هل يكون خلاص إثيوبيا في إطاحة آبي أحمد؟

هل يكون خلاص إثيوبيا في إطاحة آبي أحمد؟

مشاهدة

01/07/2021

"بيدي لا بيد عمرو"؛ المثل العربي الذي لجأ إليه رئيس الحكومة الإثيوبية، آبي أحمد، عقب إدراكه أنّ هزيمة الجيش الفيدرالي وحلفائه في إقليم تيغراي باتت مؤكدة، فأعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد، مع دخول قوات جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، عاصمة الإقليم، مقلي، وغيرها من المدن.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تحذر من مجاعة في إقليم تيغراي الإثيوبي

ومثل كلّ حرب يتعرض فيها زعيم للهزيمة، جاء وقت الحساب لآبي أحمد، في ظلّ الواقع الجديد الذي فرضه انتصار جيش تيغراي (TDF). ويرى مراقبون أنّ هناك تغيرات كبيرة قادمة على مستويات عدّة، منها؛ مكانة آبي أحمد كرئيس للوزراء، وتحالفه مع إقليم أمهرا، والوضع السياسي الداخلي المضطرب في أقاليم أخرى، مثل أوروميا وبني شنقول، وتحالف آبي أحمد مع الرئيس الإريتري، والمقاربة الأمريكية - الغربية تجاه إثيوبيا، إلى جانب التأثير غير المباشر لهذا الوضع على مباحثات سدّ النهضة في الفترة المقبلة.

عملية الولا أبانغا

بعد ثمانية أشهر من دخول الجيش الفيدرالي الإثيوبي وحلفائه من الأمهرا وإريتريا الحرب ضدّ قوات جبهة تيغراي، في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أعلنت الحكومة الإثيوبية وقف إطلاق النار من جانب واحد، بعد أت تلقّت هزائم كبيرة خلال عمليات قوات تيغراي الأخيرة، التي انطلقت في 18 من حزيران (يونيو)الماضي، وحملت اسم "الولا أبانغا"، وتمكّنت خلالها من تصفية وأسر عدّة آلاف من قوات الجيش الإثيوبي والإريتري وميليشيات الأمهرا، ودفعتهم إلى الانسحاب من العاصمة، مقلي، التي دخلتها قوات تيغراي في 27 من الشهر الماضي.

صورة لأسرى الجيش الإثيوبي في تيغراي

وقال بيان الخارجية الإثيوبية حول وقف إطلاق النار؛ إنّ الحكومة استجابت لطلب من إدارة تيغراي المؤقتة لأسباب إنسانية، وبعد المشاورات مع الأكاديميين ومجتمع الأعمال والزعماء الدينيين والشيوخ من الإقليم.

وأضاف البيان؛ "تدرك الحكومة الفيدرالية أنّ سكان تيغراي، خاصّة أولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية، قد عانوا بشدة، وتعتقد الحكومة الفيدرالية أنّ التحدي الحالي في إقليم تيغراي يحتاج إلى معالجة سريعة نظراً لخطر الأزمة الإنسانية التي يواجهها شعبنا".

وكانت إدارة إقليم تيغراي المؤقتة، التي عينتها حكومة أديس أبابا، بعد أن أطاحت بالحكومة المنتخبة برئاسة دبرصيون جبر ميكائيل، فرّت من العاصمة مع الجيش الإثيوبي.

أمام إثيوبيا خيارين؛ إما تفككها في حال ظلّ آبي أحمد على عناده، أو إطاحته وفق تسوية شاملة للصراع، مثلما حدث عام 2018

وخلّف انتصار قوات تيغراي السريع ذهولاً كبيراً لدى المتابعين، خصوصاً بعد الانسحاب المفاجئ لهذه القوات مع بداية العملية العسكرية ضدّها، والذي فسّره مراقبون بأنّه انسحاب تكتيكي إلى المناطق الجبلية الوعرة، وانتقال إلى أسلوب حرب العصابات لتجنيب المدنيين الغارات الجوية، والتي كان آخرها غارة على سوق شعبي في مدينة توغوغا، راح ضحيته العشرات، وجلب انتقادات دولية واسعة على حكومة آبي أحمد.

ويقول الباحث في الأنثروبولوجيا والشؤون الأفريقية، خليل منون: "هزيمة القوات النظامية الإثيوبية يعود إلى ثقل حركتها مقارنة بقوات دفاع تيغراي الشبيهة بالميليشيا، إلى جانب تمتع التيغراي بخبرات عسكرية كبيرة، مكّنتهم من اختيار توقيت مناسب لشنّ كبرى عملياتهم العسكرية، وهو توقيت موسم الخريف؛ حيث موسم الأمطار في دول حوض النيل، الذي يتسبّب في صعوبة الحركة وقطع خطوط الإمداد، ما مكّنهم من إلحاق هزيمة كبيرة بقوات أديس أبابا وأسمرا، واجبرهم على وقف القتال، وهو ما أتاح للتيغراي ثلاثة أشهر، على الأقل، من وقف القتال؛ هي مدة موسم الأمطار.

الباحث في الأنثروبولوجيا والشؤون الأفريقية، خليل منون

وأردف منون، في حديثه لـ "حفريات"؛ تعتمد مناطق حوض النيل على موسم زراعي واحد، عبر الريّ المطري، وما لم يتوقف القتال فلن تكون هناك زراعة، بالتالي، ستحدث مجاعة في العام التالي، وهي تكلفة لا يستطيع الجيش النظامي الإثيوبي تحملها، خصوصاً أنّ حكومة أديس أبابا هي السلطة الشرعية المسؤولة أمام المجتمع الدولي عن سلامة المدنيين.

ويرى منون؛ أنّ قوات تيغراي استغلت هذه المعادلة السابقة في فرض توقيت معركتها الكبرى، التي حققت لهم هدنة كافية لالتقاط الأنفاس وتنظيم الصفوف واستثمار النصر بين حواضنهم الشعبية، وتجنيد مزيد من الجنود، إلى جانب استفادتهم من الخلافات المكتومة بين حكومة آبي أحمد والرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، نتيجة الإصرار الأمريكي - الغربي على خروج إريتريا من تيغراي، وما تبعه من فرض عقوبات على الدولتين.

اقرأ أيضاً: ماذا يحدث في إقليم تيغراي الإثيوبي؟

وأثار التقدم الكبير لتيغراي تساؤلات حول وجود دعم خارجي، لكنّ الصحفي السوداني، المتخصّص في الشؤون الأفريقية، عبد القادر الحيمي، نفى في حديثه لـ "حفريات" تلقّي تيغراي أسلحة من الخارج، وقال؛ التيغراي كانوا يستعدون للحرب منذ عامين، ولهذا خزنوا كميات كبيرة من أسلحة الجيش الإثيوبي، الذين تولوا قيادته منذ عام 1991.

وأضاف الحيمي؛ منذ شهرين وقوات تيغراي كانت تحاصر المدن والقرى وتصطاد القوات الإريترية والإثيوبية، وكبّدوها خسائر فادحة، وأجبروا الجيش الإريتري على الانسحاب، وحاصروا بقاياه في مدينة عدوة.

التبعات الداخلية

وكان إجراء الانتخابات الإقليمية في تيغراي، بعد أن رفضت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قرار الحكومة الفيدرالية تأجيل الانتخابات، السبب المباشر لشنّ أديس أبابا الحرب ضدّ الإقليم، لكنّ السبب الأساسي يعود إلى عام 2018، مع صعود آبي أحمد إلى الحكم كحلّ توافقي للخروج من الأزمة السياسية في البلاد.

احتفالات في عاصمة تيغراي بالنصر

وعقب توليه السلطة، شرع في فرض رؤية جديدة للبلاد، تقوم على إلغاء الفيدرالية الإثنية التي أقرّتها جبهة تيغراي، عام 1991، بعد إسقاط نظام منغستو العسكري، وبدأ ذلك بحلّ الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، واستبدالها بحزب الازدهار، الذي لم يحظَ بدعم قوى سوى من عرقية الأمهرا، التي عقدت تحالفاً مع آبي أحمد يضمن لها السيطرة على البلاد، بتحقيق المركزية التي كانت سائدة إبان حكمهم البلاد زمن الأباطرة ونظام منغستو.

لكن مع هزيمة آبي أحمد في تيغراي، ومن قبل قمعه الشديد للمعارضة، خصوصاً في إقليم أوروميا، بات بقاؤه في السلطة مهدداً.

الصحفي السوداني عبد القادر الحيمي لـ "حفريات": نظام آبي أحمد بات مكروهاً شعبياً، ولم يعد له حلفاء سوى الأمهرا المكروهين أيضاً بسبب عنصريتهم

 ويرى الباحث خليل منون؛ أنّ جبهة تيغراي استدرجت آبي أحمد لارتكاب أخطاء كارثية جلبت عليه نقمة المجتمع الدولي، ويبدو أنّه أدرك ذلك أخيراً، بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد؛ للتقليل من خسائره، سواء في الداخل أو على مستوى علاقاته الدولية، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان التي وصلت حدّ التطهير العرقي.

ومن جانب آخر، يرى الصحفي عبد القادر الحيمي؛ أنّ نظام آبي أحمد بات مكروهاً شعبياً، ولم يعد له حلفاء سوى الأمهرا، المكروهين بسبب عنصريتهم ورؤيتهم المركزية التي ترفضها الأقاليم الإثيوبية، خصوصاً الأورومو الذين تنشط حركات مسلحة بينهم ضدّ حكومة أديس أبابا، وبعد الذي حدث في تيغراي سيزداد نشاط الأورومو المناهض لآبي أحمد.

اقرأ أيضاً: إدانات دولية واسعة لما يحدث في إقليم تيغراي

ويرى منون؛ أنّ أمام إثيوبيا خيارَين؛ إما تفكّكها في حال ظلّ آبي أحمد على عناده، ولم يدخل في مفاوضات مع التيغراي تبدأ بالاعتراف بانتخاباتهم الإقليمية، وتسوية الأزمة السياسية مع الأورومو وغيرهم، أو إطاحة آبي أحمد وفق تسوية شاملة للصراع، مثلما حدث عام 2018؛ حين تمّت إطاحة هايلي ديسالين وتصعيد آبي أحمد.

وعلاوةً على ما سبق؛ ستؤثر هزيمة الجيش الإثيوبي وخسائره الكبيرة بشكل سلبي في مواجهة الحركات المسلحة في أوروميا، وكانت مصادر من الإقليم تحدثت عن حصار حركة تحرير أوروميا لسجن مركزي يضمّ بين نزلائه قادة المعارضة في الإقليم.

التبعات الخارجية

ومن المرجّح أنّ تزيد الهوّة بين آبي أحمد وأسياس أفورقي، فالأول يريد تحميله فاتورة جرائم التطهير العرقي، لكن يبدو أنّ هناك توجهاً دولياً لتحميلهما معاً المسؤولية، فقد نشرت قناة "CNN" تقريراً مصوراً يوثق قيام جنود إثيوبيين نظاميين بمذبحة بحقّ مدنيين عزل.

تسببت الحرب في مقتل وتشريد الآلاف

وكان آبي أحمد طلب من أفورقي سحب قواته من تيغراي استجابةً للضغوط الدولية، لكنّ الأخير لم يكترث لذلك، فلديه مصالح خاصة في الإقليم، يقول عنها الباحث خليل منوه؛ هدف أسياس كان تأمين عمقه الإستراتيجي بهزيمة جبهة تحرير تيغراي، ومنع اتصالها بالمجموعة العرقية التجراوية في إريتريا، وهو ما تحقق.

ويرى مراقبون أنّ سقوط نظام أسياس بات قريباً؛ بعد أن تعرّض جيشه لخسائر فادحة في الأرواح، وكانت أسمرا لجأت إلى عمليات تجنيد واسعة منذ العام الماضي استعداداً لحرب تيغراي.

ويقول الصحفي عبد القادر الحيمي: "المعلومات الواردة تكشف خوفاً كبيراً لدى حكومة أسمرا من هجوم قوات تيغراي، لذلك دمّرت جسراً يربط طريق المنطقة بالعاصمة، وشرعت في حفر خنادق وإقامة تحصينات على حدودها".

وكانت جبهة تحرير تجراي رفضت وقف إطلاق النار، وأعلنت، على لسان الناطق باسمها، استمرار العمليات العسكرية حتى تحرير آخر شبر من الإقليم، الذي تسيطر ميليشيات الأمهرا على غربه، وهي مناطق متنازع عليها بينهما، وكانت تحت سيطرة تيغراي حتى نهاية العام الماضي.

ويرى المتابعون للموقف الأمريكي؛ أنّ واشنطن ترفض توسيع العمليات العسكرية من قبل أيّ طرف، وتريد إخراج القوات الإريترية من كامل البلاد، وعقد مفاوضات سلام منعاً لتدهور الأوضاع أكثر، خصوصاً أنّ خطر المجاعة يهدد عدّة ملايين في تيغراي.

الصفحة الرئيسية