أزمة المحكمة الدستورية في تونس.. ومحاولات حركة النهضة إخراج الرئيس من الحلبة

أزمة المحكمة الدستورية في تونس.. ومحاولات حركة النهضة إخراج الرئيس من الحلبة

مشاهدة

12/04/2021

ربما أصبح تموضع المحكمة الدستورية، كحد فاصل، للصراع بين مؤسسات الحكم في تونس، أمام مصير مجهول، مع رفض الرئيس قيس سعيّد، التصديق على تعديلات قانون المحكمة، إثر تصريحه بوجود خرق للدستور، ما يضع نسخة مستجدة للأزمة السياسية التي تعيش فيها تونس، خلال السنوات الأخيرة، في هيئة أزمة دستوريّة، تضاف إلى جملة الأزمات السياسيّة، وكذلك تداعيات فيروس كورونا، المتمثلة في الأزمة الاقتصادية الخانقة بالبلاد.

 

قيس سعيّد: بعد نفاق دام خمس سنوات، تذكروا الآن ضرورة إرساء المحكمة الدستورية، لأنّهم استشعروا الخطر اليوم

 

البرلمان التونسي صادق مؤخراً على مجموعة من التعديلات، التي  تجيز انتخاب أعضاء المحكمة بـ131 صوتاً، عوضا عن 145 صوتاً، الأمر الذي اعتبره سعيّد، تجاوزاً للدستور، وشدّد على "ضرورة احترام كل أحكام الدستور، بعيداً عن أيّ تأويل غير علمي، بل وغير بريء".

سعيّد يرفض انتهاك الدستور

تضمن القانون المعدّل، الذي تقدم به البرلمان، تخفيض الأغلبية المطلوبة لتزكية المرشحين للمحكمة الدستورية، لكن الرئيس قيس سعيّد، عبر رده على القانون، قال إنّ ثمة احتياجاً لقراءة جديدة .

وتتكون المحكمة الدستورية من اثني عشر عضواً؛ حيث يعين الرئيس من بينهم أربعة، ويختار المجلس الأعلى للقضاء الأربعة الباقين، عطفاً على الأربعة الذين يختارهم البرلمان، وتسبب غياب المحكمة في عدة أزمات قانونية ودستورية، آخرها التعديل الحكومي المعطل منذ كانون الثاني (يناير) الماضي، بسبب القراءات المتباينة للدستور، بين الرئيس والبرلمان.

 

أمين محفوظ: هناك شخصيات صاحبة كفاءة، لها صيت دولي، تم ترشيحها، بيد أنّها لم تحظ بفرصة التصويت، خلال دورات البرلمان الكثيرة، لانتخاب أعضاء المحكمة

 

في هذا السياق، يذهب أستاذ القانون الدستوري، أمين محفوظـ، إلى القول بأنّ ثمة سياقاً يجب وضعه في الحسبان، عند الحديث عن أزمة المحكمة الدستورية في تونس، وهذا السياق يرى أنّ أحداثه جرت فيما بعد العام 2011، حيث غدا الجميع يتحدث عن انتقال ديمقراطي، بيد أنّه للأسف مع مرور الوقت، أضحى انحرافاً ديمقراطياً، نظراً لكون بعض الأطراف لا ترى في الديمقراطية سوى الانتخابات، ولا تؤمن بمضمون الديمقراطية، ولا محددات دولة القانون .

ويرى أستاذ القانون الدستوري التونسي، في تصريحاته التي خصّ بها "حفريات"، أنّ ثمة سذاجة وقعت مع خيار المجلس الوطني التأسيسي، الذي أدى إلى أغلبية، وضعت دستوراً مليئاً بالتناقضات، في العديد من الفصول، التي تقف حائلاً أمام انتقال البلاد نحو دولة القانون، لكنها في حقيقة الأمر، تمهد الطريق نحو انتقال تونس إلى الدولة الدينية .

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ زيارة الرئيس التونسي إلى مصر؟

يضيف محفوظ، أنّه مع تدقيق قراءة نص الدستور، نستطيع تفهم لماذا جرى اختيار ثلاثة أعضاء من بين اثني عشر عضواً، ليست لهم كفاءه في مجال القضاء الدستوري، بل أيضاً من خارج اختصاص القانون، وهذا الخيار لا يمكن استيعاب غرضه الحقيقي، سوى عبر العمل نحو قطع الصلة تماماً مع دولة القانون.

 ويضيف محفوظ، علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، ونجيب على السؤال الحقيقي: أيّ محكمة دستورية نرى؟ هل نريد محكمة دستورية لتأسيس وبناء دولة القانون والديمقراطية؟ أم نريد محكمة دستورية لتصبح "مشيخة دستورية"؟ لكي تقطع الطريق نهائياً، وإلى الأبد، أمام الأمل في انتقال تونس إلى دولة قانون .

اقرأ أيضاً: كيف ومتى تخرج تونس من أزمتها الدستورية؟

ويؤكد أستاذ القانون الدستوري، على عدم توفر مبادئ الاستقلالية الإدارية، والمالية، والاحترام الشديد لمعيار الكفاءة، قائلاً بما يفيد الاستغراب: "هناك شخصيات صاحبة كفاءة، لها صيت دولي، تم ترشيحها، بيد أنّها لم تحظ بفرصة التصويت، خلال دورات البرلمان الكثيرة، لانتخاب أعضاء المحكمة".

 ويختتم أمين محفوظ، تصريحاته بقوله: "بكل أسف، لا يمكن النظر إلى الدستور، كونه مجرد فخ، بل يجب أن ييسر الدستور، عملية الانتقال الديمقراطي والقانوني".

معركة تكسير العظام بين النهضة والرئيس

لا يعارض رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، إرساء المحكمة الدستورية، غير أنّه ينتقد عدم إرسائها في وقتها المحدد، وفي هذا الإطار قال سعيّد، في خطاب توجه به إلى الشعب التونسي، من مدينة المنستير، بمناسبة الذكرى 21 لوفاة الزعيم التونسي، الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسيّة: "إنّ كل طرف سياسي، يحاول أن يضع الموالين له في المحكمة"، ملقياً باللوم على بقيّة ممثلي السلطة قائلاً: إنّهم يريدون وضع القوانين على القياس، وإنّهم بعد نفاق دام خمس سنوات، تذكروا الآن ضرورة إرساء المحكمة الدستورية؛ لأنّهم استشعروا الخطر اليوم" متسائلاً: "هل ستكون بالفعل محكمة، أم محكمة لتصفية الحسابات الدستورية؟".

من جانبه يرى الأكاديمي التونسي، مراد الحاجي، أنّ  المأزق في مسألة المحكمة الدستوريّة، ورفض الرئيس سعيّد، المصادقة على قانونها، يتمثل في الأزمة السياسية التي تعيش فيها تونس، خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يتطابق مع  تصريحات الرئيس قيس سعيّد، في خطابه إبان ذكرى وفاة الرئيس الراحل، الحبيب بورقيبة، وإشارته إلى لأدوار غير البريئة، لبعض القوى السياسية، في تلميح لحركة النهضة .

 

مراد الحاجي: معركة المحكمة الدستورية، معركة لا على المحكمة، ولكنها معركة سياسية بامتياز، مدارها توظيف المحكمة، من أجل إخراج هذا الغريب من الحلبة

 

 الرئيس قيس سعيّد في هذه الأزمة، يلعب بالورقة الأخيرة لديه، إذ يعلم أنّ التسريع بإنشاء المحكمة الدستورية يستهدفه هو بالذات، وأنّ حركة النهضة وحلفاءها، يهدفون من وراء ذلك، العمل على إقالته دستورياً .

ويضيف مراد الحاجي في تصريحاته لـ"حفريات": "يمكن القول إنّ حركة النهضة كانت من أهم العقبات، أمام إنشاء المحكمة الدستوريّة، لأنّها سقطت في لعبة المحاصصات، وماطلت في عملية تركيزها، لأنّها لم تكن في ذلك الوقت أولوية بالنسبة إليها، وإنّما كانت بمثابة جهة رقابية قد تزعجها، ونجدها اليوم تسارع  لتوظفها، كأداة في صراعها ضد الرئيس، ووجدت في تحالفاتها داخل البرلمان، ما يساعدها على ذلك".

الرئيس وحيداً في مواجهة حركة النهضة

يبدو من الأهمية بمكان، إدراك أنّ الرئيس التونسي، لا يواجه حركة النهضة، فحسب بل يجد نفسه مجرداً من أيّ حزام سياسي، قد يسنده بالفعل .

ويلفت مراد الحاجي، أستاذ تحليل الخطاب، إلى أنّ مأزق النهضة مع الرئيس قيس سعيّد، يبدو في أحد جوانبه، أنّه يلعب في ميدانها، فخطاب الأخير لا يخلو أحياناً من بعد ديني، وهي لذلك لا تستطيع أن تصمه بمعاداة الدين، أو ما شابه مما تصم به اليسار، وتنفر منه الناس، فضلاً عن  صلابة الرجل، وإصراره الذي يبدو أحياناً لأيّ محلل سياسي، عيباً، في الوقت الذي يستقر ذلك داخل  عيون عامة الناس، باعتباره نقطة قوة.

اقرأ أيضاً: الرئيس التونسي يخوض حرباً جديدة مع حركة النهضة

ويضيف الحاجي، أنّ إصرار الرئيس على رفض كل اللولبيات، "يمثل إزعاجاً لبقايا النظام السابق واللولبيات، وهؤلاء لا يدعمون الرئيس، ولا يقفون إلى جانبه، رغم عدائه مع النهضة؛ لأنّهم يعلمون أنّ الرجل لا يمكن أن يلين لهم، وأنّ توجهه في محاربة الفساد، لا يخدم مصالحهم، وهو ما يعني أنّ الصراع بين الإسلام السياسي والنظام القديم، صراع تناطح مصالح، وتقاسم منافع، ويبدو فيه الرئيس  نشازاً".

اقرأ أيضاً: تونس... فوبيا المحكمة الدستورية

ويختتم الأكاديمي التونسي مراد الحاجي، تصريحاته، مؤكّداً أنّ مأزق  المحكمة الدستورية في تونس سيتواصل؛ لأنّه "جزء من معركة كسر العظم، ومحاولة إخراج الرئيس من الساحة؛ لأنّه من خارج دائرة المال والأعمال، التي تعودت تقاسم المال والمصالح، مرة باسم الحداثة، ومرة باسم الدين، وأحياناً باسم التوافق بينهما، وهو ما يجعل معركة المحكمة الدستورية، معركة لا على المحكمة، ولكنها معركة سياسية بامتياز، مدارها توظيف المحكمة، من أجل إخراج هذا الغريب من الحلبة".

الصفحة الرئيسية