"جمهورية إمبابة": حكاية فنّي كهرباء أصبح أميراً للمسلمين

مصر والإرهاب

"جمهورية إمبابة": حكاية فنّي كهرباء أصبح أميراً للمسلمين

مشاهدة

19/03/2018

إمبابة؛ الحيّ المجاور لقرى ناهيا وكرداسة، التابعتين لمحافظة الجيزة، واللتين تنتشر فيهما دعوات جماعتي الجهاد والإخوان المسلمين، العام 1992 أصبحت إمارة إسلامية جديدة، غير أنّها تتميز عن غيرها من الإمارات، في أنّها من أولى المناطق التي اخترقت بها الجماعة الإسلامية مدن العاصمة المصرية، إلى جانب حيّ المطرية وعين شمس، التابعين لمحافظة القاهرة.

بعد أعوام من التوغل في قرى جنوب مصر، وبعدما أصبح الحكم بشرع الله مآل جميع المناطق التي تسيطر عليها الجماعة الإسلامية في قرى مصر الجنوبية، آن الأوان لاختراق العاصمة، والتوغّل في ضواحيها.

أفيش فيلم دم الغزال

دم الغزال

عام 2005 قدّمت السينما المصرية فيلم "دم الغزال" للمخرج محمد ياسين، من تأليف وحيد حامد، ويروي حكاية فتاة قدمت دورها الفنانة منى زكي (حنان الدهشوري)، سكنت حي إمبابة، كان حبّها سبباً في صراع نشأ بين طبّال في فرقة راقصة شعبية، قدم دوره الفنان محمود عبد الغني (رضا ريشة)، وبلطجي الحيّ، الفنان عمرو واكد (عاطف الهجام)، وأحبّها آخرون على الهامش، غير أنّهم لم يملكوا القدرة على مجاراة الصراع، بين الطبّال والبلطجي، يضطر ريشة في لحظة ما إلى ترك الفرقة الراقصة بعد انضمامه لواحدة من الجماعات الدينية المسيطرة على الحيّ، فأطلق لحيته، وأقرّ الحكم بشرع الله في المكان، وأصبح أمير الحيّ، بدعم من أنصار الجماعة الدينية.

من أبرز الأمور التي أدّت إلى ظهور الجماعة في إمبابة، الأعمال الاجتماعية والمجالس العرفية لحل المنازعات

رمزية الفيلم، بين الوطن الذي مثلته الحبيبة، وصراع أبناء الحي على الفوز بحبها، والذي انتهى بمصرعها، لم يكن سوى حكاية حدثت بالفعل، بطلها الحقيقي أحد أمراء الجماعة الإسلامية في التسعينيات من القرن الماضي، الذي لقبته إذاعة بريطانية بـ "رئيس جمهورية إمبابة"، في تقرير صحفي عن المساعدات التي قدمتها الجماعة الإسلامية لمتضرري الزلزال الذي ضرب مصر 12 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1992.

"رئيس جمهورية إمبابة"

لم يدرك جابر أحمد محمد، المولود لعائلة تنتمي لواحدة من قرى محافظة أسيوط في جنوب مصر، أنّ فنّي الكهرباء الذي يعمل بمحل الخواجة رزق في شارع شمبليون على أطراف ميدان التحرير، عام 1972، سوف يصبح حديث العالم بعد عقدين من ذلك التاريخ؛ فقد ولد لأسرة فقيرة بحيّ بولاق أبو العلا بمحافظة القاهرة، بعد أن هجرت عائلته ريف الجنوب المصري، ضمن هجرات عديدة قام بها سكان الريف قاصدين العاصمة، وهم يحملون آمال النجاة المنتظرة، من نير الفقر والمرض المنتشر في قرى الصعيد.

انتمى جابر أحمد، الشهير بجابر ريان، أو جابر الطبال، إلى جماعة التبليغ والدعوة بين عامي 1982 و1984، مثل غالبية أقرانه، بعد سيطرة جماعات الإسلام السياسي على المشهد فى مصر، بدعم من النظام الحاكم، لتحجيم نفوذ اليسار المصري، والقوى المنتمية لنظام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، غير أنّ عبارة ردّدها أتباع التبليغ والدعوة بدلت مسار فنيّ الكهرباء، من شاب ينتمي لأسرة فقيرة، إلى أمير يعتلي صهوة جواده مفتخراً بنصر الله الذي وهبه عباده الصالحين، في حيّ إمبابة المصري، ويسير بين أتباعه، عام 1992، وهم يتفقدون العامة من سكان القرى المحيطة.

قال ريان إنّه لم يكن يوماً طبّالاً، وأنّه كان فرداً عادياً في الجماعة، ولم يكن يوماً أميراً

"الجماعة ملهاش دعوة بالسياسة ولا بأمراض الأمة"، عبارة ردّدها أتباع جماعة التبليغ والدعوة دفعت جابر الطبّال للبحث عن مراده عند جماعة أخرى.

في حوار صحفي لجريدة "الوفد" المصرية، عام 2011، قال الشيخ جابر عن ذلك التحوّل: "لقد كان والدي ناصرياً، وكان يعشق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وعندما أبلغتني قيادات التبليغ والدعوة أنّهم لن يمارسوا العمل السياسي، قلت لهم: فكيف ستتحرّر فلسطين؟ وكيف سنطبق الشريعة الإسلامية؟ ولذلك جئت إلى إمبابة والتقيت بالشيخ علي عبد الظاهر، أحد قيادات الجماعة الإسلامية، فأقنعني بالانضمام إليهم".

يستكمل الشيخ جابر تذكّر ما حدث: "بدأت دعوة الجماعة الإسلامية في إمبابة منتصف الثمانينيات، في مسجد الرحمن في شارع 14 بشارع الاعتماد، وكان هو المسجد الأم، وهو كبير في أفعاله، لكنّه كان صغيراً فى حجمه، وتمّ إغلاقه من قِبَل قوات الأمن أكثر من مرة، ثم حوَّلوه بعد ذلك إلى بقالة، ثم إلى محلات حتى هذه اللحظة".

في يسار الصورة الشيخ جابر أثناء تواجده في مظاهرات ميدان التحرير

دولة داخل الدّولة

يشير جابر إلى أسباب توغّل الجماعة الإسلامية في قرى حيّ إمبابة: "من أبرز الأمور التي أدّت إلى ظهور الجماعة على الساحة داخل إمبابة، الأعمال الاجتماعية والمجالس العرفية التي كانت الجماعة تقوم فيها بفضّ المنازعات، خاصّة أنّ أهل إمبابة الأغلبية العظمى منهم، هم امتداد لعائلات عريقة بالصعيد، تعرف الأصول، واحترام المجالس العرفية".

وفي حوار صحفي لجريدة "المصريون"، عام 2012، تذكّر الشيخ جابر لحظة اقتحام قوات الأمن للحيّ: "عندما حدث زلزال تشرين الأول (أكتوبر) 1992، قمنا بعمل اجتماعي لمساعدة الأهالي، فقامت إحدى الوكالات بعمل حوارات معنا، وأظهرت من داخل هذا الحوار أنّ الجماعة الإسلامية ما هي إلّا دولة داخل الدولة، وتسيطر على الناس، وهيَّجت الرأي العام بذلك. حينما تهيَّأت الأجواء من خلال الإعلام قام رجال الأمن بطريقة كان مبيّتاً لها، وهي أنّه قام، وللمرّة الأولى، ولم يفعلها بعد ذلك، برصف الطرق، وكان أوّلها شارع الاعتماد الذي أعيش فيه، وكذلك شارع الأقصر، وتمّ حصار إمبابة بالكامل، ووضْع نقط تفتيش على كلّ شارع، والذي أؤكّده من خلال المصادر الرسمية في ذلك الوقت، أنّه تم إنزال 22 ألف مجند من قوات الأمن المركزي والقوات الخاصة، وتحوّلت منطقة إمبابة إلى ثكنة عسكرية! ناهيك عن المدرعات التي كانت تكفي لتحرير بيت المقدس! وتم تفتيش كلّ منزل من منازل إمبابة للبحث عن أي إسلامي، ولم يتركوا منزلاً واحداً، وتمّ القبض عليّ بعد الاقتحام بثلاثة أيام".

اعترافات جابر ريان بعد القبض عليه في الصحف المصرية

ريح الخلافة

أربعة عشر عاماً قضاها جابر ريان في السجن؛ منها تسعة أعوام في الحبس الانفرادي، وقد كانت للشيخ جابر رفيقة في السجن لأعوام، هي قطة أطلق عليها اسم "فيتر"، كان يحكي لها بدلاً ممّن ظنّهم أعداء الله، الرّافضين لتطبيق شريعته. يقول الشيخ جابر عن سبب إيداعه الحبس الانفرادي: "اتّهموني بالجنون والخلل العقليّ، وأنّني أكلّم العنكبوت والقطط والنمل".

خرج جابر ريان من السجن عام 2006، بعد مبادرة وقف العنف التي أطلقتها الجماعة الإسلامية، وظلّ لأعوام حبيس صمته حتى قيام ثورات الربيع العربي عام 2011، هنا عادت ريح الخلافة تراوده من جديد، فتوجّه إلى ميدان التحرير، وبدأ في التصريح للصحف، وإجراء المقابلات الإعلامية، ليوضح حقيقة أنّه لم يكن يوماً طبّالاً، وأنّه كان فرداً عادياً في الجماعة، ولم يكن يوماً أميراً، وأنه فقط رجل يحلم بتطبيق شرع الله، وأنّ قوات الأمن استخدمت وصفه برئيس جمهورية إمبابة، من قبل الصحف البريطانية، ذريعة لاقتحام المكان، الذي أصبح نبتة تكبر، قريباً من العاصمة، مركز الحكم في مصر.

الصفحة الرئيسية