ذكرى المولد النبوي بمصر.. في حضرة النبي الكريم ينحني التاريخ

المولد النبوي

ذكرى المولد النبوي بمصر.. في حضرة النبي الكريم ينحني التاريخ

مشاهدة

20/11/2018

"إنّ على مصر أن تفخر بحيازتها لمثل هذا التنوّع الفريد لهذه الظاهرة العبقرية". تعد هذه العبارة المقتضبة التي دوّنها نيكولاس بيخمان، في كتابه: "الموالد والتصوف في مصر"، بمثابة ملاحظة نهائية، تلخص مشهداً عاماً وكلياً، تتبع تفاصيله وعناصره، وجذبته خطوطه الداخلية العميقة، وقد استخلصها من تفرّد القاهرة بالاحتفالات الدينية، من حيث عددها وتنوّعها، وأهمية الطقس الشعبي الديني الذي يصهر الوجدان المصري، في كتلة صلبة وغنية، تصعد به إلى العتبات المقدسة، في طريق "أهل الله".

ميراث التدين الشعبي في مصر

تتنوّع الموالد الدينية في مصر، سواء الإسلامية أم المسيحية؛ حيث يتواجد ما يقرب من 2850 مولداً، تنتشر في أقاليم مصر المختلفة، وفي الدلتا والصعيد.

اقرأ أيضاً: احتفالات المولد النبوي: مشهدية روحانية تتحدّى التشدّد

ومن بين الموالد المنتشرة في مصر، وتشتهر بها مناطق بعينها؛ مولد السيد البدوي، في طنطا بدلتا مصر، ومولد عبدالرحيم القناوي، بصعيد مصر، ومولد السيدة زينب والسيدة عائشة والحسين، في قلب العاصمة القاهرة.

لم يمنع مرور ذكرى المولد النبوي عقب هزيمة حزيران 1967 من الاحتفال الرسمي الذي شارك فيه عبدالناصر

بيد أنّ المولد النبوي، الذي يصادف مروره في الثاني عشر من ربيع الأول، من كل عام، بحسب التقويم الهجري، يحمل خصوصية استثنائية في طريقة الاحتفال به، في مختلف البلدان الإسلامية، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي؛ حيث تتزين الشوارع والمنازل والمساجد، ويتوافد الناس على شراء الحلوى، وممارسة العادات المختلفة.

في القرى والريف، يتجمع المدّاحون لقراءة القصائد الشعرية، التي تمتدح صفات النبي، عليه السلام، وخصاله، بينما يردد الناس خلفهم بعض الأبيات والمقاطع الشعرية، ويضاف إلى ذلك، تلاوة القرآن الكريم والتسابيح، من جهة، وقراءة فصول ومحطات من سيرة النبي الكريم، من جهة أخرى.

تتفرّد القاهرة بالاحتفالات الدينية من حيث عددها وتنوّعها

وفي العصر الحديث عمد كل الحكام المصريين إلى الاهتمام بالموالد، وخاصة، المولد النبوي؛ ففي فترة ما قبل ثورة تموز (يوليو) العام 1952 كان الملك يحرص على المشاركة شخصياً باحتفالات هذه المناسبة، وظلّ هذا العرف سائداً، في الفترة الجمهورية؛ حيث يزور رئيس البلاد أحد المساجد الكبيرة أو الأزهر الشريف، ويجتمع برجال الدين ويقوم بإلقاء خطبة بمناسبة الاحتفال، تتنوع رسالتها بين السياسي والديني.

اقرأ أيضاً: عبقرية التنوع المصرية.. بين حلوى المولد وشجرة الميلاد

وبحسب الباحث في التراث، وسيم عفيفي، فإنّ الحقبة الملكية بمصر، تميزت بالاحتفالات بالمولد النبوي؛ حيث كان هناك اهتمام بالغ، في شكل وطريقة الاحتفاء بهذه المناسبة وطقوسها، سواء من الملك فؤاد أو نجله فاروق.

دشّنت الملكية ساحة المولد، في منطقة صحراء قايتباي؛ حيث يجري وضع السرادق الملكي، وحوله الأرائك المزينة بالذهب والحرير، بالإضافة إلى سواري الأعلام الملكية والمصابيح الملونة.

من بين طقوس الاحتفال بالمولد النبوي في عهد الملك فاروق استعراض قوات الجيش أمامه وكبار رجال الدولة

ويوضح عفيفي في دراسة منشورة له، أنّه كان يتم فرش أرض الميدان بالرمل الأصفر والأحمر، ويتراصّ رجال الحرس الملكي في ملابس مزركشة، وشارات مميزة، حيث يصطف بالقرب منهم رجال البوليس، والحراسة الأمنية، بهدف تحقيق النظام، ومنع الزحام، وتسهيل حركة المرور، في انتظار مجيء الموكب الملكي، ورئيس الوزراء، الذي كان يحضر قبيل الظهر بساعة.

وبعد ذلك، يتوافد بالترتيب على السرادق الملكي، رجال الأزهر، وأبناء الطرق الصوفية، ووكلاء الوزارات، ورؤساء الهيئات الحكومية، وكبار الموظفين في الدولة، فضلاً عن قادة الجيش من الضباط وصف الضباط.

من احتفالات المولد النبوي في مصر

ومن بين طقوس الاحتفال بالمولد النبوي، في عهد الملك فاروق، استعراض قوات الجيش أمامه وكبار رجال المملكة المصرية، ويتم قراءة آيات قرآنية، ثم يقوم شيخ الأزهر بإلقاء كلمة ترحيبية بالملك، ويعرّج خلال كلمته على تفاصيل ومحطات بارزة من حياة النبي محمد، عليه السلام، وفي نهاية الكلمة، يبدأ ممثلو الطرق الصوفية في التغنّي بأناشيد البردة، والأوراد الخاصة بكل طريقة، مع ذكر اسم الله المفرد.

اقرأ أيضاً: رحلة البحث اجتماعياً واقتصادياً في نفحات المولد

في عهد الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، لم يمنع مرور ذكرى المولد النبوي، عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967، من الاحتفال الرسمي بالمناسبة، فعلى الرغم من تلك المحنة القاسية في التاريخ المصري، حضر الرئيس احتفال المولد النبوي، في مسجد الإمام الحسين، كما هو معتاد، حيث توجه عبدالناصر لحضور الاحتفالية، وزار ضريح الإمام الحسين لقراءة الفاتحة، وألقى الشيخ عبدالرحيم سرور، كلمة مشيخة الأزهر في الاحتفال بالمولد النبوي.

ساحة الدراويش ومولد النبي الكريم

"مع بداية شهر ربيع الأول، تعد العدة للاحتفال الذي يقام في القسم الجنوبي الغربي من بركة الأزبكية، وهناك تنصب خيمة واحدة، تعرف بالصوان وفي وسطها صارٍ مشدود بالحبال؛ حيث يقوم الدراويش بالذكر حوله، في حلقة قوامها من خمسين إلى ستين درويشاً. وبالقرب منها ينصبون القائم، وهو عبارة عن أربعة صوارٍ، تعلق بينها الحبال، وتتدلى منها القناديل على هيئة زهور وكلمات وأسماء الله الحسنى"، هكذا يصف المستشرق الإنجليزي، وليم لين، بعض مظاهر الاستعداد للاحتفال بالمولد النبوي في مصر، في عهد محمد علي.

دشنت الملكية ساحة المولد بمنطقة صحراء قايتباي حيث يوضع السرادق الملكي وحوله الأرائك المزينة بالذهب والحرير

يوضح لين، بحسب ما دونه في موسوعته عن عادات المصريين وتقاليدهم، بناء على مشاهداته، أنّ تلك الاستعدادات الخاصة بالمولد النبوي، كانت تستمر حتى الليلة الثانية عشرة من الشهر نفسه، وعندها تبدأ الأفراح والاحتفالات، حيث يتوافد الناس من كل مكان في الأزبكية إلى المكان الرئيسي للاحتفال؛ يتراوح نشاطهم بين الاستماع إلى الشعراء والمشعوذين والهزليين، كما يصفهم، بالإضافة إلى الألعاب البهلوانية؛ كاللعب والرقص على الحبل الذي يقوم به بعض الغجر.

اقرأ أيضاً: رحلة البحث اجتماعياً واقتصادياً في نفحات المولد

ويصف لين مواكب الدراويش التي كانت تمر كل ليلة من ليالي الاحتفال، بعد منتصف الليل بساعة، ويحمل فيها الدراويش المناور؛ وهي عبارة عن عصي طويلة، مشدودة إلى أعلاها مصابيح، حيث كانوا يحملون نهاراً بيارق وأعلاماً، وبالتالي، كانت مواكب الدراويش تسير ليلاً ونهاراً.

حلقات الدراويش

وفي ليلة المولد، يذكر صاحب عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم، أّنه في ليلة المولد "عدت إلى ميدان الاحتفال الرئيسي، وشاهدت هناك ذكراً حول الصاري، يقوم به ستون درويشاً تقريباً، وكان القمر كافياً لإضاءة المكان، بدون مصابيح، وفي إحدى حلقات الدراويش كانوا يردّدون بصوت أجش وصاخب "يا الله"، وكانوا يحنون رؤوسهم أولاً، ثم يشبكون أيديهم حول صدورهم، في الوقت نفسه.

الصفحة الرئيسية