منتدى الصداقة اليوناني... ورقة ضغط جديدة ضد القيادة التركية

منتدى الصداقة اليوناني... ورقة ضغط جديدة ضد القيادة التركية

مشاهدة

15/02/2021

بالرغم من تأكيدات المشاركين في منتدى الصداقة الذي عُقد الأسبوع الماضي في أثينا، بمشاركة دول خليجية على رأسها السعودية والإمارات بالإضافة إلى مصر، بأنه غير موجّه لأيّ طرف، وأنّ هدفه تعزيز الصداقة والأمن في المتوسط، ومواجهة التحديات بما فيها كورونا، إلّا أنّ  الرد التركي الرسمي كان "متشنجاً"، وقد تضمّن أنه لا يمكن لأيّ منتدى، لا توجد فيه تركيا المحورية في المنطقة والقبارصة الأتراك، أن يشكّل آلية صداقة وتعاون ناجح وفعال من ناحية الاختبارات التي تواجهها المنطقة، وأنّ هذا المنتدى ما هو إلّا محاولة تحالف ضدّ تركيا، وليس على الصداقة كما قيل.

اقرأ أيضاً: طائرات تجسس تركية تخترق مجال اليونان... هل تؤثر على المفاوضات؟

بيد أنّه من اللافت للنظر أن ينعقد هذا المنتدى في ظلّ شيوع أجواء إيجابية بإمكانية إعادة العلاقات بين تركيا وكلٍّ من السعودية ومصر والإمارات، بعد تسريبات تؤكد أنّ مصالحات تجري باتجاه إنجاز تفاهمات بين تركيا وهذه الدول، خاصة بعد إنجاز مصالحة بين قطر والمملكة العربية السعودية، وقد بدأت تركيا تبدي مرونة تجاه قضايا الصراع في المنطقة، بما في ذلك تخفيف حدّة التوتر في شرق البحر المتوسط، ومغازلة إسرائيل بتأكيد عدم انقطاع العلاقات الأمنية، والتنسيق مع تل أبيب، ورسائل غير مشفرة من أنقرة للاتحاد الأوروبي برغبة تركيا بالعودة إلى الفضاء الأوروبي.

 

مأزق القيادة التركية متشابك ومعقد، ما بين أوضاع داخلية عنوانها أزمات اقتصادية، وأخرى مرتبطة بالحرّيات، وثالثة مرتبطة بانشقاقات في حزب "العدالة والتنمية"

توقيت انعقاد منتدى الصداقة يأتي في سياقين، وهما: الأوّل التغيير في الإدارة الأمريكية، ومعروف أنّ هذه الإدارة تتخذ موقفاً من سياسات تركيا والغطاءات التي قدّمها لها ترامب خلال الأعوام الـ4 الماضية، بما فيها ملفات: التدخل في سوريا، ودعم الإرهابيين، وفي أذربيجان ضدّ أرمينيا انطلاقاً من مرجعيات دينية، والتورّط التركي في حرب الكراهية التي تشهدها أوروبا، بالإضافة إلى دور أنقرة في ليبيا، وما يرتبط بالأوضاع الداخلية التركية في ملفات حقوق الإنسان والحرّيات، والثاني: أنّ انعقاد المنتدى يأتي خطوة استباقية لمواجهة اتجاهات أوروبية تتحفظ على التصعيد مع تركيا، وتحديداً من قبل ألمانيا، التي ترى أنّ هناك إمكانية للتفاهم مع القيادة التركية والوصول معها إلى حلول وسطية، وتبدي غالبية الدول الأوروبية بقيادة فرنسا تحفظات على هذه المقاربة، استناداً إلى تجارب وتفاهمات سابقة مع القيادة التركية كان مصير جميعها الفشل، لأسباب مرتبطة بتطلعات القيادة التركية لاستئناف العثمانية الجديدة، وقيادة ودعم حروب الكراهية في أوروبا.

اقرأ أيضاً: تركيا واليونان.. أزمات تاريخية لا تنهيها مفاوضات الأمر الواقع!

ورغم أنّ المنتدى لم يذهب باتجاه تأكيد التحالف والتعاون العسكري، أو إرسال إشارات بإمكانية القيام بأعمال عسكرية ضدّ تركيا ومواجهتها، إلّا أنّ المرجح هو أنّ ردّة الفعل التركية المتشنجة تجاه انعقاد المنتدى في اليونان تعكس، فيما تعكس، وصول رسالة المنتدى إلى القيادة التركية، وإدراكها أنه سيعمّق أزماتها، لأنه سيكون ورقة بيد الاتحاد الأوروبي من جهة، والقيادة الأمريكية الجديدة من جهة أخرى، وسيجعل من تركيا إيران ثانية في طريق العزلة؛ إذ يبدو أنّ قائمة حلفاء تركيا في تناقص مستمر، رغم احتفاظها ببعض الأوراق التي يمكن أن تقدّمها على طاولة مفاوضاتها مع أمريكا وأوروبا لاحقاً.

اقرأ أيضاً: ما سر الرسائل "الودية" التي يبعثها أردوغان لليونان؟

مأزق القيادة التركية متشابك ومعقد، ما بين أوضاع داخلية عنوانها أزمات اقتصادية، وأخرى مرتبطة بالحرّيات، وثالثة مرتبطة بانشقاقات في حزب "العدالة والتنمية"، وتراجعات في شعبية الرئيس أردوغان وحزبه، عكستها نتائج الانتخابات البلدية العام الماضي، وخساراته المدوّية في أهمّ المدن التركية "إسطنبول وأنقرة وإزمير"، والتوجهات الجديدة لصياغة دستور جديد يضمن البقاء له في السلطة، في وقت لا تبدو فيه العلاقات الدولية والإقليمية مع تركيا أفضل حالاً؛ إذ إنّ مستقبل تلك العلاقات محاط بشكوك عميقة مع أمريكا وأوروبا، ومع القوى الإقليمية في المنطقة، بما فيها المنظومة الخليجية بقيادة السعودية ومصر، بالإضافة إلى علاقات القيادة التركية مع إيران.

 

المرجح أنّ ردّة الفعل التركية المتشنجة تجاه انعقاد منتدى الصداقة في اليونان تعكس، وصول رسالة المنتدى إلى القيادة التركية، وإدراكها أنه سيعمّق أزماتها

 

ربما تمكنت القيادة التركية خلال الأعوام الـ4 الماضية، وبعلاقة رأسية بين "أردوغان- ترامب" وأخرى بين "أردوغان- بوتين" من النفاذ وممارسة أدوار إقليمية في مناطق الصراع، بما فيها الضغط على الدول الأوروبية، إلّا أنّ خسارتها في سوريا والسودان، واحتمالات انتهاء دورها في ليبيا، بالإضافة إلى معاداتها للسعودية ومصر، وتناقض علاقاتها مع إيران، حرمها من ممارسة دور الدولة الإقليمية "الوازنة" التي يمكن أن تسهم في حلّ النزاعات في المنطقة، إلّا أنّ القيادة التركية، بفقدانها تلك الغطاءات، وفي ظلّ السياقات العامّة في المنطقة التي تقودها أمريكا وعنوانها "التسويات الكبرى"، ستكون بمواجهة الإجابة عن تساؤلات كبرى، لن تنفع معها براغماتية الرئيس أردوغان المعهودة، ولا إعلانات التقرّب من إسرائيل، ولا حتى أوراق التهديد بالعلاقة مع روسيا والصين، ومنظومات صواريخ إس 400.

 

الصفحة الرئيسية