هل يؤجج الانقلاب في مالي الصراع بين روسيا وفرنسا؟

هل يؤجج الانقلاب في مالي الصراع بين روسيا وفرنسا؟

مشاهدة

17/06/2021

تحتدم المزاحمة الروسية لفرنسا على النفوذ في منطقة غرب أفريقيا، وتستفيد روسيا من السخط الشعبي المتزايد على الوجود الفرنسي الذي ارتبط لعقود بالاستعمار، ثمّ بدعم الحكم الاستبداديّ، الذي ضمن مصالح باريس على حساب التنمية للشعوب التي تعاني من أوضاع معيشية وأمنية صعبة.

وفي مالي جاءت إطاحة عسكريين الرئيسَ الموالي لفرنسا، إبراهيم كيتا، لتفتح الباب أمام موسكو للدخول إلى المنطقة التي ظلّت لعقود منطقة نفوذ فرنسية مغلقة، ويستفيد الروس من إرث الحقبة السوفييتية، التي تبنّت سياسة ذات بعد إنساني كبير تجاه الدول النامية في عالم ما بعد الاستعمار، وكذلك يتطلع العسكريون الذين يمسكون بالسلطة إلى الدعم الروسي، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، بعد عقود لم تقدم فرنسا والغرب فيها شيئاً للبلاد.

الانقلاب الثاني

في 24 من شهر أيار (مايو) الماضي؛ نفّذ قادة الانقلاب العسكري في مالي انقلاباً آخر على الرئيس والحكومة الانتقاليين، عقب إجراء الحكومة لتعديل وزاري أطاح وزيرَين من العسكريين المحسوبين على قادة الانقلاب، الذين أطاحوا الرئيس السابق، إبراهيم أبو بكر كيتا (ابيكا)، في آب (أغسطس) العام الماضي، بعد احتجاجات وصدامات دامية بين السلطة والحراك الشعبي، الذي قاده تحالف "M5" ورجل الدين الإمام محمد ديكو.

العقيد أسيمي غويتا يؤدي اليمين الدستورية رئيساً لمالي

واعتقل الجيش الرئيس الانتقالي باه نداو ورئيس حكومته مختار وان، ونصِّب قائد الانقلاب، العقيد أسيمي غويتا، رئيساً للبلاد، وأدّى اليمين الدستورية كرئيس انتقالي، في السابع من الشهر الجاري، وبعث برسالة طمأنة للرأي العام الداخلي والشركاء الخارجيين، متعهداً باحترام حكومته بإجراء "انتخابات ذات مصداقية ونزيهة وشفافة"، في شِباط (فبراير) العام المقبل، لكن من المحتمل أن يؤجّل غويتا الانتخابات؛ إذ كانت نيته مرحلة انتقالية من ثلاثة أعوام قبل أن يقبل بمرحلة لعام ونصف بعد ضغوط المجتمع الدولي.

تعيين كوكالا مايغا على رأس الحكومة المالية يكشف عن توجهات سياسية تسعى للإفلات من الهيمنة الفرنسية عبر البحث عن شركاء دوليين جدد خصوصاً روسيا والصين

وشغل غويتا منصب نائب الرئيس المعزول، باه نداو، لشؤون الأمن، وحول أسباب الانقلاب الثاني، يقول الناشط السياسي المالي، عبد الله سيدبي؛ إنّ سبب الإطاحة بالرئيس نداو وحكومته هو فصل أعضاء المجلس العسكري وأقربائهم من الحكومة، وقد صرّح بذلك غويتا أثناء لقائه مع المجلس الأعلى الإسلامي في القصر الرئاسي، بالقول: "كنا على وشك أن نشهد إطلاق نار بين أفراد الجيش، لأنّنا غامرنا بأرواحنا للإطاحة بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، ولما فُصل العقيدان كاد أن يحدث انشقاقاً في صفنا، فقمنا بهذا منعاً للانشقاق في صفّ الجيش).

وفي السياق ذاته، يرى أستاذ القراءات القرآنية المالي، محمد مايغا بن حبيب الله، أنّ هناك حالة من التفاؤل والخوف تسود الشارع المالي بعد الانقلاب الثاني الذي يحظى برضا شعبي نتيجة إخفاق الرئيس نداو في إجراءات إصلاحية ومكافحة الفاسدين من النظام السابق، وهي المبررات التي رفعها العقيد غويتا لإطاحة السلطة الانتقالية.

مظاهرات مؤيدة لغويتا في العاصمة باماكو

وأضاف الأكاديمي حبيب الله، لـ "حفريات"؛ التفاؤل يأتي من شعور الشعب بوجود رؤية لدى غويتا لإصلاح الأحوال المتردية، إلى جانب تولي أحد قادة حراك M5 رئاسة الحكومة.

وعقب ساعات من حلف غويتا اليمين الدستورية رئيساً للبلاد، عيّن زعيم المعارضة والوزير السابق، شوغويل كوكالا مايغا، رئيساً للوزراء، وهو أحد زعماء مجموعة "M5" التي قادت الحراك الشعبي ضدّ الرئيس السابق كيتا، وتربطه علاقة جيدة برجل الدين البارز الإمام محمود ديكو.

الحضور الروسي

ويبدو الصراع الفرنسي الروسي حاضراً بقوة في المشهد المالي، ويأتي ضمن سياق أكبر من الصراع بين الدولتين على النفوذ في غرب أفريقيا، بعد أن نجحت روسيا في تحقيق اختراق كبير في جمهورية أفريقيا الوسطى بدعم الحكومة ضد المتمردين الذين يحظون بدعم فرنسي، وكذلك في تشاد التي دعمت فيها روسيا المعارضة المسلحة التي هاجمت شمال البلاد انطلاقاً من الأراضي الليبية، وقضت على الرئيس إدريس ديبي في المواجهات العسكرية.

ولم يكن إطاحة رئيس الوزراء السابق، مختار وان، عضوَي المجلس العسكري؛ وزير الدفاع العقيد ساجو كمارا، ووزير الأمن الداخلي، العقيد موديبو كوني، بعيدة عن الصراع السابق؛ لأنّ الرجلَين محسوبان على المجلس العسكري الذي يضمّ مناوئين في الجيش لفرنسا، ويحظى بدعم سياسي وشعبي كبير يجمع على رفض النفوذ الفرنسي.

أستاذ القراءات القرآنية المالي، محمد مايغا بن حبيب الله

فضلاً عن ذلك؛ ذكر الأكاديمي المالي حبيب الله، أنّ مختار وان عارض خطط المجلس العسكري لتقوية العلاقات مع موسكو، والاستعانة بها في تسليح الجيش ومساعدة البلاد اقتصادياً، ولذلك أطاح العقيد غويتا السلطة الانتقالية، ونصّب كوكالا مايغا، المعروف بعدائه الشديد لفرنسا، رئيساً للوزراء.

وذكر حبيب الله؛ أنّ مقربين من المجلس العسكري ذكروا لوسائل إعلام أنّ فرنسا اعترضت على تعيين كوكالا مايغا على رأس الحكومة لكنّ العسكريين أصروا عليه، وهو ما زاد من رصيدهم في الشارع كونهم قادرين على تحدّي فرنسا.

الأكاديمي المالي محمد مايغا بن حبيب الله، لـ "حفريات": الذين يلوّحون بقدوم روسيا واقعون في مقارنة مغلوطة؛ فروسيا التي يحنّون إليها لم تعد موجودة

ومن جانبه، أشار الناشط السياسي عبد الله سيدبي، في حديثه لـ "حفريات"، إلى استثمار العسكريين للغضب الشعبي ضدّ فرنسا، وترويجهم لقرابتهم من روسيا، إلى جانب يأس الشارع من الطبقة السياسية، لكن رغم ذلك فهناك شكوك شعبية من أطماع العسكريين في السلطة وتخوفات من التزامهم بموعد الانتخابات المقبلة.

ويعدّ كوكالا مايغا من أشدّ المعارضين لاتفاق الجزائر مع المتمردين الأزواد في شمال البلاد، والذي وقعته الحكومة بوساطة الجزائر، عام 2015، وبحضور الولايات المتحدة وفرنسا، وهو اتفاق يلقى معارضة كبيرة في أوساط الشارع المالي والجيش.

ويأتي تعيين كوكالا مايغا على رأس الحكومة ليكشف عن توجهات سياسية تسعى للإفلات من الهيمنة الفرنسية عبر البحث عن شركاء دوليين جدد خصوصاً روسيا وبشكل أقل الصين.

الناشط السياسي عبد الله سيدبي

ويحذر الأكاديمي المالي محمد مايغا بن حبيب الله من التعويل الكبير على الروس، ويقول في حديثه لـ "حفريات": "لا نريد تبديل استعمار بآخر، فنحن تعبنا من عبودية فرنسا، ولا نريد تجربة عبودية أخرى، والذين يلوحون بقدوم روسيا واقعون في مقارنة مغلوطة؛ فروسيا التي يحنّون إليها لم تعد موجودة، ففي الماضي كانت علاقات الدول تبنى على أسس إنسانية أكثر من المصالح، لكن اليوم المصالح هي الجانب الأكبر".

اقرأ أيضاً: التدخل الفرنسي في مالي: مَن نهب الذهب والماس؟

وشكّك في قدرة روسيا على حلّ الأزمة في مالي، لكنّه لفت إلى إمكانية توظيف العلاقات معها ومع غيرها من الدول، مثل الصين، كسلاح لتهديد فرنسا لإجبارها على تقديم تنازلات، والاستفادة منها في تسليح الجيش إذا صحّ زعم العسكريين بأنّ فرنسا تقيد التسليح له.

وحذّر حبيب الله من مغبة الوقوع في فخّ التجاذبات الدولية بين القوى الغربية والروس، فالبلاد لا تحتمل مثل هذه التجاذبات التي ستزيد من أزمة التمرد المسلح، إلى جانب أنّ التدخل الروسي لم يحلّ أزمات الدول، كما هو الحال في سوريا.

ازدواجية فرنسا

وردّاً على الانقلاب الثاني، أعلنت فرنسا تعليق العمليات المشتركة في مالي، حتى تتلقى ضمانات بشأن عودة الحكم المدني. وقال بيان وزارة القوات المسلحة الفرنسية؛ "في انتظار هذه الضمانات قرّرت فرنسا تعليق العمليات العسكرية المشتركة مع القوات المالية كإجراء مؤقت"، ولفت البيان إلى استمرار عمل القوات الفرنسية بشكل مستقل.

ولن تغادر قوة "برخان"، المؤلفة من خمسة آلاف عنصر، والتي تنشط في العديد من بلدان الساحل الأفريقي، قواعدها لشنّ عمليات في مالي حتى إشعار آخر، وإن كانت ستواصل استهداف قادة جهاديين إذا سنحت الفرصة.

عارضت فرنسا تعيين شوغويل كوكالا مايغا على رأس الحكومة الجديدة

وكان الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) قد علّقا عضوية دولة مالي في المنظمتين، ردّاً على الإطاحة بالرئيس نداو ورئيس حكومته مختار وان، وطالب مجلس الأمن الدولي والشركاء الدوليون السلطة الجديدة بالالتزام بموعد الانتخابات المقررة مطلع العام الجاري، مع الالتزام بعدم ترشح القادة الحاليين فيها.

اقرأ أيضاً: لماذا غيرت باريس موقفها من الحوار مع الجهاديّين في مالي؟

وزاد موقف باريس المتشدد من الانقلاب الثاني السخط في غرب أفريقيا عليها، خاصّة أنّ موقفها جاء متناقضاً مع ما تدعو إليه؛ إذ سبق أن دعمت الانقلاب العسكري في تشاد، الذي قاده الجنرال محمد كاكا، نجل الرئيس السابق، إدريس ديبي، والذي أعلن حلّ الحكومة والبرلمان وتعليق الدستور، ومرحلة انتقالية مدّتها 18 شهراً.

وأقدم كاكا على ذلك بدعم فرنسي قوي لمنع تسليم السلطة إلى رئيس البرلمان، كما ينصّ الدستور التشادي، وزار ماكرون تشاد لحضور تشييع جثمان ديبي، ومساندة المسار الانتقالي في البلاد.

الرئيس الفرنسي ماكرون في زيارة لقوة برخان في تشاد

وشهدت مالي أربعة انقلابات عسكرية منذ استقلالها عن فرنسا؛ الأول عام 1968، حين قاد موسى تراوري انقلاباً عسكرياً، وأطاح بالرئيس الأول موديبو كيتا، وفي عام 1991؛ أطاح قائد سلاح المظلات، حامادو توماني توري، بالرئيس تراوري، وسلمّ توري السلطة إلى المدنيين، وأصبح رئيساً للجمهورية عبر الانتخابات في 2002.

وفي عام 2012؛ أطاح انقلاب عسكري بتوري، وجرى تسليم السلطة إلى المدنيين، وانتُخب الرئيس إبراهيم كيتا، عام 2013، وأطاح به الجيش في 18 آب (أغسطس) 2020.

الصفحة الرئيسية