هل اختطف انقلاب السودان ثورة الشباب؟

هل اختطف انقلاب السودان ثورة الشباب؟

مشاهدة

31/10/2021

لو سُئل أحد الثوار في السودان لماذا انقلب العسكريون على شركائهم المدنيين، لأجاب: "إنّهم يخشون المحاكمات على جرائمهم بحقّ الثورة، ويحافظون على ثرواتهم المليارية، ويعملون مع فلول النظام البائد، كونهم جزءاً من النظام السابق"، وإذا ما سُئل قيادي عسكري لكانت إجابته: "نحن مع الدولة المدنية، وما قمنا به تصحيح لمسار الثورة بعد سيطرة أربعة أحزاب على المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، وتحكمهم في الحكومة التي قامت على المحاصصة بينهم، فضلاً عن حماية الأمن القومي من أجندات البعض الخارجية والتخريبية، وحماية المؤسسات العسكرية من تدخّل المدنيين المسيس".

 

اقرأ أيضاً: "حفريات" ترصد مسار خطوات العسكريين القادمة في السودان

والإجابات السابقة افتراضية، مبنية على الخطاب المُعلن من معظم المحسوبين على الطرفين، وهي ليست في ذاتها أسباب الانقلاب، بل ما تعكسه من انعدام الثقة والتربص بالآخر كأنّه عدو، وليس شريكاً في الوطن، وتقع مسؤولية بناء الثقة على عاتق الطرف الوافد على السلطة، وهم المكوّن المدني، الذي أحدث بثورته، في كانون الأول (ديسمبر) 2018، التغيرات الكبرى بإطاحة نظام البشير، وقيام الحكم الجديد وفق الوثيقة الدستورية المُوقعة بين المجلس العسكري الانتقالي السابق، وائتلاف قوى إعلان الحرية والتغيير "قحت"، في آب (أغسطس) 2019، والتي سبقها اعتقال الرئيس السابق عمر البشير، في نيسان (أبريل) من العام نفسه.

تجمع احتجاجي سوداني

وجاءت الوثيقة بعد مفاوضات برعاية إقليمية ودولية، بعد حادث فضّ اعتصام القيادة العامة، في حزيران (يونيو) من العام نفسه، والذي خلّف 150 قتيلاً وفق أقصى تقدير، ومئات من الجرحى، وكان سبباً في الكراهية التامّة التي ميّزت الثوريين تجاه قوات الدعم السريع والجيش.

الخريطة السياسية

وبعد أيام من توقيع الوثيقة الدستورية، شُّكّل مجلس السيادة الانتقالي، وهو أعلى هيئة تنفيذية في البلاد، بالشراكة بين المدنيين والعسكريين، وبرئاسة القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

 وفي الشهر التالي، شكّل عبد الله حمدوك، الذي اختاره تجمع قحت الحكومة الأولى، وحتى تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، تولّى مجلس السيادة ومجلس الوزراء مجتمعين سلطة التشريع، وأجازا قانون "تفكيك نظام الإنقاذ"، في تشرين الأول (نوفمبر) 2019، وتضمّن القانون حلّ حزب البشير السابق، حزب المؤتمر الوطني والهيئات التابعة له على كلّ المستويات، وشُكّلت لجنة إزالة التمكين وتفكيك نظام الإنقاذ، وبدأت عملها في ملاحقة كلّ من له صلة بالنظام السابق سياسياً واقتصادياً وووظيفياً.

رغم أنّ الجيش والدعم السريع انحازوا إلى الثوار، وكانوا هم من أطاح بالبشير، لكنّهم وقعوا في خطأ فضّ اعتصام القيادة العامة، والذي أجّج القوى الثورية ضدّهم

وبحسب الوثيقة الدستورية؛ كانت الفترة الانتقالية ستنتهي بعد 39 شهراً من تاريخ التوقيع عليها، على أن تُجرى الانتخابات العامّة، وتتسلم سلطة مُنتخبة الحكم، وجرى تمديد هذه الفترة بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام، في تشرين الأول (أكتوبر) 2020، لتبدأ فترة الـ 39 شهراً من تاريخ التوقيع على الاتفاق، وأُجريت عدّة تعديلات على الوثيقة لتضمين مستحقات الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق، في المؤسسات الانتقالية كافةً.

أخفقت المبادرات السياسية في علاج انقسام قحت

وتطبيقاً للتعديلات الجديدة، شكّل حمدوك حكومته الثانية في شباط (فبراير) 2021، وسبقها توسيع مجلس السيادة الانتقالي بضمّ حصة الحركات الموقعة على اتفاق جوبا، وفي 25 من شهر تشرين الأول (أكتوبر)، أعلن الجيش حلّ مجلس السيادة والحكومة وتجميد عمل لجنة إزالة التمكين، وتعليق العمل بعدة مواد في الوثيقة الانتقالية، وهي المتعلقة بمشاركة "قحت" في الفترة الانتقالية.

الانقسام الثوري

وجمعت "قحت" معظم القوى والأحزاب السياسية والأجسام التي شاركت في الثورة، وتأسّست لها هيئة تنفيذية باسم المجلس المركزي، بمثابة مكتب صناعة القرار باسم الثورة، لكنّه تحوّل إلى مصدر الأزمات داخل قحت، بسبب طريقة تشكيله وآلية اتخاذ القرار داخله، ويُعدّ أول إخفاق لقوى الثورة، إذ لم تُجرَ انتخابات لتشكيله، وخضع لهيمنة عدّة أحزاب صغيرة الحجم، ما أدّى إلى انسحاب أهمّ المكونات الثورية ذات الشعبية، منها: تجمّع المهنيين، والحزب الشيوعي، ولاحقاً حزب الأمة، وآخرون.

 

اقرأ أيضاً: ماذا يحدث في السودان؟

ومن تحكم في المجلس المركزي لقحت هو من تحكم في إدارة السودان بالشراكة مع العسكريين، وباتت الخلافات داخل قحت هي العنوان الأبرز في السودان على مدار أكثر من عامّ مضى، خصوصاً بعد انسحاب حزب الأمة، الذي شرع في تكوين تحالفات من الغاضبين على المجلس المركزي، وكوّن لجنة باسم "اللجنة الفنية لإصلاح قحت"، وكان هذا الانقسام الكبير الأول داخل قحت، وتشكلت حكومة حمدوك الثانية بالشراكة بين المجلس المركزي وحزب الأمة والحركات المسلحة والعسكريين، ومحاولةً منه لجمع صفّ الثورة، طرح رئيس الوزراء حمدوك مبادرة من سبع نقاط لإصلاح الفترة الانتقالية، وتبعها بطرح آلية لتنفيذ المبادرة، وكان من المفترض أن تجمع جميع الفرقاء السياسيين والقوى القبلية، خصوصاً في شرق البلاد والكيانات الثورية، ولم يحدث ذلك بسبب رفض قوى كثيرة لطريقة العمل، وعدم التشاور معهم من الأساس.

تدعم قحت – ميثاق التوافق إجراءات العسكريين

وتوصلت الأحزاب التي استمرت في المبادرة إلى إعلان سياسي جديد باسم "وحدة تحالف قوى الحرية والتغيير وقضايا الانتقال وبناء دولة المواطنة المدنية الديمقراطية"، ولم يكن في حقيقة الأمر سوى تقديم ترضية أعادت حزب الأمة القومي وعدّة قوى سياسية صغيرة للمجلس المركزي.

 

اقرأ أيضاً: السودان: هل ينذر التصعيد الأخير بين المدنيين والعسكريين بموجة صراع جديدة؟

ورفضاً لذلك، اجتمع قسم آخر من "قحت"، بقيادة قائد حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، وزعيم حركة العدل والمساواة، وزير المالية، جبريل إبراهيم، وقوى سياسية عديدة، وتوصلوا إلى إعلان سياسي باسم "ميثاق توافق وطني لوحدة الحرية والتغيير – الائتلاف الحاكم"، وبهذا انقسمت قحت إلى ثلاث مجموعات؛ قحت - إعلان وحدة التحالف، وقحت - إعلان ميثاق التوافق الوطني، وقحت - المنسحبين من المجلس المركزي، ويكتمل الصف الثوري بالأجسام السياسية من خارج قحت، والرافضة لأيّ تفاهم مع العسكريين من الأساس.

وكانت قحت - ميثاق التوافق هي من دعت إلى الاعتصام أمام القصر الجمهوري، وطالبت بحلّ حكومة حمدوك، وتحالفت مع المكوّن العسكري، ودعمت انقلاب "25 أكتوبر".

مخاوف العسكريين

ورغم أنّ قادة القوات المسلحة وقائد الدعم السريع، الفريق أول، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، على وجه الخصوص، محسوبون على النظام البائد، إلا أنّه بالإطاحة بالبشير باتوا يعبّرون عن مصالح مختلفة، فالجيش وجد نفسه أمام مسؤولية وطنية كبيرة، والدعم السريع يعبّر عن تكتل قبلي ومناطقي كبير ومصالح اقتصادية، ودون حكم أخلاقي، بات هؤلاء فاعلين في السودان الجديد، وعلى الجانب الآخر شاركتهم القوى الثورية في المشهد السياسي، ودخلت البلاد في ثنائية العسكريين والمدنيين.

قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول حميدتي

ورغم أنّ الجيش والدعم السريع انحازوا إلى الثوار، وكانوا هم من أطاح بالبشير، لكنّهم وقعوا في خطأ فضّ اعتصام القيادة العامة، والذي أجّج القوى الثورية ضدّهم، وهو أمر لم تستطع القوى الثورية تجاوزه، وظلت ذكرى فضّ الاعتصام السنوية حدثاً لتجديد الخطاب العدائي ضدّ الجيش والدعم السريع.

وشنّ الإعلام حملات شيطنة وسخرية ضدّ الجيش والدعم السريع بشكل خاص، وباتت كلّ مشكلة في البلاد يتمّ تحميلها لهما، وتصاعدت المطالب بنقل تبعية المؤسسات الاقتصادية لهما إلى وزارة المالية، وكان الثوار يتهمون هذه المؤسسات بعرقلة نموّ الاقتصاد، على الرغم من وجود تقديرات لحجمها بمبلغ مليار دولار فقط.

يشهد الشارع السوداني احتجاجات كبيرة رداً على الانقلاب العسكري، وأهمّ ما فقده السودان الجديد هو نهج مانديلا نفسه، الذي كان كفيلاً بطمأنة العسكريين، ومنع الوصول للصدام

وأهم أسباب مخاوف العسكريين كانت المطالبة الدائمة من السياسيين والثوريين بهيكلة الجيش وتفكيك الدعم السريع، وحين طرح حمدوك مبادرته ضَّمنها مادة عن مشاركة المدنيين في تلك المهمة، وردّ العسكريون بحزم ضدّ أيّ تدخّل للمدنيين في هيكلة الجيش، وزاد الخلاف حول ذلك بالتزامن مع انطلاق عمليات الجيش لتحرير الفشقة، والتي أشعرت الجيش بنكران تضحياته ودوره من قِبل الثوريين، وتكرر الأمر خلال مواجهة المخابرات لخلايا داعش في الخرطوم، إلى حدّ اتّهام معسكر الثوريين للعسكريين بتدبير هذه الأحداث، وكان لتصريح واشنطن مؤخراً بإشراك المدنيين في هيكلة القوات المسلحة أثراً سلبياً في هذا الخلاف.

 

اقرأ أيضاً: هذه رسالة البرهان إلى السودانيين بعد فترة التوترات... تفاصيل

وحين جرت المحاولة الانقلابية، مطلع الشهر الجاري، وصدّها الجيش، لم يوجّه أحد الشكر للجيش، بل زادت الحملات الإعلامية التي تنتقد وتشنع على العسكريين، وتدعو إلى مواجهتهم.

إلى جانب ذلك، هناك أسباب أخرى ذكرها العسكريون صراحةً، منها؛ إخفاق أداء الحكومة الاقتصادي، وسيطرة أربعة أحزاب على المجلس المركزي لقحت، والإخفاق في حلّ أزمة الشرق، وما وُصّف بتهديد الأمن القومي من قبل الساسة، وغير ذلك.

درس مانديلا الغائب

حين أصبح الزعيم الأفريقي الجنوبي، نيلسون مانديلا، رئيساً للبلاد بعد سقوط نظام الفصل العنصري، الذي أجرم بحقّ الأغلبية الأفريقية، لم يسع للتنكيل بخصومه، بل اتبع نهج "المصارحة والمصالحة"، والذي أدى إلى بناء سلّم اجتماعي، ورغم اختلاف السياق عن السودان، حيث لم يرتكب العسكريون جرائم سوى فضّ اعتصام القيادة العامة، إلا أنّ أهمّ ما فقده السودان الجديد هو نهج مانديلا نفسه، الذي كان كفيلاً بطمأنة العسكريين، ومنع الوصول للصدام الحالي، لكن بدلاً من ذلك سارعت قيادات الثورة، داخل الحكومة قبل خارجها، بشنّ حملات دائمة على العسكريين.

التتريس/ إغلاق الشوارع أحد أهم فعاليات الاحتجاج في السودان

والناظر لمشهد السودان الآن، بعد الانقلاب، يجد معسكرَين؛ عسكريون وقلة سياسية مقابل رفض شعبي كبير، على الرغم من أنّ معظم هؤلاء المحتجين كانوا يشاركون العسكريين السخط على المجلس المركزي لقحت وحكومة حمدوك، بسبب إخفاقها الكبير في معالجة الأزمات الاقتصادية الكبيرة، وكان التوصل إلى حلّ وسط بين حمدوك والعسكريين، دون مساس بالوثيقة الدستورية كفيلاً بعلاج الأزمة نسبياً، لكنّ تصلّب مواقف الطرفين حتم الصدام.

وبحسب الوثيقة الدستورية، كان من المفترض تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، كهيئة تشريعية للبلاد، بصلاحيات كاملة، والمحكمة الدستورية، ومفوضية مكافحة الفساد، والسلام، وغير ذلك من الهيئات التي عطل تشكيلها صراع القوى السياسية، التي اختلفت حول حصص كلّ منها، وربما لو كانت موجودة للعبت دوراً في عدم تفاقم الأزمة.

 

اقرأ أيضاً: احتجاجات السودان: هل يحاول فلول الإخوان الانقلاب على حكومة حمدوك؟

وإحدى خطايا الساسة هي الأزمة داخل قحت، والتي كانت العنوان الأبرز لكلّ مشكلات البلاد، منذ الإطاحة بالبشير، ولو نجحت قيادات الثورة منذ البداية في تأسيس هيئات تعبر عن جميع القوى الثورية، لكان موقفها أقوى في مواجهة أية أطماع عسكرية في السلطة، ولأنجز هؤلاء تشكيل الهيئات الانتقالية، ووضعوا البلاد على طريق البناء، بدلاً من استنزاف عامين ونصف في صراعات سياسية - سياسية، وسياسية - عسكرية.

ومن ضمن الهيئات التي كان تشكيلها كفيلاً بتهدئة الخلافات؛ مفوضية مكافحة الفساد، والتي كانت لتحلّ محل لجنة إزالة التمكين، التي تسببت في خلافات كبيرة بين السياسيين مع بعضهم، وبين العسكريين والسياسيين، وبين القوى الثورية والقوى القبلية، بسبب احتكارها سلطة القضاء والتشريع، إلى حدّ فصل القضاة وأعضاء النيابة العامة ومصادرة الأموال، وهو ما أشار إليه الفريق أول البرهان، خلال خطابه الثاني، أمس الإثنين.

ويشهد الشارع السوداني احتجاجات كبيرة، ردّاً على الانقلاب العسكري، وانتشرت في أحياء وشوارع الخرطوم المتاريس، ودعت القوى الثورية إلى العصيان المدني، وخلال الاحتجاجات لقي عدد من الأشخاص مصرعهم وأصيب آخرون خلال مواجهات مع القوى الأمنية والعسكرية.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية