هل اندلاع حرب مستقبلية بين أمريكا والصين أمر حتميّ؟

هل اندلاع حرب مستقبلية بين أمريكا والصين أمر حتميّ؟

مشاهدة

26/04/2022

ترجمة: محمد الدخاخني

تؤكّد الآثار المدمّرة للحرب في أوكرانيا، وشبح صراع نوويّ بين حلف شمال الأطلسيّ وروسيا، تنبّؤاً صدر مؤخّراً عن رئيس الوزراء الأستراليّ السّابق، كيفين رود. قال فيه: "إنّ عشرينيّات القرن الحادي والعشرين ستكون عِقد العيش بشكل خطير". ومع ذلك، لم تكن أوروبا تدور في ذهن رود عندما كتب تلك الكلمات. كان يشير، كما يشرح عنوان كتابه القادم، إلى ما يسمّيها "الحرب التي يمكن تجنّبها: مخاطر صراع كارثيّ بين الولايات المتّحدة والصّين في عهد شي جين بينغ".

هذا كتاب مهمّ. ورود، الذي يرأس الآن منظّمة "آسيا سوسايتي"، ومقرّها الولايات المتّحدة، يطرح حجّته بقوّة. على حدّ تعبيره: "ليس هناك وقت لنضيّعه. يكتسب القوميّون المُغَالون أرضيّة في سياسة كلا العاصمتين. ويسعى من يصفون أنفسهم بالواقعيّين، من أصحاب الأجندات القائمة على المواجهة، للتّأثير على سياسات الأمن القوميّ". وكما يرى؛ فإنّ الانخراط الإستراتيجيّ انتهى. يقول: "دخلنا حقبة جديدة مجهولة، حيث، حتّى الآن، لا توجد قواعد جديدة للطّريق. ولذلك، حان الوقت لصياغة بعض القواعد الجديدة قبل فوات الأوان".

ما تشترك فيه الولايات المتّحدة والصّين

كتب رود، وهو يتقن لغة الماندرين ويُعدّ باحثاً جادّاً في الثّقافة واللغة والتّاريخ الصّينيّين؛ أنّه على الرّغم من كلّ ما تشترك فيه الولايات المتّحدة والصّين؛ حبّ العائلة، والتّأكيد على التّعليم، وثقافة العمل الجادّ، والطّموح، في كثير من الأحيان بدا "كما لو أنّ الجانبين انتهى بهما الحديث إلى شيء أشبه بحوار الطّرشان". والأساسيّ لأي تحليل لكيفيّة تجنّب الحرب، وهي شيء قد يستمتع به بعض صقور الولايات المتّحدة، من دون أدنى شكّ، هو الفهم الصّحيح لوجهة نظر القيادة الصّينيّة، والتي هي أيضاً إلى درجة كبيرة وجهة نظر الصّينيّين.

اجتمع يانغ جيتشي من الصين وجيك سوليفان من الولايات المتحدة في روما، إيطاليا، الشهر الماضي

ربما كان رود واحداً من رؤساء الحكومات الوحيدين القادرين على إلقاء محاضرة بالّلغة الصّينيّة في جامعة بكين، لكنّه كان أيضاً زعيماً لواحدة من أقوى الدّول الحليفة لأمريكا. إنّه لا يقدّم الأعذار لأيّ من الجانبين. على الرّغم من أنّه يقول إنّ صانعي السّياسة في كلا البلدين في حاجة إلى فهم "بيئة الإدراك" في عاصمة كلّ بلد، فمن الواضح أنّ المشكلة تكمن في جانب من المحيط الهادئ أكثر من الآخر.

الولايات المتّحدة نظرت إلى زيارة نيكسون لبكين 1971 جزئيّاً على أنّها علاقة تحويليّة تحمل معها الهدف الأعمق المتمثّل في تغيير الطّبيعة الأساسيّة للصّين الشّيوعيّة نفسها

تصرّ الولايات المتّحدة على الاعتقاد أنّ مهمّتها لنشر المفاهيم الغربيّة لحقوق الإنسان والدّيمقراطيّة الّليبراليّة يجب أن يُنظر إليها دائماً على أنّها حميدة، وكذلك رغبتها، التي عبّرت عنها كثيراً في الماضي، في تبنّي الصّين مثل هذه القِيَم في وقت تصبح فيه الأخيرة أكثر ثراءً.

فقدان ذاكرة كامل

بصرف النّظر تماماً عن حقيقة أنّ بعض هذه القِيَم تُعدّ لعنة بالنّسبة إلى الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ، هناك أيضاً فقدان ذاكرة كامل حول تاريخ أمريكا مع الصّين، مثل مشاركتها فيما يسمّيه رود "الاحتلال الأجنبيّ الوحشيّ لبكين" بعد انتفاضة "البوكسر" عام 1900، والتي اضطّرت بعدها حكومة أسرة تشينغ إلى دفع مبلغ "يساوي ستّة أضعاف الدّخل السّنويّ للبلاط الإمبراطوريّ في ذلك الوقت" على مدى الأربعين عاماً التّالية. وقبل ما يقرب من عقدين من الزّمن، أقرّ الكونغرس الأمريكيّ "قانون الاستبعاد الصّينيّ"، الذي يتّضح موضوعه من عنوانه.

تمّ إرسال مئات الآلاف من العمّال الصّينيّين إلى الجبهة الغربيّة في المراحل الأخيرة من الحرب العالميّة الأولى لتعويض نقص القوى البشريّة لدى الحلفاء، على أساس أنّ الرّئيس الأمريكي آنذاك، وودرو ويلسون، كان يعني ما قاله عن التّقرير الوطنيّ للمصير. لكن بعد الحرب، تُركت مقاطعة شاندونغ التي كانت تحتلها ألمانيا تحت سيطرة اليابان، ورفض الحلفاء المنتصرون طلب الصّين بإلغاء المعاهدات غير المتكافئة التي أُجبرت على توقيعها مع القوى الاستعماريّة. تصرّفت أمريكا أيضاً بافتراض إمبراطوريّ في ذلك الوقت، ولم يتمّ نسيان العنصريّة التي أظهرها الغرباء.

كما كتب رود: "لا يمكن لأيّ شابّ أن يتخرّج من النّظام المدرسيّ الصّينيّ من دون التّعرّض للّافتة التي يُقال إنّها أقيمت في منطقة الامتياز الدّوليّ في شنغهاي في عشرينيّات القرن الماضي، والتي تُعلن "لا يسمح بدخول الكلاب أو الصّينيّين"".

على الرّغم من كلّ ما تشترك فيه الولايات المتّحدة والصّين؛ حبّ العائلة، والتّأكيد على التّعليم، وثقافة العمل الجادّ، والطّموح، لكن انتهى بهما الحديث إلى شيء أشبه بحوار الطّرشان

لا عجب أنّه عندما بدأ البلدان مساراً جديداً مع الزّيارة التّاريخيّة التي قام بها الرّئيس الأمريكيّ، ريتشارد نيكسون، إلى الصّين في عام 1971، كان لدى الجانبين توقّعات مختلفة. "منذ البداية، رأت بكين العلاقة كعلاقة تبادليّة" لتعزيز الأمن القوميّ والازدهار، في حين أنّ الولايات المتّحدة نظرت إليها جزئيّاً "على أنّها علاقة تحويليّة تحمل معها الهدف الأعمق المتمثّل في تغيير الطّبيعة الأساسيّة للصّين الشّيوعيّة نفسها".

محيط عدائي

إذا كان معظم النّاس في واشنطن قد استيقظوا الآن على هذا الواقع، فليس من الواضح عدد الذين يحاولون وضع أنفسهم في موقف الصّين، حيث يبدو المحيط البحريّ للصّين - المحاط بحلفاء الولايات المتّحدة كوريا الجنوبيّة واليابان والفلبين وأستراليا - "عدائيّاً بشكل كبير"، على حدّ تعبير رود.

رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفين رود: إنّ عشرينيّات القرن الحادي والعشرين ستكون عِقد العيش بشكل خطير

التّقارب ليس وارداً، وربما لم يكن وارداً قطّ. لكن رود محقّ في الإشارة إلى أنّ ما تسمّى بـ "مصيدة ثيوسيديدز"، التي تحدث عندما تبدو قوّة ناشئة مستعدّة لتحلّ محلّ المهيمن الحاليّ، تجعل الحرب محتملة، لكن ليست حتميّة. من بين عشرة سيناريوهات محتملة يرسمها لمستقبل العلاقات الصّينيّة الأمريكيّة، هناك خمسة فقط تتعلّق بصراع مسلّح. لكن خمسة سيناريوهات تُعدّ عدداً كبيراً للغاية بالنّسبة إلى أولئك الذين يرغبون في تجنّب ما يمكن أن يتحوّل إلى أكثر الحروب كارثيّة على الإطلاق.

لذلك، يقترح رود مخرجاً، إطار عمّل يسمّيه "المنافسة الإستراتيجيّة المُدارَة"، والتي تنطوي على "فهم واضح للخطوط الحمراء الإستراتيجيّة غير القابلة للاختزال لدى الطّرف الآخر"، وتسمح بالمنافسة الكاملة في القدرات العسكريّة والاقتصاديّة والتّكنولوجيّة، وتوفّر مساحة للتّعاون والاشتراك المثمرين في مجالات أخرى من أجل المنفعة المتبادلة والعالميّة.

كتب رود: "يحتاج البلدان إلى التّفكير في شيء يشبه الإجراءات والآليات التي وضعتها الولايات المتّحدة والاتّحاد السّوفيتيّ لتنظيم علاقاتهما بعد أزمة الصّواريخ الكوبيّة".

 هل سيكون ذلك صعباً؟ هل سيرفض كثيرون التّسويات التي قد تترتب على ذلك؟ هل ستُترك بعض المشكلات ليتمّ حلّها في وقت ما في المستقبل؟ نعم، نعم، نعم.

ومع ذلك، فإنّني أتّفق مع رود، الذي يقول: "أودّ أن أزعم أنّه لا يوجد شيء خطأ، ناهيك عن جبان، في ركل هذه العلبة (التي هي الحرب) بعيداً". والمكان والزّمان السّياسيّان أمران حيويّان للتّكيّفات التي ستكون ضرورية لتحسين العلاقات بين القوّتين العظميين. وبالنّسبة إلى أولئك الذين يقولون إنّ هذه المقاربة ساذجة، فإنّ رود لديه ردّ جيّد: "مسؤوليّتهم هي التّوصّل إلى شيء أفضل. وهو ما لم أره بعد".

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

شولتو بيرنز، ذي ناشونال، نيسان (أبريل) 2022


مواضيع ذات صلة:

مآلهما للحرب: هل تستطيع أمريكا والصين تفادي فخ ثوسيديدس؟

كيف تستغلّ الإستراتيجية الصينية قوة الولايات المتحدة؟

الصين تستبق "أمريكا بايدن" بتكتل تجاري آسيوي واسع... كيف يتعامل الرئيس؟

الصفحة الرئيسية