هل أصبحت ليبيا ميداناً مفتوحاً لأطماع القوى الأجنبيّة؟

هل أصبحت ليبيا ميداناً مفتوحاً لأطماع القوى الأجنبيّة؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
23/02/2021

ترجمة: مدني قصري

بعد عشر سنوات من اندلاع الثورة؛ حصلت ليبيا للتوّ على جهاز تنفيذي جديد مكلّف بإعادة توحيد البلاد، لكنّ رئيس الوزراء والمجلس الرئاسي ليسا كافيَين لإخفاء السادة الحقيقيين للبلاد: أنقرة، موسكو أو أبو ظبي.

إذا كانت ثورة شعبية، انطلقت من بنغازي، شرق البلاد، هي أصل ثورة 17 شباط (فبراير) 2011، فإنّ الانتصار النهائي على القذافي كان نتيجة تحالف دولي: فرنسا - أمريكا - المملكة المتحدة - قطر. .

يتفق الليبيون، شرقاً وغرباً، على الدور الذي لعبته بعثة دعم الأمم المتحدة، في ليبيا، الحيادي في أفضل الأحوال، والمشؤوم في أسوأ الأحوال

بعد عشر سنوات، في 5 شباط (فبراير)، عيِّن 74 مندوباً ليبياً، تحت إشراف دقيق من بعثة الأمم المتحدة في ليبيا (مانول) رئيساً للوزراء ومجلساً رئاسياً من ثلاثة أعضاء من المفروض أن يوحّدوا البلاد وينظموا الانتخابات العامة، في 24 كانون الأول (ديسمبر) 2021. هنا مرة، يقوم اللاعبون الأجانب بالمناورة، كما هو الحال في كلّ مرحلة ما بعد الثورة، لكن مع اختلاف واحد: لقد حلّ الثلاثي أنقرة - موسكو - أبو ظبي محلّ الرباعية باريس - واشنطن - لندن - الدوحة.

تركيا وفضاؤها التاريخي في طرابلس

حتى عام 2016، لم يكن الرئيس التركيّ، رجب طيب أردوغان، يضع ليبيا نصب عينيه، بل كان أكثر انشغالاً بالجارة السورية، كان يَنظر إلى دولة شمال أفريقيا قبل كلّ شيء كأرض مصالح أعمال، استفادت شركات البناء التركية، على وجه الخصوص، من إِحجام المنافسين الأوروبيين؛ بسبب عدم الاستقرار في ليبيا، لكنّ وصول أول حكومة وحدة وطنية إلى طرابلس، عام 2016، والتي ولِدت بموجب اتفاقيات الصخيرات التي تمّ تنفيذها تحت رعاية الأمم المتحدة، أدّى إلى تغيير الوضع. فسرعان ما أصبح هذا الجهاز التنفيذي تحت السيطرة السياسية والأمنية لمصراتة، وهي مدينة ساحلية قوية مرتبطة تاريخياً بالإمبراطورية العثمانية.

على هذا النحو كانت تركيا الدولة الوحيدة التي استجابت لطلب المساعدة من حكومة الوفاق الوطني عندما أراد خليفة حفتر وقواته من الشرق، عبثاً، الاستيلاء على العاصمة، بين نيسان (أبريل) 2019  وحزيران (يونيو) 2020)، ومنذ ذلك الحين كانت تركيا هي "الحامي" لطرابلس، المنطقة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في البلاد، ممّا جعلها لاعباً رئيساً، والدليل على ذلك المرشحون الأربعة لرئاسة الوزراء، في شباط (فبراير)، وجميعهم من الغرب، كانوا قريبين من تركيا بطريقة أو بأخرى، كما ينتمي الفائز، عبد الحميد دبيبة، إلى عائلة مصراتية ثريّة لها مصالح مالية كبيرة في البوسفور.

اقرأ أيضاً: ليبيا: هل تُفسد الميليشيات العملية السياسية؟

عسكرياً؛ تمتلك تركيا، الآن، قاعدة جوية ساحلية في الوطية (27 كم شرق الحدود التونسية)؛ حيث لا يستطيع، حتى الليبيين أنفسهم، الوصول إليها بحرّية؛ فمن هذه القاعدة تطير بانتظام عشرون طائرة من دون طيار فوق العاصمة. فهذه، رسمياً، تدريبات تنفّذها تركيا، تحسّباً لوقوع هجوم جديد على طرابلس. بشكل غير رسمي، تراقب هذه التحليقات نشاط الميليشيات العديدة في المدينة.

اقتصادياً؛ منذ عام 2019، وقّعت أنقرة وطرابلس عدة اتفاقيات تعاون، تنصّ إحداها على إمكانية قيام الشركات التركية باستغلال الثروة الليبية البحرية. "تركيا موجودة هنا لسنوات قادمة. طموحاتها قبل كلّ شيء اقتصادية وعسكرية. البلد في وضع سيّئ من الناحية المالية، ويريد الحصول بسرعة على عقود مربحة لإعادة الإعمار، وقاعدة الوطية تعزّز وجود تركيا وسط البحر الأبيض المتوسط"، هكذا يوضح، جليل حرشاوي، الباحث في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، من خلال السيطرة على طرابلس، وهي نقطة الانطلاق الرئيسة للمهاجرين من جنوب الصحراء إلى أوروبا، يعمل أردوغان أيضاً على الحصول على ورقة رابحة في مواجهته مع الاتحاد الأوروبي.

روسيا.. القاسم الرئيس

امتنعت روسيا عن التصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار (S / 2011/142)، الخاص بفرض الحصار الجوي على ليبيا، في 17 آذار (مارس)2011، وبعد عقد من الزمان، أصبحت البلاد الوحيدة القادرة على التأثير في القرارات التي يتخذها القادة الليبيون في كلّ من الغرب و الشرق.

من المؤكد أنّ موسكو تميل أكثر نحو برقة، ويحمي عدة مئات من المرتزقة الروس من شركة فاغنر، نيابة عن خليفة حفتر، الهلال النفطي، على الساحل الأوسط للبلاد؛ حيث يوجد 80٪ من احتياطي الذهب الأسود، لكن من ناحية أخرى، أبرمت شركة النفط الروسية العملاقة روسنفت (Rosneft)، صفقات تجارية قوية مع شركة النفط الوطنية، مقرّها طرابلس، والتي تدير استغلال النفط والامتيازات نيابة عن الدولة.

اقرأ أيضاً: ليبيا.. ألغام تركية

يوضح طارق المجريسي، الخبير في شؤون ليبيا لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، أنّ "روسيا، وفق إستراتيجية ماكرة، من مصلحتها إبقاء ليبيا منقسمة"، ويضيف: "ليبيا مستقرّة يعني أنّها ستزيد من إنتاج النفط العالمي، بالتالي؛ ستخفّض سعر الذهب الأسود، والحال؛ أنّ الاقتصاد الروسي المحتضر الذي يعتمد على مبيعات النفط، ليس في حاجة إلى انخفاض آخر في سعر البرميل".

من خلال استيلائها على مطار القرضابية في سرت، على الساحل الغربي الليبي، تعزّز روسيا وجودها في "البحار الدافئة"، وهي إستراتيجية جيوسياسية تعود إلى عهد القياصرة. بالنسبة إلى الباحث، هناك احتمال حقيقي من أن تستخدم روسيا ليبيا منصة لتقويض الأمن الأوروبي بشكل مباشر، فإذا قامت موسكو، على سبيل المثال، بتركيب أنظمة مضادة للطائرات في القرضابية، فسوف تستطيع السلطات الروسية تدمير الطائرات التي تقلع أو تهبط من قاعدة الناتو في صقلية، سياسة الفوضى التي يروّج لها بوتين تمنع مجلس الأمن الدولي، الذي تمتلك روسيا كعضو دائم فيه حقّ النقض، ​​من اتّخاذ قرارات لحلّ الأزمة الليبية.

الولايات المتحدة وأوروبا.. عودة خجولة

عدّ باراك أوباما التدخّل في ليبيا أكبر خطأ في ولايته. منذ ذلك الحين، حتى في عهد ترامب، نأت واشنطن بنفسها عن الشؤون الليبية. على الأقل حتى اللحظة التي عرّض فيها الوجود الروسي للخطر مصالح الناتو، وكان تعيين الأمريكية ستيفاني ويليامز، عام 2018، نائبة للممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا، علامة على هذا الاهتمام الأمريكي المتجدّد.

ظلت فرنسا وإيطاليا، من ناحيتهما، تتواجهان على أرض ليبيا. ودعمت باريس حفتر حتى النهاية تقريباً. في الوقت نفسه، كانت روما تعقد اتفاقيات مالية مع ميليشيات في الغرب، متخصصة في الإتجار بالبشر، لوقف تدفق المهاجرين على سواحلها.

أدّت الهزيمة العسكرية لحفتر والقدرة المطلقة لتركيا في طرابلس إلى إعادة خلط الأوراق، لقد حان الوقت لسياسة التشاور داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وألمانيا هي التي تريد أن تكون رأس الجسر، أدّى نجاح مؤتمر برلين، في بداية عام 2020، إلى تعيين السلطة التنفيذية الجديدة وخريطة الطريق للانتخابات في نهاية العام، وكما قال طارق المجريسي، تظلّ أوروبا في وضع جيّد لمساعدة الدولة الواقعة شمال أفريقيا على النجاح في مرحلتها الجديدة من التحوّل الديمقراطيّ، شريطة "استثمار المزيد من رأس المال السياسي"؛ أي من خلال لعب دور الضامن الفعّال في توحيد القوات المسلحة، من أجل الحدّ بشكل كبير من نفوذ تركيا وروسيا والإمارات العربية المتحدة.

 الأمم المتحدة: كبش الفداء المثالي 

يتفق الليبيون، شرقاً وغرباً، على حدّ سواء، على الدور الذي لعبته بعثة دعم الأمم المتحدة، (مانول) "Manul"، في ليبيا، الحيادي في أفضل الأحوال، والمشؤوم في أسوأ الأحوال؛ فخلال عشر سنوات، توافد سبعة رؤساء بعثات دون أن ينجحوا في إرساء سيادة القانون والحوار الشامل، وهما أوّل هدفين للبعثة. والأسوأ من ذلك، كان يُنظر إليهم على أنهم مسؤولون تحت التأثير، أو فاسدون، أو ضعفاء للغاية.

تمّ استبدال الإسباني، برناردينو ليون، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، بعد أكثر من عام تقريباً على رأس مانول؛ والذي كان يتفاوض سرّاً على منصب مربح، كمدير للأكاديمية الدبلوماسية في الإمارات العربية المتحدة، فعندما لا تكون أخلاق المبعوثين موضع تساؤل تكون الإرادة السياسية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هي موضع التساؤل.

سياسة الفوضى التي يروّج لها بوتين تمنع مجلس الأمن، الذي تمتلك روسيا كعضو دائم فيه حقّ النقض، ​​من اتّخاذ قرارات لحلّ الأزمة الليبية

في صيف عام 2020، بعد ثلاثة أشهر من استقالته من رئاسة مانول، هاجم الدبلوماسيّ، غسان سلامة، علانية، الأعضاء الدائمين في الهيئة العليا للأمم المتحدة، بتهمة "طعنه في ظهره أثناء قيادته للمناقشات لإقامة حوار وطني شامل. وأوضح قائلاً: "في اليوم الذي هَجم فيه على طرابلس، حظِي حفتر بدعم معظمهم، بينما تمّ انتقادنا في ليبيا لأنّنا لم نوقفه"، وفي هذا دليل على الأهمية القليلة التي يوليها الليبيون للأمم المتحدة: كان الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، في الواقع، في زيارة لطرابلس عندما شنّ حفتر هجومه، في نيسان (أبريل) 2019.

السلوفاكي يان كوبيس، آخر رئيس لبعثة الأمم المتحدة؟ لا شيء أقل تأكيداً، بالنسبة إلى هذا المتحدث غير العربي؛ ففي رأي الليبيين وصول عبد الحميد دبيبة إلى رئاسة الوزراء، ومحمد منفي وموسى الكوني وعبد الله اللافي إلى مجلس الرئاسة، جاء نتيجة لعملية فرضتها الأمم المتحدة، ليست من اختيار الشعب.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

www.rfi.fr/fr/afrique/

الصفحة الرئيسية