مستقبل درعا الغامض بين "التسويات" والفلتان الأمنيّ والتوغّل الإيراني

مستقبل درعا الغامض بين "التسويات" والفلتان الأمنيّ والتوغّل الإيراني

مشاهدة

04/02/2021

 في الفترة الأخيرة، شهدت بعض المناطق في مدينة درعا، تحديداً منطقة ريف درعا الغربيّ، والتي كانت قد خضعت لتسوية روسية بين النظام السوري والفصائل المعارضة في المنطقة، صراعات داخلية "عشائرية" من جهة، واشتباكات عنيفة بين الفصائل المعارضة والنظام السوري من جهة أخرى، إضافة إلى الفلتان الأمني وعمليات اغتيال لشخصيات سياسية أو عسكرية. 

من يحاول التوغّل في منطقة ريف درعا الغربي أكثر هو إيران، وهذا يرجع لأهمية المنطقة إستراتيجياً، لقربها من حدود الأردن، والجولان المحتل

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أحصى، منذ مطلع العام 2021، (46 عملية) شهدتها محافظة درعا، بأشكال وأساليب عدة؛ عبر تفجير عبوات وألغام وإطلاق نار، تسبّبت بمقتل 23 شخصاً، هم: 9 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها والمتعاونين مع قوات الأمن، و7 من مقاتلي الفصائل، ممن أجروا "تسويات ومصالحات"، وباتوا في صفوف أجهزة النظام الأمنية، و7 من المدنيين".

ووفق إحصائيات المرصد السوري، فقد "بلغت أعداد الهجمات ومحاولات الاغتيال في درعا والجنوب السوري بأشكال وأساليب عدة، عبر تفجير عبوات وألغام وآليات مفخخة، وإطلاق نار، نفذتها خلايا مسلحة خلال الفترة الممتدة من حزيران (يونيو) 2019 حتى يومنا هذا، 857 هجمة وعملية اغتيال، فيما وصل عدد الذين استشهدوا وقتلوا إثر تلك المحاولات، خلال الفترة ذاتها، إلى 568 شخصاً، هم: 158 مدنياً، بينهم 12 مواطنة، و16 طفلاً، إضافة إلى 252 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها، والمتعاونين مع قوات الأمن، و111 من مقاتلي الفصائل ممن أجروا "تسويات ومصالحات"، وباتوا في صفوف أجهزة النظام الأمنية، من بينهم قادة سابقون، و23 من الميليشيات السورية التابعة لـ "حزب الله" اللبناني والقوات الإيرانية، إضافة إلى 24 مما يُعرف بـ "الفيلق الخامس".

كما شهدت الأيام القليلة الماضية استهداف مسلحين مجهولين لحاجز لقوات الفرقة الرابعة في القسم الشمالي من بلدة سحم الجولان، ضمن منطقة "حوض اليرموك"، وحاجزَين اثنين يتبعان للمخابرات الجوية في ريف درعا الشرقي، بالأسلحة الرشاشة، الحاجز الأول واقع بين الغارية الشرقية والغارية الغربية، بينما الثاني يقع بين صيدا والغارية الغربية، وحاجز في الكرك الشرقيّ بالريف ذاته، وحاجزين في جاسم، شمال درعا، وحاجز عند أطراف بصرى الشام، وآخر في السهوة، وحاجز على طريق تسيل -نوى، وحواجز أخرى في الريف الدرعاوي، عقب ذلك قامت قوات النظام بإرسال تعزيزات عسكرية لتأمين حواجزها وتحصينها، وذلك بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. 

بلغت أعداد الهجمات ومحاولات الاغتيال في درعا والجنوب السوري خلال الفترة الممتدة من حزيران 2019 حتى يومنا هذا، 857 هجمة وعملية اغتيال

وكانت الفرقة الخامسة، التابعة للنظام، قد استقدمت تعزيزات عسكرية ونشرت نقاطاً متقدمة على طريق المساكن، الشيخ سعد غرب درعا، وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ فإنّ قوات النظام عمدت، بتاريخ 27 كانون الثاني (يناير)، إلى "تدشين النقاط والحواجز التي تمركزت بها مؤخراً محيط مدينة طفس، من خلال رفعها لمتارس ترابية، وحماية مواقعها بأكياس ترابية، تزامن ذلك مع وصول تعزيزات عسكرية من الكتيبة 645، التابعة للفرقة الرابعة، إلى مركز البحوث العلمية في بلدة جلين، غرب درعا، في حين تواصل قوات النظام، لليوم الثالث على التوالي، منع إدخال مادة الطحين إلى أفران مدينة طفس".

ويروي الصحفي في موقع  "سوريا على طول"،  وليد النوفل، لـ "حفريات"، كواليس ما يجري في ريف درعا الغربي، فيقول: "منذ عدة أسابيع والنظام السوري يحشد عسكرياً على منطقة ريف درعا الغربي، بتاريخ 23 كانون الثاني (يناير) كان هناك اجتماع مشترك بين اللجنة المركزية بريف درعا الغربي والنظام السوري، وطالب الأخير بعدة طلبات، أبرزها؛ نشر نقاط عسكرية ونقاط تفتيش بريف درعا الغربي، وتسليم الأسلحة المتوسطة الموجودة في المنطقة، كما جرى الحديث عن تهجير شخصيات معينة أو تسليمها للنظام، وفي ذلك اليوم لم تصل اللجنة المركزية والنظام إلى أيّ اتفاق. ونتيجة ذلك اقتحم النظام، في فجر اليوم التالي، 24 كانون الثاني (يناير)، مدينة طفس باستخدام الدبابات، وكان هناك قصف بقذائف الهاون وراجمات الصواريخ على المنطقة". 

اقرأ أيضاً: من هو "الجهادي" إياد الطوباسي الذي قتل بظروف غامضة في درعا؟

وأضاف: "اقتحم النظام، فعلياً، الأجزاء الجنوبية وأطراف المدينة، وسيطر على بعض المنازل، وسرق ونهب ممتلكاتها ثم دمّرها، عند هذه النقطة بدأت العمليات تتصاعد شيئاً فشيئاً، إلى أن أقيمت جولة ثانية من المفاوضات في اليوم نفسه، أكّد النظام خلالها تمسّكه بالشروط نفسها، وهي: تسليم بعض الأشخاص، أو تهجيرهم باتجاه الشمال، ودخوله إلى المدينة والسيطرة عليها، وفرض حواجز ونقاط تفتيش، وسحب السلاح، إضافة إلى موضوع تجنيد شباب المنطقة ضمن قوات النظام. 

وكانت اللجنة المركزية ترفض مطالب النظام، وبالأخص موضوع التهجير إلى الشمال؛ إذ ترى اللجنة وأهالي المنطقة أنّ هذه القضية خطيرة جداً، ومن المستحيل الموافقة عليها، في المقابل نرى أنّ النظام يصبّ كلّ تركيزه خلال المفاوضات عليها". 

وليد النوفل صحفي في موقع  سوريا على طول

بـتاريخ 25 كانون الثاني (يناير)؛ حصلت اشتباكات محدودة في المنطقة بين الطرفين، أعقبها في اليوم التالي اجتماع آخر، أكّد فيه النظام السوري على مطالبه السابقة نفسها، وأعطى مهلة للجنة المركزية للموافقة على المطالب لغاية الخميس 28 كانون الثاني (يناير)، وفي حال لم توافق اللجنة المركزية عليها، سينفّذ النظام حملة عسكرية نحو منطقة طفس بشكل أوسع.  

يعلّق النوفل على هذه النقطة بقوله: "كان "الروس" حاضرين في الاجتماع، وفي هذه المرة كانوا مؤيدين لموقف النظام السوري بشكل أكبر، ولم يلعبوا أيّ دور بوصفهم "الضامن" لاتفاق التسوية، بل كانوا يفعلون عكس ذلك، عبر تهديد أعضاء اللجنة بأنّهم في حال لم يوافقوا على شروط النظام السوري، فستكون هناك حملة عسكرية وباستخدام الطيران الروسي". 

الصحفي وليد النوفل: النظام السوري أطلق سراح أكثر من 60 قيادياً من تنظيم داعش ممن كانوا متواجدين في منطقة حوض اليرموك

وأضاف أنّ المنطقة شهدت تحليقاً للطيران الروسي، الثلاثاء، 26 كانون الثاني (يناير) الماضي، على علو منخفض، "وكان ذلك بمثابة رسالة تهديد للأهالي، بأنّه سيتم استخدام سلاح الطيران الروسي، في حال كان هناك أيّ عمل عسكري، وتمّ رفض الشروط التي وضعها النظام السوري، كما أنّ اللجنة المركزية نشرت بياناً، رفضت من خلاله عملية التهجير التي يركز عليها النظام". 

عملية التهجير والتوغل الإيراني

يقول النوفل: "بالنسبة إلى عملية التهجير؛ في حال لاحظنا القوات التي تهاجم المنطقة بشكل كبير، فسيظهر لنا أن هذه القوات هي "الفرقة الرابعة"، و"الفرقة 15 (قوات خاصة)، وهذه القوات حاولت سابقاً مهاجمة المنطقة عدة مرات، والعملية السابقة كانت بالشهر الرابع أو الخامس من العام الماضي، وانتهت العملية في ذاك الوقت باتفاق بين اللجنة المركزية والنظام السوري، ونصَّ الاتفاق على نشر قوات للفرقة الرابعة في المنطقة، إضافة إلى تجنيد جزئي لبعض شباب المنطقة في الفرقة الرابعة". 

وأضاف: "هذه القوات (الفرقة 4 و15) تعدّ بمثابة التيار الإيراني داخل النظام السوري، وهنا يكمن جذر القضية، ومن هذا النقطة نلاحظ أنّ من يحاول، في الحقيقة، التوغّل في منطقة ريف درعا الغربي أكثر هو إيران، وهذا يرجع لأهمية المنطقة إستراتيجياً، لقربها من حدود الأردن، والجولان المحتل، لذلك تحاول إيران التقدم فيها". 

شهدت بعض المناطق في مدينة درعا، صراعات داخلية "عشائرية" من جهة، واشتباكات عنيفة بين الفصائل المعارضة والنظام السوري من جهة أخرى

وأردف قائلاً: "كما أنّ إصرار النظام على موضوع تهجير شخصيات معينة، سيولّد نقطة ضعف في المنطقة، وفي حال تمّ تهجير هذه الشخصيات، ستكون المنطقة خالية من أيّة قوات عسكرية من الممكن أن تواجه المشروع الإيراني، وبالتالي سيتوغل الأخير في المنطقة، وستثبت أقدام الإيرانيين أكثر من خلال الفرقة4 و15، إلى جانب دخول المخابرات الجوية، وستحدث عمليات تجنيد للشباب في المنطقة، وحالياً نرى نشاطات لقوات العرين وجمعية البستان في المنطقة، وهناك ميليشيات محلية ممولة إيرانياً، مثل مجموعة وسيم المسالمة". 

ويرى النوفل؛ أنّ "المنطقة حالياً أمام سيناريوهَين؛ الأول هو؛ في حال حصلت عملية تهجير لأشخاص معينين في المنطقة، فستدخل القوات الإيرانية وتسيطر عليها. وفي حال رفضت المعارضة واللجنة المركزية طلب التهجير، سنكون أمام عمل عسكري في المنطقة بين الطرفين، وسيتوقف بناءً على القوة الأقوى التي ستفرض شروطها على الأرض، بالتالي، من الممكن أن يكون النظام السوري وروسيا هما الأقوى وسيفرضان عملية التهجير. 

أما السيناريو الثاني، الذي هو الأقرب؛ أن يعمل النظام السوري على اتفاق جديد، مثلما حدث سابقاً، في الشهر الخامس من العام الماضي، أي أن يوقف بعد فترة العملية العسكرية، ويقترح شروطاً مختلفة تكون مرضية للطرفين، وسنرى إذا كان هذا الاتفاق ستنتج عنه موجة جديدة من عمليات الاغتيال الأمنية في المنطقة؛ إذ إنّ النظام سيحاول تصفية شخصيات من المعارضة السياسية والعسكرية، والتي تقف في وجه مشروعاته في المنطقة، إضافة إلى استمرار عمليات الاعتقال"، بحسب تعبيره. 

"داعش" و"حراس الدين" في المنطقة

يشير النوفل أيضاً إلى أنّ هناك جزئية أخرى مرتبطة بذريعة النظام السوري لاقتحام المنطقة؛ فالنظام يتذرّع بشكل أساسي بوجود مجموعات من "داعش"، ومن تنظيم "حراس الدين" في المنطقة. 

ويوضح النوفل: "النظام هو المسؤول عن وجود عناصر لداعش في المنطقة، فما حدث هو أنّه، وبعد توقيع اتفاق التسوية في المنطقة، عام 2018، دخلت فصائل المعارضة مع قوات النظام باتجاه مناطق تواجد داعش في حوض اليرموك، غرب درعا، وتمّ القضاء على داعش في المنطقة، من خلال عناصر التسوية والنظام السوري، وجرت عمليات اعتقالات واسعة لعناصر التنظيم، ونُقل بعض العناصر باتجاه البادية شرق سوريا.

وأردف: "ما حدث لاحقاً، بعد عدة أشهر من اتفاق التسوية، هو أنّ النظام أطلق سراح أكثر من 60 قيادياً من تنظيم داعش، الذين كانوا متواجدين في منطقة حوض اليرموك، أي أنّهم، وبعد أن كانوا معتقلين في السجون السورية، تمّ الإفراج عنهم، وانتشروا في ريف درعا الغربي، وبدؤوا في تنفيذ عمليات اغتيال بحق شخصيات وعناصر من المعارضة العسكرية والمدنية". 

اقرأ أيضاً: السجون السورية وهندسة الإذلال: أيها الداخلون إلى المذبحة

كما نوّه النوفل، إلى أنّه، ومنذ عدة أسابيع، انتشرت معلومات تفيد بأنّ هناك مجموعات من تنظيم "حراس الدين" و"داعش" نُقلت إلى ريف درعا الغربي من قبل الفرقة الرابعة مجدداً.

الصفحة الرئيسية