هل يثني سلاح الميليشيات مصطفى الكاظمي عن محاولة الإصلاح

هل يثني سلاح الميليشيات مصطفى الكاظمي عن محاولة الإصلاح

مشاهدة

27/07/2020

تتعمّق الشكوك في العراق، بشأن تمكّن السلطات من وضع حدّ لعمليات الاختطاف والاغتيال التي لا ترتبط فقط بفوضى السلاح السائدة في البلاد، لكنّ لها علاقة وثيقة بخلفيات وأهداف سياسية لجهات قوية ونافذة تعمل على توجيه دفّة الحكم وسلطة اتّخاذ القرار في البلاد وفق أجندة معيّنة تتجاوز حدود البلد إلى إيران المجاورة.

وتشكّك مصادر سياسية عراقية في إمكانية إجراء تحقيقات مهنية ومستقلة في جرائم الاغتيال التي استهدفت وجوها ذات تأثير اجتماعي وسياسي غير مرغوب فيه من قبل أحزاب وميليشيات شيعية معروفة بولائها لإيران، وآخر تلك الجرائم اغتيال الخبير الأمني هشام الهاشمي المقرّب من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مطلع شهر يوليو الجاري أمام منزله في منطقة زيونة بالعاصمة العراقية بغداد.

لكنّ خشية بعض الأوساط العراقية المنادية بوضع حدّ لفوضى السلاح والحدّ من تغوّل الميليشيات وضمان أمن الجميع بما في ذلك النخب الفكرية والسياسية، لا تتوقّف عند إهمال القضية وطي صفحتها من دون الكشف عن الجهات الأصلية التي وقفت وراء الجريمة واستفادت منها، بل تتعدّى ذلك إلى توقّع حدوث تأثير عكسي لعمليات الاختطاف والاغتيال، بأن ينجح مخطّطوها ومنفّذوها في ترهيب المجتمع والسلطة ودفع الحكومة إلى تجنّب اتخاذ أي قرارات وتنفيذ سياسات لا تريدها الأحزاب والميليشيات ذات الأجندات الخاصّة والأهداف المختلفة عن أهداف العراقيين في تحقيق استقلال القرار الوطني ومحاربة الفساد وبسط الأمن والاستقرار وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيّئة.

وورد في تقرير لصحيفة واشنطن بوست أنّ اغتيال الهاشمي تسبب في إحداث صدمة في صفوف الحكومة العراقية وكشف مخاطر المواجهة مع الميليشيات المدعومة من إيران.

وذكرت الصحيفة الأميركية أن العديد من مستشاري رئيس الحكومة العراقية فوجئوا باغتيال الهاشمي المقرب من مصطفى الكاظمي على اعتبار أن أعمال العنف يمكن أن تصل إلى درجة قريبة من المحيطين برئيس الوزراء. وقالت إنّه على الرغم من تعهد الكاظمي بكبح جماح الميليشيات، إلاّ أنه لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيجرؤ على المضي قدما في ما يتعلق بمقتل الهاشمي.

وأضاف التقرير الذي حمل عنوان “مقتل أحد المقربين من الحكومة العراقية يكشف مخاطر المواجهة مع الميليشيات المدعومة من إيران” وحمل إمضاء كل من لويزة لوفليك ومصطفى سليم “بينما تجري تحقيقات في الحادث للقبض على القتلة، يقول مساعدو الكاظمي وحلفاؤه السياسيون إن تحديد الجهة التي أعطت أوامر اغتيال الهاشمي ربما تفجر الوضع السياسي في البلاد بشكل كبير”.

ولخصّ أحد مستشاري الكاظمي الوضع بالقول للصحيفة إن رئيس الوزراء “يريد إحقاق العدالة لكن يداه مكبلتان”، مضيفا أن “فتح تحقيق شامل في سبب حدوث ذلك هو ببساطة أمر خطير للغاية على أي رئيس وزراء هنا”.

وأصبح للعراق خلال السنوات التي تلت سقوط نظام حزب البعث على يد القوّات الأميركية، سجلّ حافل بالاغتيالات التي جرت العادة بأن تطوى ملفاتها وتُقيّد ضد مجهول. وخلال الانتفاضة العارمة التي تفجّرت خريف العام الماضي وكان من الشعارات المرفوعة فيها إسقاط النظام الفاسد وفك الارتباط مع إيران، كان سلاح الاختطاف والاغتيال من أمضى الأسلحة لتحييد الوجوه البارزة والقيادية في تلك الانتفاضة. ورغم أن الفاعل شبه معروف بشكل مؤكّد وهو الميليشيات الشيعية، فلم تتم إلى حدّ الآن معاقبة قتلة ناشط مثل فاهم أبوعلي الطائي الذي قتل بالرصاص في ديسمبر الماضي أمام فندق في مدينة كربلاء. والفاهم هو أحد من يتم ذكرهم على سبيل المثال لا الحصر.

وبشأن تأثير حادثة اغتيال الهاشمي على أعضاء الحكومة العراقية قال المحرّران في الواشنطن بوست “إنّ مساعدين سياسيين للكاظمي بدأوا يتساءلون بصوت عال أي منا سيكون التالي، في وقت اختفى كثير منهم وأحجم عن الظهور على التلفزيونات وغادر آخرون بغداد، والذين هم موجودون في الخارج قالوا إنهم لن يعودوا لفترة من الوقت”.

ويقول مساعد آخر للكاظمي إن “اغتيال هشام كان بمثابة رسالة وصلت للجميع”، مضيفا “لقد تأكّد للجميع أنه بغض النظر عن مدى قربك من السلطات يمكن للميليشيات الوصول إليك دائما”.

إلى أي مدى سيجرؤ الكاظمي على المضي قدما في كبح سلاح الميليشيات

وعلى هذه الخلفية يشكّك مساعدون سياسيون للكاظمي ومراقبون لأوضاع حقوق الإنسان في ما يمكن أن تصل إليه التحقيقات في مقتل الهاشمي. وقال العديد من الحلفاء السياسيين لرئيس الوزراء إنهم يتوقعون أن يقتصر الأمر على محاكمة جنائية للمسلح الذي نفذ عملية الاغتيال، من دون الإشارة إلى الجهة التي أعطت الأوامر ودوافعها.

ونقلت الصحيفة عن صحافي عراقي مقيم في إقليم كردستان يدعى عزيز الربيعي القول “اعتقدنا أن الأقلام والأصوات المعارضة للميليشيات كانت بداية جديدة. وأظهر اغتيال هشام أن الدولة العراقية وقانونها مجرد حبر على ورق”. وتعليقا على التقرير، تساءل مصدر سياسي عراقي، طلب عدم ذكر هويته لأسباب أمنية، إنّ كان رئيس الوزراء العراقي الحالي بصدد مهادنة الميليشيات التي تقوم دلائل قوية على ضلوعها في اغتيال الهاشمي، والابتعاد عن التصادم معها بعد أن وصلته رسائل التهديد المبطّنة عبر عملية الاغتيال.

وبحسب المصدر ذاته فإن تخلّي الكاظمي عن ضبط سلاح الميليشيات وتحجيم دورها بتقوية الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية، سيعني على مدى أبعد التخلّي عن أهداف جوهرية في سياسته تتمثّل في استعادة حدّ أدنى من سيادة القرار العراقي واستقلاليته عن دائرة التأثير الإيراني، وإرساء علاقات خارجية للبلد مختلفة عن تلك القائمة منذ 17 سنة وتقوم على التوازن والندية بدل رجوح الكفّة لمصلحة إيران.

واعتبر نفس المصدر أنّ ما تمخّضت عنه زيارة رئيس الوزراء الأخيرة إلى إيران تؤشّر إلى عدم تحقيق أي تقدّم باتجاه تصويب العلاقة غير الطبيعية بين العراق وإيران. إذ أنّ كبار القادة الإيرانيين لوّحوا في حضور الكاظمي بنيّتهم مواصلة اتّخاذ الأراضي العراقية مسرحا لتصفية الحسابات مع الولايات المتّحدة، كما كشفوا عن قرارهم الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع العراق، بل تمتينها برفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين، وكلّ ذلك في ظلّ عدم اعتراض من المسؤول الأول في السلطة التنفيذية العراقية، أو طرحه أفكارا مغايرة تكشف عن وجود تمايز بين برنامجه السياسي والتوجّهات الإيرانية.

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية