري في حكومة عبد الحميد شرف، لكن يبقى أنّ هناك الكثير من العمليات الإرهابية والتفاصيل التي لم يتحدث عنها بدران، وإذا تحدث عنها، فإنه مرّ عليها بلا تحليل أو تفصيل.

اقرأ أيضاً: من الهرمية إلى الشبكية: موقع المتفرج لم يعد آمناً

ربما يكون الرجل معذوراً من جهة أنّ مذكراته لم تكن مُخصصة ومكرّسة لبحث تأريخ العمليات الإرهابية في الأردن أو العالم العربي، لكن تبقى المذكرات، وغيرها من مذكرات رجال الدولة وصنّاع القرار في الوطن العربي، مهمّة وذات فائدة كبيرة للمؤرخين والباحثين والدارسين لكافة مناحي وفروع العلوم الإنسانية مثل ظاهرة الإرهاب، خاصّة إذا تحلت بشجاعة الحديث عن المسكوت عنه، وقفزت فوق أسوار "إسكات التاريخ".

 في هذه الحالة فقط تُميط المذكرات واليوميات اللثام عن الكثير من المعلومات والتفاصيل التي تساعدنا اليوم في مواجهة خطر هذه الظاهرة العالمية، التي تقضّ مضاجع الوطن العربي وحوّلت العديد من دوله إلى دول فاشلة.

الصفحة الرئيسية