الباحث باسل ترجمان لـ" حفريات": تنظيم الإخوان دخل الموت السريري

الباحث باسل ترجمان لـ" حفريات": تنظيم الإخوان دخل الموت السريري

مشاهدة

25/10/2021

أجرى الحوار: كريم شفيق

رأى الباحث والصحفي التونسي المتخصص في الإسلام السياسي وقضايا التطرف الديني، باسل ترجمان، أنّ تنظيم الإخوان دخل مرحلة الموت السريري، بدلالة الأزمة المحتدمة والعنيفة، التي شهدتها جماعة الإخوان، المصنفة على قوائم الإرهاب في مصر وعدد من البلدان العربية.

 الأزمة الأخيرة ليست أمراً جديداً أو مباغتاً، إنّما ثمة سوابق عديدة لها، طوال تاريخها الممتد لثمانية عقود، والذي يحفل بالعديد من الأزمات والنزاعات بين القيادات، وكذا الانشقاقات والتصدعات في صفوف الجماعة، غير أنّ الثابت الوحيد في سياسات الجماعة الإرهابية وممارساتها، يتمثل في "خدمة مصالح وأطراف داخلية وخارجية".

ويرى ترجمان، في حواره مع "حفريات" أنّ "التناحر بين جبهتي محمود حسين في تركيا، وإبراهيم منير في لندن، كشف الترهّل والانهيار التنظيمي، وكذا تصاعد الخلافات والمصالح الشخصية لقيادات الجماعة على حساب (البيعة والولاء للمرشد)، وفقاً للمحددات الصارمة التي فرضتها أدبياتهم لضمان الالتزام الحركي، مما يوضح حجم المتغير التنظيمي، وانفكاك عقد الحلّ والربط، الذي كانت تسير عليه الجماعة منذ تأسيسها عام 1928".

ويلفت الباحث التونسي المتخصص في شؤون الإسلام السياسي، إلى أنّه بالرغم من كون المرشد الثاني للجماعة، حسن الهضيبي، الذي بقي في منصبه، في الفترة بين عامي 1949 و1973، كان عاجزاً في سنوات عمره الأخيرة عن تسيير شؤون الجماعة، وتسلمت المهمة دون الإعلان عن ذلك القيادية بالتنظيم، زينب الغزالي، لحين وفاته، ثم تعيين عمر التلمساني، لكن لم تشهد الجماعة حالة التناحر والخلافات للدرجة القصوى مثلما يحدث اليوم، وذلك بالرغم من الرفض والانتقاد لدور الغزالي في تسيير شؤون الجماعة.

هنا نص الحوار:

ما الذي تكشفه حالة التناحر الأخيرة بين قيادات جماعة الإخوان؟

حالة التناحر والخلافات بين قيادات جماعة الإخوان ليست بالأمر الجديد على قيادات الجماعة، الذين تتقاذفهم على امتداد تاريخهم تعدد الولاءات الخارجية، وخدمة مصالح أطراف داخلية وخارجية. الحالة الجديدة من التناحر التي انتقلت خارج قواعد الجماعة، وانتقلت من السرّ إلى العلن، تعكس حالة الأزمة القصوى التي وصلت لها الجماعة جراء ما لحقها من هزائم وهزات وسقوط خطابها السياسي الذي بنت عليه مشروعيتها عبر العقود الماضية، وقد ارتكز على خطاب المظلومية لجماعة تزعم أنّها جماعة "ربانية"، كما أدى تخلي الجماعة عن شعاراتها التي بنت عليها مشروعيتها بعد قفزها على الحكم في مصر ثم تونس وغيرها من الدول العربية وأهمها شعار "الاسلام هو الحل" إلى انكشاف براغماتيتها وانتهازيتها أمام الشارع الذي كان يتوق لذلك، على خلفية تأثره بخطاب مؤدلج لدولة إسلامية مبنية على العدل والإحسان، بحسب أدبياتها التي انكشفت تلفيقيتها، تحديداً لحواضنها الاجتماعية.

برأيك.. الصراع بين جبهتي إبراهيم منير ومحمود حسين؛ هل هو مجرد انشقاق أو تصدع تقليدي كالذي تعرضت له الجماعة خلال عقودها السابقة أم يحمل اعتبارات مغايرة؟

توصيف الحالة بين مجموعتي إبراهيم منير ومحمود حسين ليست انشقاقاً ولا تصدّعاً تقليدياً جاء جراء الانكسار الذي ضرب الجماعة بعد ثورة ثلاثين يونيو في مصر، لكن يمكن وصفه بالانهيار التنظيمي والمعنوي للجماعة؛ وهذه الهزيمة التي تلقتها الجماعة تختلف عن كلّ أزماتها وصداماتها السابقة عبر التاريخ مع أنظمة الحكم في مصر؛ ففي زمن حكم الملك فاروق اصطدمت الجماعة مع الحكومة والسلطة القائمة، ولم يكن للشعب علاقة بهذا الصدام، والأمر ذاته بعد ثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952، ثم وصول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للحكم، ومحاولة اغتياله، في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1954، في حادث المنشية المشهور، وما تبعه من تحوّل الخلاف إلى صراع مفتوح بين الجماعة والدولة.

ورغم أنّ الرئيس الراحل، أنور السادات، فتح معهم صفحة جديدة، وأطلق سراحهم من السجون، وقدم تعويضات لمن سجنوا؛ فإنّ الجماعة سرعان ما انقلبت عليه ودفعت باتجاه اغتياله، في 6 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1981. أما العلاقة بين الجماعة ونظام الرئيس الراحل، حسني مبارك، فقد تميزت بالتلاقي والتنافر حتى سقوط نظامه، عام 2011؛ ففي كلّ هذه المحطات كان الخلاف ينحصر بين الدولة والجماعة.

حالة التناحر والخلافات بين قيادات جماعة الإخوان ليست بالأمر الجديد على قيادات الجماعة، الذين تتقاذفهم على امتداد تاريخهم تعدد الولاءات الخارجية، وخدمة مصالح أطراف داخلية وخارجية

وثمة متغير مهم شهدته مصر، في الثلاثين من حزيران (يونيو) 2013، بعد نحو عام تقريباً من حكم الجماعة، وهي الفترة التي كانت كانت كافية لسقوط كل شعاراتهم ومقولاتهم، وظهور حقيقة أهدافهم الرئيسة؛ بأنّ كلّ ما يهمهم هو الاستيلاء على الحكم، واعتباره غنيمة لهم يقتسمونه على حساب الشعب، وتحقيق مصالحهم الفئوية، بالتالي، ما جرى بعد هذا التاريخ شكل متغيراً مهماً انعكس مباشرة على الجماعة؛ لأنّ الصدام هذه المرة لم يكن مع نظام حكم له قوته الأمنية ودولته التي تقف معه، بل مع الشعب والمجتمع الذي خرج مطالباً بإسقاط نظامهم ورحيلهم عن الحكم بعد ما ارتكبوه من خطايا وجرائم بحق الدولة والمواطن.

اقرأ أيضاً: هل ينتهي صراع الإخوان باغتيال أحد الخصمين؟

هذا الصدام الذي فاجأ تنظيم الإخوان، وأسقط حساباتها، لم تستعد له ولم تنفع معه الروايات والسرديات التلفيقية التي حاولوا تمريرها في كلّ أزمة مماثلة، وتكريس مبدأ "المظلومية التاريخية"، بأنّ ما يحدث بحقهم "اعتداء على الله ورسوله"، أو أنّ "دولة الكفر تعتدي على المؤمنين"؛ فكلّ هذه الشعارات والمقولات سقطت بعد أن عرّى الحكم حقيقتهم أمام الناس وتركهم عاجزين عن تكرار كذبهم، ولعب دور الضحية، كما انعكس كلّ ذلك داخل الجماعة ليخلق حالة لم تسبق لهم مواجهتها، والمتمثلة في انهيار الجماعة من الداخل تنظيمياً ومعنوياً بشكل سريع جداً.

وتبعاً للسؤال الأخير؛ كيف ترى مستقبل الجماعة من الناحية التنظيمية؟

الانكسار الذي شهدته الجماعة ارتد بشكل مباشر على الحالة التنظيمية؛ لأنّ القاعدة الأساسية للتنظيم كانت تعتمد على الأعضاء وعددهم محدود، بينما كان المؤيدون والأنصار هم الذين يشكلون القاعدة الأكبر للجماعة، كما توكل لهم المهام التي تساهم في تعزيز عمل الجماعة وبقاء قوتها.

ولعب المؤيدون والأنصار الدور الأساسي في عمليات تأمين الدعم المادي للتنظيم، بشكل مباشر أو غير مباشر؛ حيث كان التجار منهم يتكفلون بتأمين التمويل المادي للقواعد الأساسية للجماعة، وبشكل تصعب، إن لم نقل تستحيل، معرفته، كما كان الأنصار يكلفون بمهام بسيطة لا تثير في بعض الأحيان حتى اهتمامهم، مثل نقل الرسائل عبر ترديد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأخيرة تعد أحد أساليب رسائل التواصل بين مجموعات العمل في جماعة الإخوان. جلّ هذه القاعدة من المؤيدين والأنصار تفتت بعد ثورة 30 يونيو، وانهارت ثقتها تدريجياً، جراء ممارسات الجماعة عندما تولت الحكم في مصر، وإنكارها للشعارات والمواقف التي كانت تطلقها لتجييش الشارع وانطلاقها السريع في منهج التمكين في مؤسسات الحكم عبر التحالف مع منظومة الفساد التي ساهمت في ضرب الدولة، واهتزاز ثقة الشعب بها قبل سقوط نظام حسني مبارك.

 

اقرأ أيضاً: إلى أين تتجه سيناريوهات الصراع بجماعة الإخوان؟

وعليه؛ فالتنظيم دخل مرحلة الموت السريري بعد انكشاف حقيقته أمام الشارع في مصر، وسحب أدوات العمل التي كان يستغلها لبناء الخلايا الجديدة، واختراق الشباب في المدارس والمعاهد والجامعات، وكذا الشباب العاطل عن العمل أو العامل في المهن البسيطة، بالإضافة إلى تطهير المساجد التي كانت قاعات العمل الميداني للتنظيم، ويجري داخلها التجنيد والاعداد والتخطيط القاعدي للجماعة وإعادتها لدورها الحقيقي، وعادت من جديد منازل لله تقام فيها الصلاة ويتعلم فيها الناس دينهم بعيداً التوظيف الأيديولوجي والسياسي القائم على التحريض والتكفير والتجنيد.

هل تبدو ثمة مؤشرات على حدوث انفجارات أخرى داخل للجماعة أم ستكون هناك فرصة للتسوية؟

استمرار حالة الترهل وانهيار مصداقية الفكرة داخل الجماعة سيقود لمزيد من الانهيار والتنازع، خاصة أنّ النزاعات اليوم لم تعد في مستوى الأزمات في القواعد التنظيمية، بل على أعلى منصات القيادات وخارج الإطار التنظيمي المتفاهم عليه بين قياداتها، وليس خافياً أنّ الصورة التي كانت تقدمها الجماعة عن نفسها وقياداتها بأنهم كالجسد الواحد لا خلافات ولا تباينات بينهم، ويعملون ابتغاء مرضاة الله، عزّ وجلّ، قد ظهرت حقائقها وانكشفت تناقضاتها ومراوغاتها، بعد انهيار التنظيم، كما ظهر كمّ الأحقاد والخلافات التي كانت بينهم، وكان يتم إخفاؤها بشكل خبيث.

ما هو أهم من حدوث انفجارات جديدة داخل البنيان التنظيمي للجماعة، يتمثل في حالة التفكك الهيكلي للتنظيم في الخارج، فمن تورّط في الإرهاب والعنف من عناصر الجماعة يبحث عن البقاء في موضع آمن يضمن له العيش والتخفي، بينما هرب اختفى كثيرون من المشهد، خاصة من أنصار ومؤيدي الجماعة، بعد انهيارها وكشف حقيقتها، الأمر الذي نجم عنه بقاؤهم إما في حالة الولاء الصامت، أو الابتعاد الهادئ والكمون؛ وهذا سيقود لمزيد من إضعاف الحالة البنيوية للجماعة التي يكون عمادها ضمان حياة الرفاهية المادية لقياداتها والعناصر التابعة لها، لضمان استمرارية الولاء الدائم لها على أرض الواقع وليس عبر الشعارات والخطب الرنانة التي توجه لصغار العقول.

إلى أيّ حدّ يمكن اعتبار تراجع الدعم الإقليمي ووجود قوى تقليدية كانت تدعم الإسلام السياسي سبباً في متوالية الإخفاق التي تتعرض لها جماعة الإخوان والمرشحة للتفاقم؟

تراجع الدعم المادي لجماعة الإخوان هو نتيجة منطقية للفشل الذي أصاب الجماعة فيما طلب منها ضمن مشروع تقسيم وتفتيت دول المنطقة، على أسس طائفية وخلق حروب ونزاعات لا تنتهي، والسعي لتعميم منظومة من الفوضى الهدّامة في مصر وغيرها من دول المنطقة، التي ما يزال بعضها يعاني، حتى اليوم، نتائج هذا الواقع وارتداداته.

الصدام الذي فاجأ تنظيم الإخوان، وأسقط حساباتها، لم تستعد له ولم تنفع معه الروايات والسرديات التلفيقية التي حاولوا تمريرها في كلّ أزمة مماثلة، وتكريس مبدأ "المظلومية التاريخية

الدول التي موّلت التنظيم بسخاء ودفعت له أموالاً تفوق الخيال، ووضعت على ذمته كل إمكانياتها السياسية والعسكرية واللوجيستية والإعلامية، خرجت من المعركة خاسرة؛ فالمتغير السياسي والاقتصادي في مصر واضح للجميع وقدرة الجماعة على التشكيك أو توجيه ضربات على الأرض تلاشت تماماً، بالتالي، وقعت هذه الدول في أزمة بين الرهان على جواد خاسر أو البحث عن مصالحها الإستراتيجية في علاقتها بمصر الجديدة التي تغيرت عما كانت عليه قبل عام 2010، وقطعت مع كلّ ما آلت إليه الأوضاع من سوء وتراجع في أعقاب حكم الجماعة، كما أنّ القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية الجديدة لمصر صارت عنصراً ثابتاً في تقدير هذه الدول لمجمل سياستها وتعاطيها مع الجماعة، والتي تحوّلت إلى التسول للصرف على عناصرها الهاربة في عواصم الدول التي راهنت عليهم، لجهة تدمير المنطقة وإخضاعها لحكمهم ونفوذهم، وعليه، لم يعد ضمن خطط هذه الدول استكمال تمويل الجماعة والصرف على عناصرها العاطلين عن العمل والموزعين في دول العالم، أو منح أيّة أموال جديدة لقيادات الجماعة المتناحرة ليتم توجيهها وتوظيفها في حروبهم ونزاعاتهم الداخلية.

هذه الدول تسير بمنطق أنّها لا تساند الفاشلين، خاصة أنّ الجماعة نجحت، مؤقتاً، عبر سياسة الكذب والتلفيق الممنهج الذي تعتمده منذ تأسيسها، على تضخيم قوتها وعددها وعدتها، لإقناع الممولين بدفع الأموال بسخاء، لكنّ كلّ ذلك تعرّى بعد انهيار التنظيم، وجرى الكشف عن حجم الكذب والمراوغات، ولأنّهم كانوا يستعملون طرقاً ملتوية لإظهار كثرة العدد، عبر دفع مبالغ مالية لأفراد من الأحياء المهمشة في مصر، وتوظيفهم السياسي والبراغماتي لمصالحهم وأهدافهم، سواء من خلال حشدهم في الانتخابات أو بالاحتجاجات وتعبئتهم ضدّ الدولة.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون ولعبة الأواني المستطرقة.. كيف يبحث التنظيم عن بعث جديد؟

وبالتالي، دفع الأموال لا يكون لسواد عيون الجماعة، بل مقابل خدماتها، وأمام فشلها وعجزها تحولت إلى عبء على الممولين والأطراف الداعمة، والذين خفضوا بشكل كبير جداً من تمويلهم للجماعة، بينما تعاملوا مع من بقي على صلة بهم أو مقيم لديهم، بأي شكل، على أنّهم جزء من الأمر الواقع، ويجري التضييق عليهم حتى مغادرتهم، وما قامت به تركيا تجاه عناصر فاعلة ومؤثرة في الجماعة والمرتبطين بها، يعد أكبر مثال على ذلك.

هل ستتخلى تركيا، في سبيل مباحثاتها مع مصر ومحاولات التقرب، عن ورقة الإخوان، وبصيغة أخرى؛ ما الشكل المقترح للدور الوظيفي للإخوان بحسب الصياغة التركية الجديدة والمحتملة في حال استكملت مباحثاتها مع القاهرة؟

بعد أكثر من عشر سنوات على تغيير نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لمنهجه وسياساته التي كانت تعتمد قبل ذلك على الصداقة والتعاون مع دول حوض البحر المتوسط، وإنهاء حقبة ما سمّي بالعداء التركي لدول الجوار، انقلب على هذه السياسة وعاد لسيرته الأولى، بشكل أكبر، وبأسلوب مفضوح، عبر الانخراط المباشر في القضايا الإقليمية، وبالقوة العسكرية أيضاً، في العديد من دول الجوار، بالإضافة إلى محاولة السير نحو تحقيق أوهام إعادة إحياء دولة الخلافة العثمانية، وأن يضحى الخليفة الجديد المتوهم، الأمر الذي يرتبط بتوظيفه للإسلام السياسي، واستغلالهم كورقة ضغط، ولذلك يجري بعث دعاية إسلاموية على أنّ الوقت قد حان والظروف نضجت لإعادة إحياء دولة الخلافة.

السياسة الهوجاء لنظام العدالة والتنمية قادت تركيا لعزلة إقليمية، وذلك بسبب تفاقم الأزمات مع دول الجوار بشكل مباشر، فضلاً عن دول أخرى في القارات الثلاث والتي سعى نظام أردوغان إلى كسب عداوات مجانية معها؛ الأمر الذي خلق ردود فعل كثيرة سلبية ضدّه، محلياً وخارجياً، كما نجمت عن ذلك خسائر اقتصادية وسياسية وإستراتيجية هائلة لأنقرة، ووصل معدل الانهيار السنوي لقيمة العملة التركية لمعدل يفوق 40 بالمئة سنوياً، وارتفع التضخم بشكل غير مسبوق، واضطر الرئيس التركي لتغيير محافظ البنك المركزي، عدة مرات، لمحاولة تعديل أوضاع الاقتصاد المتردي.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مناورات عبثية في تونس وتسريحات داخلية في المغرب

الفشل التركي أجبر أردوغان على تعديل سياساته بقدر المستطاع؛ فبعد أن كان فخوراً بكونه عدوّ مصر الأول، ويراهن على جماعة الإخوان ومن معهم لإسقاط النظام المصري، أدرك متأخراً، أمام تراكم خسائره وخيباته، أنّ عليه القبول بخسارة حلفائه الإسلامويين، والانحناء أمام النظام المصري، وقبول ما قدمته مصر من شروط لإعادة تطبيع العلاقات السياسية بين البلدين، بحسب التفاهمات السياسية المتبعة بين الدول والقائمة على احترام سيادتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ومن بينها عدم السماح لمنصات إعلامية تابعة للإخوان في تركيا الإساءة لمصر، والتخلي عن إيواء متهمين بارتكاب جرائم إرهابية.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ مشهد الانقسام الإخواني في ضوء المتغيرات الإقليميّة والدوليّة؟

أردوغان باغتته في البداية الشروط المصرية لإعادة تطبيع العلاقات السياسية؛ لأنّه كان يعتقد أنّ رسالته للدولة المصرية بالرغبة في فتح صفحة صغيرة جديدة في العلاقات بين البلدين، ستقابل بالقبول والترحيب الفوري، بيد أنّه لم يجد مفراً سوى بالقبول التدريجي بالمطالب المصرية، خاصة أنّ الردّ المصري كان واضحاً حاسماً وصريحاً، ولم يتقدم بطلبات غير منطقية، بل قدمت في إطار عملية التطبيع السياسي بين البلدين. وكان من اللافت أن القاهرة، رغم كل العداء التركي، لم تقم باتخاذ ثمة إجراءات يمكن أن تحسب عليها، أو تسجل بأنّها انتهكت مواثيق سياستها الخارجية، فلم تسعَ القاهرة لإشعال الأزمات الداخلية بتركيا كما يحدث من الجهة الأخرى.

إذاً، ما الشكل المقترح للدور الوظيفي للإخوان، بحسب الصياغة التركية الجديدة والمحتملة، في حال استكملت مباحثاتها وتقاربها مع القاهرة؟

بين حاجتها الملحة لإنقاذ أوضاعها الاقتصادية، التي تذهب إلى مزيد التدهور، ومحاولة تخفيف سياسة العداء الأهوج المسيطر على عقل أردوغان وأحلامه بالزعامة، تتخبط السياسة التركية في خياراتها، لكن، مع اشتداد العزلة والأزمة، تفرض الرؤية العاقلة البعيدة عن شطحات المغامرة قوتها تدريجياً في المشهد السياسي التركي، ويصبح أمام رئيس تركيا خياران أحلاهما مرّ؛ إما التضحية بجماعة الإخوان، وهو الأقل تكلفة، أو التضحية بمصالح تركيا ومزيد من تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن عزلتها السياسية والإقليمية. والحلّ الأكثر إيلاماً للرئيس التركي هو تخفيف التعاون مع الإخوان، والذي لا يجد مفراً من السير مكرهاً إليه، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات التركية، والأخيرة تضع حكم أردوغان وحزبه أمام تهديدات وتحديات وجودية حقيقية، وقد تتسبب في الخسارة أمام تحالفات المعارضة التي تتشكّل ضدّ تحالفه الانتخابي مع حزب الحركة القومية. ومثلما قادتهم النجاحات الاقتصادية إلى الفوز بالحكم مسبقاً، سوف تكون عاملاً مباشراً في الهزيمة أيضاً.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية