هل من أفقٍ للتربية الإعلامية في مجتمعاتنا؟

هل من أفقٍ للتربية الإعلامية في مجتمعاتنا؟

مشاهدة

11/07/2021

بدأ مفهوم التربية الإعلاميّة يشقُّ في السنوات الأخيرة طريقاً صريحاً إلى مجتمعاتنا؛ حيث أخذت بعض الدول العربية بإدراجه كمادة تربوية في مناهج التعليم؛ إذ تهدف من وراء ذلك، وعلى حدّ قولها، إلى إعداد جيلٍ قادرٍ على التفكير النقدي، يمتلك حرية التفكير واتخاذ القرار، والانتقال بالفرد من الشخص المتلقي إلى الباحث عن المعلومة والصانع لها، بمعنى أن يمتلك الأفراد القدرة على تحليل الخطاب الإعلامي ونقده، خاصةً أنّ صناعة الإعلام وما يقف خلفها من أجندات تخدم أصحابها، تعتمد التضليل والتحايل لتسويق محتوياتها الماديّة والمعنويّة، وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: هل يمكن للتربية الإعلامية أن تجد لها أفقاً في مجتمعاتنا على ضوء عدمِ وضوحٍ مفاهيميّ شامل، يساهم في التأسيس لرؤية مشوشة أو مشوهّة للمعنى؟

مضمون التربية الإعلامية يتناغم مع مضمون التربية الحديثة، في بناء التفكير النقدي والمنطقي للفرد، وتأسيس وعيٍ مدنيّ يرتقي به إلى مصافي المواطنة

ولكي نتمكن من تفكيك هذا التساؤل سنعرّج على تاريخ نشوء التربية الإعلامية وتحديد مضمونها، فهذا المفهوم حديث التشكل نسبياً، حيث يعود تاريخ ظهوره لأواخر ستينيات القرن المنصرم، وبحسب "فهد عبد الرحمن الشميمري" في كتابه "التربية الإعلامية"، بدأ من خلال دراسة إمكانية استخدام أدوات الاتصال ووسائل الإعلام كوسيلة تعليمية تحقق منافع تربوية ، وبحلول السبعينيات تحوّل إلى مشروع دفاع، يهدف إلى حماية الأطفال والشباب من المخاطر التي استحدثتها وسائل الإعلام، بينما في السنوات الأخيرة بالإضافة لكونه مشروع دفاع أصبح مشروع تمكين، يهدف إلى إعداد الشباب لفهم الثقافة الإعلامية، وحسن الانتقاء والتعامل معها، والمشاركة فيها بصورة فعالة ومؤثرة.

اقرأ أيضاً: ما العلاقة بين غياب التربية الجنسية والعنف ضد المرأة؟

وقد عرّفت منظمة اليونسكو التربية الإعلامية بأنها "الكفاءات الأساسية التي تتيح للمواطنين التعامل مع وسائل الإعلام على نحو فعّال، وتطوير الفكر النقدي ومهارات التعلم مدى الحياة، في سبيل تنشئة اجتماعية تجعل منهم مواطنين فاعلين"، وكون التربية الإعلاميّة مجالاً خصباً لتفعيل مهارات التفكير "مهارة التفكير الناقد، ومهارة اتخاذ القرار، ومهارة حلّ المشكلات، وتعزيز الثقة بالنفس والروح الإيجابية، والتعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة"، فقد اعتبرتها اليونسكو جزءاً من الحقوق الأساسيّة لكل مواطن، فهي ترى أنه "من الواجب إعداد النشء للعيش في عالم سلطة الصورة والصوت والكلمة، للحفاظ على حقوق الإنسان، وإشاعة التوجه الديمقراطي، وحرية تدفق المعلومات للمجتمع، وإيجاد نقد نوعي".

اقرأ أيضاً: التربية الأخلاقية الفعالة ومحو الأمية العاطفية

من الواضح أنّ مضمون التربية الإعلامية يتناغم مع مضمون التربية الحديثة، في بناء التفكير النقدي والمنطقي للفرد، وتأسيس وعيٍ مدنيّ يرتقي به إلى مصافي المواطنة، كما أنّ هذا الوعي سيجنّب الأفراد الانحرافات النفسيّة والاجتماعيّة التي تُعدّ عاملاً حاسماً في إنتاج العنف والتطرّف، ولكن هذا التناغم يتناقض مع طبيعة بناء مجتمعاتنا تناقضاً صريحاً؛ فالدول التي تدّعي أنها تسعى من خلال التربية الإعلامية لحماية أفرادها من المحتوى الإعلامي القائم على العنف، ومن المحتوى القائم على الإثارة الجنسية، ومن الإدمان على تقنيات التواصل، ألا يجدر بها أن تلتفت أولاً إلى العنف القائم في الواقع، تربوياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ودينياً؟ وأن تعيد النظر في استنكارها وتهميشها للتربية الجنسية، والأدوار التمييزية التي تكرسها بناءً على أساس نوع الجنس؟ ثم أن تبحث في الجذور العميقة التي جعلت الفرد يستبدل العالم الواقعي بالعالم الافتراضي ويتمترس خلف حدوده؟

اقرأ أيضاً: أين المشكلة.. في التعليم المختلط أم في أنماط التربية؟

فمن خلال مراقبة ما يحدث من حولنا، يجعلنا نجزم أنّ المحتوى الإعلامي ساهم عالمياً في تزايد العنف، ولكن بالتأكيد هو لم يأت من العدم، وهذا ما يجعلنا نستحضر سؤال هتلر لكوبلز: كيف أصنع مجتمعاً يصدّقني؟ فأجابه كوبلز: أعطني إعلاماً بلا ضمير أخلق لك مجتمعاً جاهلاً. فما يعاني منه الفرد من مشاعر عدوانية وممارسة العنف بكافة أشكاله، ومن الأمراض النفسية وتبلد الأحاسيس والمشاعر والاغتراب، ومن خنق الإبداع واستنزاف الطاقات، والقلق والخوف وفقدان الأمان، كل ذلك تقف وراءه سياسات قمعية مسؤولة عن تفشيه واقعياً، ومن ثم يأتي احتكار وسائل الإعلام وتوجيه محتواها، لخدمة أهدافها وضمان بقائها واستمرارها.

اقرأ أيضاً: لسان حال التربية الدينية في مجتمعاتنا: الطفل كالعجينة ..ما الخبز الذي ننتظره؟

فكيف للتربية الإعلامية أن يكون لها دور فاعل في ظل تنشئة قمعية تعطّل الجانب النقدي والتحليلي للأفراد؟، أو بتعبير "مصطفى حجازي" في كتابه "الإنسان المهدور" "تقمع العفوية والإبداع والانطلاق والحيوية لدى الأفراد، التي تعمل على تدجينهم وقمقمة طاقاتهم الحيوية في قوالب جامدة، ووضعية تبعية طفلية وسلوكات امتثال". فأن تخلق التربية الإعلامية فرداً ناقداً مفكراً، له صوته وحرية رأيه ومساحة تعبيره وصاحب قرار، وفي المحصلة ذو توجه ديمقراطي، فهذا ما ينافي تماماً سلطات القمع والتخويف والسيطرة، فمنشور واحد على مواقع التواصل ينقد أداء هذه السلطات ومن أيّ جانبٍ كان، يمكن أن يتحوّل إلى جريمة إلكترونية التي يُعاقب عليها بالسجن أو الفصل من العمل أو حتى قد يصل إلى التصفية الجسديّة.

التربية الإعلاميّة سواءً في مجتمعاتنا أو خارجها، هي خطوة متممة لخطوات كثيرة تسبقها، أو تسايرها

 بالتالي إنّ هذه المحاولة في التأسيس لوعي نقدي يمكن أن ترعاه التربية الإعلامية، يتناقض مع طبيعة السلطة التي تحكم الكثير من مجتمعاتنا وغيرها من المجتمعات، وهذا ما سيجعلها تعمل على حرف التربية الإعلاميّة عن مسارها أو خلطها في وصفات عقائدية مركّبة، تحافظ من خلالها على اسثماراتها في التحايل على العقل وتضليله؛ أي تجعلها تربية إعلامية مقولبة، تضمن تسلّطها وهيمنتها، مما سيفرغ التربية الإعلاميّة من معناها، ولن تتعدى كونها حبراً على ورق يزيّن جدران محافلها، كما الكثير من العناوين العريضة.

كل ما سبق يشير إلى أنّ التربية الإعلاميّة سواءً في مجتمعاتنا أو خارجها، هي خطوة متممة لخطواتٍ كثيرةٍ تسبقها، أو تسايرها، بمعنى أنّ الثمار التي يمكن أن نجنيها من هذه الخطوات تتوقف على تكامل أدوار التربية؛ فالتربية الإعلامية تتطلب تربية ديمقراطية، لبناء القدرات على انتقاد القولبة والقيم المسيطرة والإيديولوجيات بحسب "دوغلاس كيلنر وجيف شير"، في محاضرة بعنوان "نحو تربية إعلامية نقدية"، وهذا بدوره يعيدنا إلى المشكلة الأولى، فالمنطق الذي يدير العالم، والذي يضع المصالح الخاصة فوق المصلحة الإنسانيّة العامّة، سيشكّل تهديداً مستمراً للوجود البشري وارتقائه.

الصفحة الرئيسية