هل تخطط إثيوبيا لبيع المياه لمصر والسودان؟

هل تخطط إثيوبيا لبيع المياه لمصر والسودان؟

مشاهدة

12/04/2021

لم يكن تصريح المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، لقناة الجزيرة، حول بيع المياه لمصر والسودان مجرد زلة لسان، بل انكشاف لنوايا مبيتة في أزمة سد النهضة، خرجت إلى العلن في غفلة من أحد أفراد جناح الصقور في الخارجية الإثيوبية، الذي طالما أثار الجدل بتصريحاته الاستفزازية تجاه السودان ومصر، في قضيتي السدّ والفشقة.

اقرأ أيضاً: مصر ترفض مقترحاً إثيوبياً للملء الثاني لسد النهضة... ما هو؟

وتأتي التصريحات مع طرح المفاوض الإثيوبي بند إعادة تقاسم المياه مع مصر والسودان، لتؤكد أنّ هدف سدّ النهضة لم يعد توليد الكهرباء، بل التحكم في مياه النيل الأزرق، خاصة بعدما تكشف لإثيوبيا أنّ الآمال الاقتصادية للسدّ ذهبت أدراج الرياح؛ باستعادة السودان لأراضيه المحتلة في الفشقة، وحرمان إثيوبيا من زراعة مليوني فدان، وكذلك ما شهدته مصر من نهضة في قطاع الطاقة، وتوفر فائض في إنتاج الكهرباء لديها، وتصديرها للسودان وغيرها، ما قطع الطريق على أحلام تحوّل إثيوبيا لمركز إقليمي للطاقة، وهي الأحلام التي بُنيت على حسابات وتقديرات خاطئة، بحيث صار السدّ عبئاً على إثيوبيا، ولم يعد من مفر أمامهم سوى مناكفة مصر والسودان بواسطته، وإضفاء صبغة قومية عليه بعد سقوط أحلام الطاقة والزراعة في السودان.

ماذا قال دينا مفتي؟

في رده على سؤال لبرنامج "المسائية" على شاشة "الجزيرة مباشر" بخصوص بيع المياه بعد اكتمال السد، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي: "ما الذي يمنع؟ كل شيءٍ وارد، الفائض من المياه، والكهرباء أيضًا".

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي

ولتأكيد المعلومة، سأل أحمد طه مقدِّم برنامج المسائية المسؤول الإثيوبي: "لقد فهمت منك أنّكم ستبيعون المياه والكهرباء؛ فهل هذا صحيح؟"، ليجيب مفتي "بالتأكيد، ما المانع؟ إذا كانت هناك زيادة عن حاجتنا".

وبعد دقائق من الحلقة ذاتها، طلب مفتي المداخلة مرة أخرى وقال: "أنا لم أقل إننا سنبيع مياه السد، نحن ليس لدينا فائض -أصلًا- لبيعه، هذا للتوضيح"، وتابع أنّ أديس أبابا ليست لديها النية في بيع المياه.

ولفت مقدم البرنامج نظر المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية إلى أنّ مداخلته الأخيرة تتناقض مع حديثه قبل دقائق عن النقطة ذاتها، وسأله عن بواعث تغيُّر الموقف ما بين المداخلتين؛ فنفى مفتي أن يكون قد قصد بيع مياه السد، مشيراً إلى أنّه؛ ربما حدث سوء فهم في المسألة، على حد زعمه.

اقرأ أيضاً: السودان يتخذ هذا القرار ضد إثيوبيا بعد فشل مفاوضات سد النهضة

وفي سؤال مباشر بخصوص تقارير تشير إلى أنّ أديس أبابا ستبيع مياه السد إلى تل أبيب، امتنع مفتي عن التعليق قائلًا: "لا أود التعليق على هذه الجزئية".

وفي مداخلته الأولى مع برنامج المسائية، أشار مفتي إلى أن الدولة التي تملك الحصة الكبرى من المياه -والتي تنبع منها المياه- لديها الحق في توزيع المياه، واستدرك قائلًا: "لكننا لا نود أن ننتقص من حصة المصريين والسودانيين، نتحدث عن توزيع عادل".

وجاءت تصريحات مفتي، في اليوم الثالث من الشهر الجاري، أثناء انعقاد مفاوضات كينشاسا، في الكونغو، بين أطراف أزمة سدّ النهضة، برعاية الرئيس الكونغولي، الذي تتولى بلاده رئاسة الاتحاد الأفريقي، والتي انتهت بالفشل.

وتعليقاً على ذلك، قال الصحفي السوداني، عبد القادر الحيمي: "للآن لا توجد معلومات متوفرة عن نيتهم بيع الماء، لكن كل سلوكهم وتصرفاتهم ودعوتهم بتقاسم مياه الأزرق بين الدول الثلاثة، بهدف إنقاص حصص البلدين، وعدم اعترافهم باتفاقيات النيل تدل على نيتهم في بيع المياه، لتكون إثيوبيا لاعباً اقليمياً ودولياً".

وأضاف في حديثه لـ"حفريات"، أنّ تصريح دينا مفتي للجزيرة حول بيع المياه ثم تراجعه بدقائق يؤكد نيتهم بيع المياه.

ملكية نهر النيل

ويُردد المسؤولون في إثيوبيا مقولة إنّ "نهر النيل الأزرق ينبع من أراضيهم، وأمطار هطلت عندهم، ولذلك فهو ملكية خالصة لهم، ولا حقّ لدولتي المصب فيه"، ومنذ العام 2010 زادت وتيرة الدعاية المضادة لمصر في الإعلام الإثيوبي، بهدف حشد الشعب خلف مشروع سدّ النهضة.

وزراء خارجية دول أزمة سد النهضة في كينشاسا

ومن المؤكد أنّ مصر تتحمل مسؤولية عن تراكم العداء التاريخي، أو انعدام الثقة مع الشعب الإثيوبي، وكذلك الشعب السوداني، بدرجة أقل، نتيجة عقود من التعامل الآحادي مع القارة الأفريقية، دون انفتاح على الآخر، والمبادرة بمشاريع تنموية مشتركة، تقطع الطريق على تحوّل المشاريع التنموية إلى تهديد للأمن المائي المصري.

ويتطلب الحديث عن إثيوبيا التفرقة بين القوميات الإثنية وخطاب الدولة، فمقولة "إثيوبيا" تنطبق في المقام الأول على عرقية الأمهرا، التي حكمت البلاد تاريخياً، وتتصدر المشهد اليوم مع آبي أحمد، وهي العرقية التي تتبنى رؤية مركزية للدولة، تصهر فيها القوميات الأخرى بالقوة، وما كانت الحرب على تيجراي إلا بداية لتطبيق هذا المشروع، كوّن تيجراي هم القومية التي وضعت نظام الحكم الفيدرالي الإثني في البلاد، بعد الإطاحة بنظام منغستو الأمهري العسكري، عام 1991.

وتحدثت "حفريات" مع صحفي إثيوبي من إقليم تيجراي، حول احتمال بيع المياه، وذكر أنّ؛ مشروع السدّ كان الهدف منه توليد الكهرباء، لكن مع صعود آبي أحمد للسلطة، وسيطرة الأمهرا على الدولة، تغيرت الأهداف من السدّ.

ربما تكون نية إثيوبيا هي الحصول على حصة من النهر، وإعادة بيعها لمصر لتعويض ما اقتطعته منها، خاصة أنّ حصة المياه لا تكفي مصر

وأضاف؛ أنّ لدى الأمهرا مخططات توسعية لضم أراضي منبسطة، صالحة للزراعة إلى إقليمهم، وهو ما يفعلونه في بعض مناطق تيجراي، وأوروميا، وبني شنقول، وأراضي الفشقة السودانية، لأنّ مناطقهم جبلية، تتطلب مجهود أكبر في زراعتها، وبدلاً من الاجتهاد، يضعون أيديهم على أراضي الغير.

وأشار المصدر التيجراوي، إلى أنّ معظم مياه النيل الأزرق تنبع من هضاب في إقليم أمهرا، حيث المناطق الأعلى ارتفاعاً في إثيوبيا، ولذلك يرون أنّ النيل ملكهم، وألا حقّ لمصر والسودان فيه، لكنّهم لا يستطيعون الاستفادة من النيل الأزرق في الري، بسبب طبيعة الأرض الجبلية، والانحدار الشديد للمجرى، وصولاً إلى الأراضي المنبسطة في بني شنقول ثم السودان ومصر.

اقرأ أيضاً: فشل مفاوضات سد النهضة... ومصر ترد على إثيوبيا

وبالعودة إلى قبل تحرير الفشقة السودانية، استوطن الأمهرا الفشقة لمدة عقود، بعد أنّ انسحب الجيش منها بأوامر نظام البشير المخلوع، ودخلت العصابات الأمهرية المنطقة، وطردت المزارعين السودانيين، وأنشأت مستوطنات زراعية عسكرية، ثم أدعوا أنّ الفشقة أرض إثيوبية، وهي التصريحات التي ترددها الخارجية الإثيوبية، أو الأمهرية إنّ جاز القول.

وبحسب مصادر متنوعة من بني شنقول وتيجراي، ومن السودان؛ فالوعي الجماعي الأمهري يؤمن بأنّ؛ الأراضي الإثيوبية وجيبوتي وإريتريا والسودان جزء من الأرض الإثيوبية، أو الأمهرية، فمصطلح إثيوبيا ذاته أمهري، ولهذا يرون أنّ الفشقة أرض إثيوبية.

هل من الممكن بيع المياه؟

حكمت الجغرافيا على نهر النيل الأزرق أنّ يمضي شمالاً ليصب في البحر المتوسط، ما يعني أنّ المسار الوحيد للمياه يجب أنّ يمرّ بالسودان ومصر، ولذلك فالحديث عن بيع المياه يستهدف مصر في المقام الأول، والسودان ثانياً.

رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان متفقداً جنوده في الفشقة

وذكر معلقون سودانيون؛ أنّ إثيوبيا تريد زراعة أراضي الفشقة، التي تبلغ مليوني فدان من أجود وأخصب الأراضي الزراعية في دول حوض النيل، مقابل تمرير حصة السودان من النيل الأزرق، بينما تريد بيع المياه لمصر، وذلك بطرحها إعادة تقسيم حصص إيراد النيل الأزرق، وهو الأمر الذي رفضت مصر والسودان النقاش حوله، بأي شكل.

اقرأ أيضاً: إثيوبيا تخبر أمريكا بالملء الثاني لسد النهضة... كيف ستتصرف مصر والسودان؟

وعلى فرض قيام إثيوبيا بملء بحيرة سدّ النهضة، التي تبلغ 74 مليار متر مكعب، وفق ما يحلو لها، دون ردّ فعل سوداني - مصري، وهو الأمر المستحيل حدوثه، فستتأثر السودان مباشرةً، وستتعرض للعطش، وانقطاع الكهرباء المولدة من سدودها على النيل الأزرق، وبوار الأراضي المروية فيها، بينما يمكن لمصر تحمل ذلك نسبياً، لوجود بحيرة ناصر، لكنّ مشكلة مصر الأولى هي فترات الجفاف، حيث تنقطع الأمطار في الهضاب الإثيوبية لسنوات، مثلما حدث في ثمانينات القرن الماضي.

لكنّ للوصول إلى مرحلة اضطرار مصر لشراء المياه من إثيوبيا، بفرض التحكم الإثيوبي المطلق في النهر، يتطلب ذلك وجود سدود إثيوبية أخرى على النيل الأزرق وروافده، تستطيع منع إيراد النيل الأزرق لسنوات، تكفي لأنّ تصبح بحيرة ناصر فارغة، وقتها ستضطر مصر لشراء المياه، وهو الأمر الذي لن تسمح بحدوثه في المقام الأول.

الصحفي السوداني عبد القادر الحيمي لـ"حفريات": تصريح دينا مفتي للجزيرة حول بيع المياه ثم تراجعه بدقائق يؤكد نيتهم بيع المياه

وربما تكون نية إثيوبيا هي الحصول على حصة من النهر، وإعادة بيعها لمصر لتعويض ما اقتطعته منها، خاصة أنّ حصة المياه لا تكفي مصر، وتضطر إلى إعادة تدوير 98% من حصتها، فضلاً عن حاجتها لزيادة مواردها المائية، لمواجهة النمو السكاني الكبير، ومتطلباته المائية والغذائية.

وكان وزير الري والموارد المائية المصري، محمد عبد العاطي، أكد في آخر ظهور إعلامي له، على رفض مصر القاطع للحديث حول إعادة تقسيم حصص المياه، مشيراً إلى أنّ الادعاءات الإثيوبية بانفراد مصر بحصة الأسد من مياه النيل لا أساس لها، ومؤكداً أنّ إثيوبيا تستفيد من حوالي 75 مليار مكعب من النيل الأزرق، في بحيرة تانا وعدد كبير من السدود على روافد النيل الأزرق، وحال اكتمال ملأ بحيرة سدّ النهضة، سيكون لديها مخزون يناهز 150 مليار متر مكعب من المياه.

الصفحة الرئيسية