أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

مشاهدة

02/12/2019

يقول المفكر المصري أنور عبد الملك (1924-2012) : "سميت بهذا الاسم تيّمناً بالفريق أول أنور باشا رئيس هيئة الأركان العامة للجيش العثماني، ورائد حركة "الأتراك الشباب" ثم جمعية "الاتحاد والترقي" التي كان لها أبلغ الأثر على شباب الحركة الوطنية المصرية في مطلع هذا القرن".

أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها

ويستأنف عبد الملك، المولود في أسرة سياسية قبطية عريقة، حديثه عن المؤثرات التكوينية في شخصيته في مجلة المصور، والتي جمعته بعد ذلك في كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم" الصادر عن دار الهلال في شباط (فبراير) 1998 العدد 566، فيرى أنّ هذا الأب الوطني الذي قضى كل يوم بين الثالثة والثامنة من عمر المفكر أنور عبد الملك، يعلمه التاريخ والجغرافيا وحضارة مصر والاكتشافات البحرية وتاريخ المعارك الكبرى، وكثيراً ما ردد على مسامع الفتى الصغير: "عندما تصبح رجلاً تتولى هذه الأمور مع زملائك، مثلنا اليوم" ليصبح الانضمام للحركة الوطنية هو المؤثر الأول في تكوينه، والمؤثر التكويني الثاني "مدرسة العائلة المقدسة" لهيئة اليسوعيين (1929-1940) في القسم العربي منها، وهي المدرسة المرموقة لمن أراد أن يجمع بين التكوين الفكري والروحي والأخلاقي، والوطنية الجارفة وحب مصر، كما فتحت أمامه أبواب التعمق في آداب اللغة العربية.

توفي الأب عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين عاماً في العام 1932، لتضطرب أحوال الفتى؛ حيث كانت الظروف الاقتصادية غاية القسوة، وسعى أصدقاء والده إلى سد الفراغ المعنوي الذي تركه الوالد، فيذكر منهم عبد الملك عمه فؤاد بيك عبد الملك مؤسس "جمعية أصدقاء الفنون الجميلة"، والمشارك في توجيه العديد من المؤسسات، مثل: "الجمعية الزراعية الملكية" و"الجمعية الجغرافية الملكية"، ومستشار الملك فؤاد ثم الملك فاروق، وعبد الحليم البيلي بيك قائد جماعة "اليد السوداء" التي شارك فيها الأب.

في القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري

انجذب عبد الملك إلى القراءة، فكان يقرأ كتاباً كل يوم خلال وبعد ساعات الدراسة، ونتيجة لتدهور أوضاع الأسرة الاقتصادية عمل الفتى في "البنك الأهلي المصري" من خريف العام 1940 حتى ربيع العام 1943، ثم انتقل موظفاً في البنك العقاري المصري ثلاثة أعوام بالقسم القانوني (1943- 1946)، وبعد الانتهاء من العمل اليومي درس اللغة الإنجليزية لأربعة أعوام في المعهد البريطاني، ليحصل على الثانوية العامة البريطانية والتوجيهية المصرية في العام 1944.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأ عبد الملك في البحث يميناً ويساراً عن حل ومخرج لأزمة مصر التاريخية، كدولة خاضعة للاحتلال البريطاني، ملتهماً الكتب السياسية والفلسفية؛ حيث أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب العالمية، لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها، وقد حدث هذا بعيد الحرب العالمية الأولى، فلِمَ لا يتكرر بعيد الحرب العالمية الثانية؟!

كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم"
تساؤلات تلو تساؤلات تعصف بعقل أنور عبد الملك حول معنى التحرير، أو الاستقلال الحقيقي بعد أن ثبت أنّ معاهدة 1923 لم تمنع مصر من أن تصبح دولة تابعة للاحتلال الغربي والسيطرة الاقتصادية والسياسية للحليف البريطاني؟ ما العلاقة بين الاستقلال الحقيقي والنظام الداخلي السياسي؟ كيف يمكن تأمين سيادة القانون وتمثيل إرادة الشعب في البرلمان والحكم وكذا دعم الاقتصاد المصري زراعة وصناعة ومالاً؟ ثم ما العلاقة بين هذا كله والمعاني الكبرى التي أحاطت بتحرك مصر منذ منتصف القرن الثامن عشر وخاصة منذ محمد علي وثورة العام 1881 وكذلك ثورة العام 1919، وما تلاها من وثبات ثورية شعبية حادة؟ وما العلاقة بين الثورة والنهضة؟

كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية

ومع تلك القراءات العريضة اكتشف الفلسفة؛ فأحب محاورات أفلاطون، والفلسفة التساؤلية وأشعار أبي العلاء المعري والفارابي وابن سينا، واكتشف مقدمة ابن خلدون وفلسفة التاريخ الهيجيلية، وكتب الموسوعيين الفرنسيين، وبعد المقاومة البطولية للاتحاد السوفييتي والتضحيات التي قدمها الشعب السوفييتي وانتصاره على النازية، بدأ جيل كامل في الالتفات إلى تلك التجربة التنموية والعسكرية الجبارة، فبدأ عبد الملك يقرأ في التراث الاشتراكي الماركسي، ومدارسه المتنوعة التي حققت على أرض الواقع انتصارات هائلة، مثل: الماوية التى كتب عنها الصحفي الأمريكي "ادجار سنو"  كتابه: "النجم الأحمر فوق الصين"، والذي كشف حقيقة ثورة الصين التحررية.

اقرأ أيضاً: إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"
بدأ عبد الملك يجمع أصدقاءه لعقد حلقة لدراسة الاشتراكية وسبل تحرير مصر، حوارات وسجالات ساخنة جمعت الفتى وأصدقاءه حول تلك التساؤلات التي كانت عبئاً حقيقيّاً على هذا الجيل، الذي كان على موعد مع القدر والصراع ضد الدولة، والدخول معها في معركة تكسير عظام.

جلس الشاب أنور عبد الملك إلى المرشد العام حسن البنا يستمع لخطبته الأسبوعية، ويتحسس معها استجابات الجمهور ليتعرف على مشاعر وتوجهات إخوانه في الوطن.

ومع تجربته السياسية يعود إلى عالم الفلسفة، ليعيد اكتشاف هيجل ويربط مقولاته بمقولات "كتاب الموتى" المصري القديم، ومنه إلى ماركس:"لقد اكتفى الفلاسفة حتى الآن بتفسير العالم، وقد آن الآوان لتغييره"، وربط تلك المقولة بقول الله في كتابه الكريم:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" الصلة التي لا تنفصم بين الفكر والعمل.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني

وتأخذ التجربة منعطفاً جديداً حينما قابل أنور عبد الملك مفتش اللغة الإنجليزية شهدي عطية الشافعي في دار الأبحاث العلمية، ليصبح انضمامه إلى الحركة الاشتراكية واقعاً لا لبس فيه، وتدور ماكينة الاعتقال في عهد رئيس الوزراء إسماعيل صدقي، فيهرب حتى يتم الإفراج عمن تم اعتقالهم.
ويصر نسيبه الأستاذ الدكتور جرجس متى، على الاستمرار في التعليم الجامعي، فيستثنيه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من الروتين، ويلتحق بقسم الفلسفة جامعة عين شمس، ويلتقي بالدكتور عبد الرحمن بدوي في قاعة المحاضرات، ويصبح من حوارييه برغم اختلافهما، فأستاذ الفلسفة وجودي النزعة يعلي من الذاتية والفردية، والطالب ماركسي شديد الإيمان بحتمية تثوير الواقع، يقول أنور عبد الملك: "تعلمت منه، على وجه التخصيص، أنّ واجب المفكر المصري أن ينكب على أصول الفكر والثقافة الوطنية ليطورهما". وكان لبدوي الفضل في اختيار عنوان لموضوع رسالة دكتوراه الدولة في الآداب التي تمت بين (1955-1969) عن "تكون الأيديولوجيا في نهضة مصر القومية (1805-1892) بعيداً عن فلسفة التاريخ عند هيجل، الموضوع الذي استوقفه قبل أن يرى أستاذه بدوي، وينجح في فرنسا، وينضم للمركز القومي للبحث العلمي بباريس في العام 1960م، ليصبح مدرساً ثم أستاذاً للأبحاث، ثم مديراً للبحوث عام 1970.

اقرأ أيضاً: أكاديمي فلسطيني متخصص في حل النزاعات من دون إحراق المراكب
كان هدف عبد الملك من وراء أطروحته الجامعية أن يعي لماذا أقصى جمال عبد الناصر اليساريين، وأودعهم المعتقلات التي دمرت الأغلبية منهم في "أبي زعبل" ثم "الواحات"، فخرجت تلك الأفكار في كتابه "نهضة مصر".
وتتكرر نصائح عبد الرحمن بدوي لتلميذه النجيب، وينصحه أن يقرأ لمارتن هيدجر صاحب "الزمن والكينونة"، فتجذبه دراسته "ما الميتافزيقا"، ويكتشف مع هيدجر أنّ العقل أعدى أعداء الفكر، فالفكر مقولة تستوعب العقل والتحليل والتركيب والعيان الوجداني والإيمان ومنهج واقعية الإنجاز العلمي.

 كتاب "نهضة مصر"
وفي العام 1943، يجد بالصدفة كتاب "الزمان، النهر المنعش" في مكتبة الأنجلو المصرية لجوزيف نيدهام، ليجد فيه مزيجاً من التنقيب في الاشتراكية، وفي الأديان، وحضارات الشرق، والعلاقة بين التحليل الفلسفي وعلم الفيزيولوجيا والطب، ويراسل عبد الملك الكاتب، ويدعو نيدهام الشاب إلى زيارته بجامعة كامبريدج، ليكتشف معه معنى الشرق الحضاري .
وفي القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي، ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري، ويتزامن مع الحديث عن الإسلام الحضاري موجة تجديد لاهوتي وحضاري في الكنيسة الكاثوليكية، تحت عنوان لاهوت التحرير على يد الرئيس الأعلى السابق لهيئة اليسوعيين "بيدرو أروبيه"، الذي آمن بالحوار بين الحضارات والتثاقف بينهم.

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني
في العام 1963 نشر أنور عبد الملك مقالة بعنوان "الاستشراق في أزمة" في مجلّة "Diogène" (ديوجين). ألقت المقالة حجراً في بحيرة راكدة، وقوبلت بهجوم حادّ بعدما عدّها كثيرون "تصفية حساب مع الغرب". لكنّ عبد الملك التزم الصمت تجاه منتقديه حتى جاء إدوارد سعيد وأخذ الفكرة إلى آفاق أوسع. أحدثت المقالة ضجة واسعة في صفوف علماء الاستشراق الغربيين حتى أنّها أخرجت بعض العلماء عن صمتهم الذي اعتادوا عليه، فنشروا ردوداً على هذه المقالة التي تصف الاستشراق بأنّه في أزمة أخلاقية؛ بسبب صلة هذا العلم بالحملات الاستعمارية التي قام بها الغرب في دول الشرق، فكان رائداً في مجال نقد الدراسات الاستشراقية؛ وقد سببت له هذه الدراسة عزلة عميقة في الوسط الأكاديمي الغربي، لم يخرج منها سوى بالعودة إلى القاهرة.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته، ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية، مثل: ريح الشرق، في أصول المسألة الحضارية، تغيير العالم؛ رافضاً وجود قالب غربي واحد ثابت تتشكل داخله الحضارة، دون مراعاة للخصوصيات الثقافية.
توفي عبد الملك في 17 حزيرا (يونيو) العام 2012 بباريس؛ حيث كان يقيم عن ثمانية وثمانين عاماً، ليترك للأجيال من بعده تراثا فكريّاً، واجتهاداً أصيلا في معنى وشروط تقديم نموذج حضاري مختلف.

الصفحة الرئيسية