تشييع إفريقيا.. التغلغل الناعم للولي الفقيه

إفريقيا

تشييع إفريقيا.. التغلغل الناعم للولي الفقيه

مشاهدة

21/11/2017

لم يكن لأحدٍ أن يتوقع أنّ بعض مُسلمي غرب إفريقيا، سيستبدلون، يوماً ما، مديحهم  الصوفي العذب الذي اعتادوا على ترديده عقب صلواتهم، على نحوٍ من: "اللهُ أَكْبَرُ لاَ كَبِيرَ سِـوَاهُ/ جَلَّتْ مَحَامِدُهُ وعَزَّ ثَنَاهُ/ هَادِي العِبَادِ إِلَى سَـنَى عِرْفَانِهِ/ لَــوْلاَ الـتَّفَـضُّلُ مَا اهْتَدَوْا لِسَنَاهُ"، ليذهبوا بعيداً إلى جوف الحوزات والحسينيات الإيرانية والعراقية واللبنانية، ويستعيروا منها ما يُخالف فِطرتهم وذوقهم، ووجدانهم، ونسق تدينهم المُعتاد والمتوارث، فينشدوا بحزنٍ، وهم يلطمون صدورهم وخدودهم: "رغم أنف السقيفة.. علي أول خليفة".
استغلال المُشتركات الصوفية الشيعية
بدأت الأنساق الدينية التقليدية في غرب إفريقيا، والمتمثلة في الطرق الصوفية، مثل: التيجانية والقادرية والمريدية، تتغير ببطءٍ منذ أن حلّ رجل الدين الشيعي اللبناني عبد المنعم الزين في العاصمة السنغالية داكار، صبيحة يوم خريفي ماطر، في منتصف العام 1969، بصفته رجل أعمالٍ يريد الاستثمار في ذلك البلد الإفريقي ذي الأغلبية المسلمة، فاستثمر في استمالة كثير من الشباب السنغالي المُتصوف والفقير إلى المذهب الشيعي، مُستغلاً المُشتركات الكثيرة بين المتصوفة والشيعة، خاصّة حُبّ أهل البيت والإيمان بالمهدي المنتظر، وتقديس عاشوراء، والتوسّل عبر الأولياء الصالحين، فأسّس مع بعض شيوخ الصوفية مرجعيةً دينيةً، أطلق عليها "أهل البيت النبوي"، ومن هنا بدأت عمليات التشييع الواسعة في غرب إفريقيا.

 لم تقتصر عمليات التشييع على غرب إفريقيا؛ إذ بدأت إيران أنشطة تشييع واسعة في شرق القارة

عشر سنوات مثّلت المدى الفاصل بين وصول عبد المنعم الزين إلى داكار، ووصول الخميني إلى السلطة في إيران 1979، بشعاراتٍ وطروحاتٍ خاطبت وجدان المسلمين بعودة الخلافة الإسلامية، ونصرة المستضعفين، والجهاد من أجل تحرير بيت المقدس من عبث اليهود وأنصارهم "الصليبيين"، فسنحت السانحة لعبد المنعم الزين ورفاقه من الجالية اللبنانية الشيعية، وحلفائه من شيوخ الصوفية الإفريقيين، ليسرّعوا من خطواتهم في تشييع مجتمعات غرب إفريقيا، عبر الرعاية المباشرة والدعم المالي السخي من المؤسسة الدينية الخمينية في قم، فانتشر المذهب الشيعي الذي لم يكن له وجود يذكر، وعم 17 دولةً ذات ثقل سكاني يبلغ حوالي 400 مليون نسمة، حتى بلغ عدد الشيعة في وسط إفريقيا وغربها 7 ملايين نسمة، بحسب خبر نشره موقع "شيعة نيوز" في العام 2010.
وفي السياق، ووفق ما يسمى "مجمع أهل البيت" في السنغال، الذي يُعتقد بأنّه يتبع مباشرةً للمرشد الأعلى في قُم؛ فإنّ نسبة الشيعة في السنغال وصلت إلى 5% من إجمالي عدد سكانها البالغ 12 مليون نسمة، فيما فاقت في مالي 1 % من 11 مليون نسمة، وفي غينيا بيساو بلغ عدد الشيعة حوالي 7000 نسمة من إجمالي عدد المسلمين، الذين لا يتجاوز عددهم 680 ألفاً.    

تعزيز سياسي واقتصادي إيراني مع إفريقيا
بطبيعة الحال؛ لم يتوقف التشييع على آلية التغلغل الناعم وسط المواطنين وشيوخ الطرق الصوفية وحسب؛ بل وصل إلى نافذين ووزراء ورجال أعمال، فمنذ زيارة وزير الخارجية الإيراني الأسبق منوشهر متقي، مُوفداً من رئيسه حينها، هاشمي رفسنجاني إلى السنغال العام 1990؛ حيث أبرمت بين البلدين صفقات اقتصادية كبيرة، ما دفع الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد، المعروف بتدينه وانتمائه للطريقة التيجانية، إلى زيارة طهران العام 2002، ونجم عن تلك الزيارة إنشاء مصنعٍ ضخمٍ لتركيب السيارات في داكار، وبناء حوزة الرسول الأعظم العلمية في العاصمة السنغالية، فيما ارتفعت صادرات السنغال إلى إيران بنسبة 240% عما كانت عليه من قبل.

إلّا أنّه في العام 2011 حدث ما لم يكن في الحسبان؛ حيث تدهورت العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوى لها، بعد أن قطعت السنغال علاقتها الدبلوماسية بإيران، بعد أن اتّهمتها بتسليح الانفصاليين في إقليم كازامانس، وقالت الخارجية السنغالية في بيان صدر حينها: "لقد هالنا أن يُقتل جنودنا برصاصٍ إيراني". 

ما تزال العلاقات الإيرانية بغرب إفريقيا تمضي في تنامٍ مطردٍ بفضل رجال حزب الله الأثرياء في دول تلك المنطقة

قبل تدهور العلاقات السنغالية الإيرانية، وفي العام 2010، أعلنت نيجيريا، التي تعدّ من أهم وأكبر الدول الإفريقية، أنّها عثرت على شحنة هيروين تبلغ قيمتها أكثر من تسعة ملايين دولار مصدرها إيران، كانت مخبّأة في قطع غيار سيارات، كما عثرت بجانب تلك على شحنة أخرى من الأسلحة تضمّ صواريخ ومتفجرات مخبأة في حاويات مواد بناء، وأبلغت مجلس الأمن الدولي عن ذلك.

نسبة الشيعة في السنغال وصلت إلى 5% من إجمالي عدد سكانها البالغ 12 مليوناً فيما فاقت في مالي 1 % من 11 مليوناً

رغم التراجع الكبير في العلاقات بين أهم دولتين في الغرب الإفريقي وإيران، إلا أنّ الدبلوماسية الإيرانية، في غياب نظيرتها العربية وإهمالها لإفريقيا، استطاعت أن تستعيدها مرة أخرى؛ بل وذهبت إلى أبعد من ذلك، حين استمالت موريتانيا بزيارة الرئيس الإيراني الأسبق، أحمد نجاد، لها مرتين في العام 2010، كما زار الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز طهران في العام نفسه.
تشييع تعليمي وثقافي
تعتمد عمليات التشييع في غرب إفريقيا أسلوب التغلغل الناعم في المجتمعات الإفريقية المسلمة، عبر الاستثمارات الضخمة، وتشغيل المواطنين الفقراء، ودعم كبار شيوخ الطرق الصوفية مالياً، وإنشاء المدارس الدينية الفخمة، وتقديم منحٍ للشباب للدراسة المجانية في إيران.
وفي هذا الصدد؛ كانت صحف أمريكية وإسرائيلية، منها "هآرتس"، قد نشرت تقارير في العام 2008، كشفت أنّ تجارة وصناعة الألماس في غرب إفريقيا يسيطر عليها لبنانيون متماثلون في الغالب مع حزب الله، ويعملون بدأبٍ في نشر المذهب الشيعي، وتوسيع النفوذ الإيراني في القارة، ويدعمون حزب الله بالمال الوفير، وينشطون في بناء الحوزات العلمية، والمراكز الثقافية الشيعية في تلك البقاع النائية.

لم يتوقف التشييع على آلية التغلغل الناعم وسط المواطنين وشيوخ الطرق الصوفية وحسب بل شمل نافذين ووزراء ورجال أعمال

ما تزال العلاقات الإيرانية بغرب إفريقيا تمضي في تنامٍ مطردٍ، بفضل رجال حزب الله الأثرياء في السنغال ونيجيريا وغامبيا وغينيا بيساو؛ حيث أنشأوا كثيراً من الحوزات العلمية والحسينيات، والمؤسسات التي تقدم الخدمات الاجتماعية للشرائح الفقيرة؛ بل وأسّسوا قسماً كبيراً لتدريس اللغة الفارسية في جامعة شيخ أنتاديوب إحدى أقوى الجامعات في السنغال وغرب إفريقيا، وأصدروا مجلة باللغتين الفرنسية والعربية تبشر بأفكارهم ومذهبهم.
لم يقتصر الأمر على غرب إفريقيا؛ إذ بدأت إيران أنشطة تشييع واسعة في شرق القارة؛ في السودان، وجزر القمر، وإرتيريا، وأثيوبيا، والصومال، والساحل الكيني، وزنجبار، وموريشيوس، كما أنّ هنالك علاقات تجارية مميزة مع جنوب إفريقيا، وموزمبيق، وأنجولا، ويوجد في جنوب إفريقيا حوالي 18 مؤسسة شيعية، وحسينيات وحوزات، ومؤسسات للدعم الاجتماعي.

تفعل إيران وحزب الله كلّ ذلك وأكثر في إفريقيا، فيما تكتفي المؤسسات السُنية بمعالجات لا ترقى إلى خطورة هذه التوجهات بتوزيع الكتب، والأشرطة المسجلة، والأقراص المدمجة، في مسعى لتصحيح العقيدة ونشر الدعوة الصحيحة بين المسلمين الإفريقيين الفقراء، إلى جانب التنديد بالشيعة، وكشف انحرافاتهم العقائدية، والانشغال بحثّ النساء على ارتداء الحجاب، والرجال على إطلاق اللّحى وتقصير الثياب.

 

 

 

الصفحة الرئيسية