موريتانيا: لماذا يهاجم الإخوان النظام الحاكم؟

موريتانيا: لماذا يهاجم الإخوان النظام الحاكم؟

مشاهدة

08/12/2021

بعد مرور أكثر من عامين على انتخاب الرئيس الموريتاني، محمد ولد الغزواني، تبنت خلالهما الأحزاب السياسية المعارضة سياسة التهدئة مع النظام الحاكم، انقلب حزب الإخوان المسلمين؛ الذي يمثل واجهته حزبُ التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" على هذه التهدئة، وتبنى خطاباً تصعيدياً ضد شخص رئيس الجمهورية للمرة الأولى.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في موريتانيا... الشبكة السرية

وقد يبدو للمتابع الخارجي أنّ الحزب صّعد من خطابه بعد استفحال الأزمات المعيشية التي تواجه الشعب الموريتاني، وإخفاق الحكومة في تحسينها، لكن ليست هذه الحقيقة كاملةً؛ فإخفاق الحكومة ليس جديداً، ومعاناة الشعب ليست وليدة اليوم، وما تغير هو تململ وسئم النظام الحاكم من سياسة التهدئة والمهادنة التي عاشتها المعارضة السياسية، وعلى رأسها الحزب صاحب الشعبية الأكبر؛ حزب تواصل الإخواني، وذلك ليس إيماناً من الحزب الحاكم بالديمقراطية، بل لأنّ وجود معارضة تعمل كمتنفس للغضب الشعبي هو بمثابة صمام أمان لوجود النظام ذاته.

تجمع لإخوان موريتانيا

ولهذا جاء التصعيد الإخواني ضد الرئيس والحكومة بعد المقال الذي نشره أحد قيادات الحكومة والقريب من الرئيس، مهاجماً فيه المعارضة، وداعياً إياهم للقيام بدورهم كمعارضة للنظام، وعلى إثر ذلك تلقف الإخوان الرسالة، والضوء الأخضر من النظام، وعقدوا مؤتمرات وفعاليات تحمل سقفاً عالياً ضدّ الرئيس والحكومة، بهدف امتصاص الغضب الشعبي من جانب، والبحث عن مكاسب جديدة على أكتاف معاناة الشعب من جانب آخر.

وداعاً للتهدئة

في الرابع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كتب القيادي بالحزب الحاكم، والمقرب من الرئاسة، محمد إسحاق الكنتي مقالاً بعنوان "وداعاً للتهدئة"، جاء فيه: "كنا نفهم في الأغلبية، أنّ التهدئة أسلوب للتقارب على المستوى الإنساني بين فاعلين سياسيين، بلا عداوات شخصية، ولا تخوين جماعي، على أن يحتفظ كلٌ بموقعه الذي حدده له الشعب الموريتاني إثر انتخابات شارك فيها الجميع؛ الأغلبية تحكم وفقاً لبرنامج رئيس الجمهورية، وتنهض المعارضة بدورها السياسي في الرقابة، وتعبئة قواعدها استعداداً للاستحقاقات المقبلة، مستفيدة من تجربة فشلها، ومجتهدة في تقديم برامج انتخابية تقنع بها الموريتانيين لتصبح أغلبية".

جاء التصعيد الإخواني ضد الرئيس والحكومة بعد المقال الذي نشره أحد قيادات الحكومة والقريب من الرئيس، مهاجماً فيه المعارضة، وداعياً إياهم للقيام بدورهم كمعارضة للنظام

وفي موطن آخر كتب: "لكن المعارضة استثمرت التهدئة لتأخذ إجازة تريدها معوضة! فاختفى زعماؤها من المشهد السياسي إلا في مناسبات تدعوهم لها الأغلبية، ودخل النشطاء الذين كانوا يملؤون الفضاء ضجيجاً، في سبات عميق! وضعوا أنفسهم على الصامت دون "اهتزاز" للأحداث الوطنية والدولية! وسوقوا أنهم يفعلون ذلك من أجلنا، والواقع أننا أول المتضررين، ولعلهم يدركون ذلك. فأي نظام ديمقراطي يحتاج، لحسن أدائه، إلى جناحيه؛ الأغلبية والمعارضة، ولأنّ الطبيعة لا تقبل الفراغ ظهرت "معارضات" بلا خطاب سياسي؛ مجرد وجوه على الفيس، وأصوات في الواتساب لأشخاص بلا حاضنة ولا مشروع جعلوا من السب والشتم مطية لتلويث الفضاء العام!! وفي ذلك وجدت المعارضة ضالتها".

أحد التعليقات من موريتانيا على معارضة حزب الإخوان

ويكشف المقال السابق عن قضيتين؛ الأولى تخوف الحكومة من الخطاب المعارض غير المؤسسي؛ البعيد عن قبضة الأحزاب المعارضة، والذي قد يجرّ البلاد إلى اضطرابات سياسية شعبية تُذكر بأحداث الربيع العربي، والثانية أنّ النظام سئم من استكانة المعارضة، التي تكلفه الكثير من الترضيات دون أنّ يفلحوا في ضبط الشارع.

اقرأ أيضاً: المشروع الإخواني في موريتانيا: هل هو فقاعة دعائية؟

وأثار هذا المقال جدلاً كبيراً في الساحة السياسية، ما جعل الكاتب يرد بمقال آخر، بعنوان "فوبيا الكنتي"، أعاد تذكير المعارضة فيه بحدودها ودورها، ونفى أنّ يكون الحزب الحاكم؛ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، دعاهم إلى حوار وطني، "ولن تنطلي علينا محاولة اختطاف التهدئة؛ فقد تفضل عليكم بها، وما صاحبها، فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في بادرة وطنية دشن بها مأموريته علكم تنهضون بدوركم في أجواء السكينة، فكان أن طمع بعضكم بدخول الحكومة، وطالب البعض الآخر بالحوار، وصرح آخرون بتعبهم من المعارضة".

وشدد الكنتي على أنّ ما تحدث عنه الحزب الحاكم هو عقد لقاء تشاوري في إطار سياسة الرئيس لإفساح المجال لمعارضة رشيدة، على حد قوله.

وتعليقاً على ذلك، يقول الناشط السياسي والمدون الموريتاني، محمد حافظ لوبد: "قبيل صدور مقال الكنتي، الذي يعتبر متحدثاً باسم الرئيس، كان الإخوان في تشاور مع المعارضة لعقد لقاء مع الحزب الحاكم، وحين خرج مقال الكنتي تلقفوا الرسالة، وتقمصوا دور المعارضة، لأنّ الدولة طلبت منهم ذلك، وقبل ذلك كانوا يشكرون في الرئيس والنظام، ولهذا هم شركاء في الوضع المأساوي الذي تعيشه البلاد".

مهرجان ناقوس الخطر

وبعد هذين المقالين، نهج حزب تواصل الإخواني سياسة صدامية مع الرئيس والحكومة، بعد أن كانت خطاباته الرسمية تتحدث عن لقاءات ودية مع الرئيس، وإنّ لم تخل من نقد لعدد من ممارسات الحكومة، دون إشارة صراحة إلى اسم الرئيس.

الناشط محمد لوبد: شركاء في الوضع المأساوي الذي تعيشه البلاد

ويعتبر أهم حدث قام به الإخوان، هو تنظيم مهرجان باسم "ناقوس الخطر" في 20 من الشهر الماضي، وتضمن خطابات لرئيس وقيادات الحزب، هاجموا فيها رئيس الجمهورية والحكومة، وقال رئيس الحزب، محمد محمود ولد سييدي: "الخطران الداخلي والخارجي المحدقين بالبلد، دفعا حزبنا لتنظيم هذا المهرجان، ودق ناقوس الخطر، وفي حال عدم اتخاذ إجراءات لتفادي هذه المخاطر، فإنّ حزبنا والشعب الموريتاني سيواصلون التحرك في قادم الأيام".

 

اقرأ أيضاً: تركيا تتمدد في أفريقيا عبر موريتانيا تحت عباءة الاستثمار

واستغل الحزب ذكرى الاستقلال، التي وافقت 29 من الشهر الماضي، للتعقيب على خطاب رئيس الجمهورية، وجاء في تعقيبهم: "في وقت بلغت فيه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مستويات خطيرة من الصعوبة، وأحكم المفسدون القبضة على أغلب مؤسسات الدولة، وتكرست ممارسات القمع وازداد عدد المعتقلين في السجون وتلاشت - أو كادت - الآمال التي علقها البعض على خطوات الانفتاح المحدودة التي لم تثمر سعياً جدياً لحل المشكلات، تأتي الاستقبالات الكرنفالية المهينة في روصو، وما فيها ويصاحبها من استعراضات قبلية وتعطيل للمصالح الإدارية، ومن قبل ذلك خطاب الرئيس في الاستقلال لتتوج معاً حالة إحباط كانت نذرها بادية في المشهد الوطني منذ أشهر".

الناشط محمد لوبد لـ"حفريات": الإخوان يُظهرون عكس ما يبطنون؛ فهم يلعبون على النظام والشعب. وما ينادون به اليوم من محاربة الفساد كان موجوداً منذ عامين ولم نسمع لهم صوتاً

ووجه الإخوان سهام النقد إلى شخص الرئيس: "فبدل استشعار الأزمة والحديث عن سبل حلها اختار الرئيس في خطاب الثامن والعشرين من نوفمبر تقديم صورة وردية عن الحلول المقدمة، وكأنها كانت ناجعة أو قريبة من ذلك، في حين  يكشف الواقع أنها كانت حلولاً جزئية مرتجلة فاقدة للرؤية، مكرسة في بعض الأحيان للاختلالات القائمة، وفي كل الأحوال فقد فشلت في الحد من الفقر والبطالة والهشاشة والتفاوت".

لماذا انقلب الإخوان؟

ويقول الناشط لوبد لـ"حفريات": "أقام الإخوان مهرجان ناقوس الخطر بناء على طلب الدولة، بعد أنّ ظلوا لعامين يتزلفون إلى الرئيس لنيل مكاسب، منها؛ تعيين أبناء القيادات في مناصب عليا، والحصول على رخص صيد الأسماك، وتسهيلات عديدة أخرى".

وذكر أنّ "ما يفعلونه اليوم هو متاجرة بمشاكل الناس، بحثاً عن مزيد من الصفقات الخاصة". وشدد على أنّ "الإخوان يُظهرون عكس ما يبطنون؛ فهم يلعبون على النظام والشعب. وما ينادون به اليوم من محاربة الفساد كان موجوداً منذ عامين ولم نسمع لهم صوتاً، بل كانوا شركاء فيه، ولم يتحدثوا إلا حين طلب منهم النظام الحاكم، في مسرحية ركيكة تظهر مدى تعاملهم بسخف وعدم تقدير مع بسطاء الناس من جمهورهم، الذين يخدعونهم باسم الدين".

 

اقرأ أيضاً: الخريطة الإخوانية في موريتانيا.. براغماتية المكاسب

ومن جانبه، قال الباحث في علم الاجتماع السياسي، والكاتب الصحفي الموريتاني، أحمد سالم عابدين: "اتضح للشعب الموريتاني ولكثير من المنشقين عن حزب تواصل أنّه حزب تنخره القبلية والجهوية والإثنية ولا يمثل الإسلام، وأنّه حزب خذل الشعب الموريتاني طيلة السنتين الأخيرتين كما لم يخذله أي حزب آخر".

الباحث أحمد سالم عابدين: لقد باع قادة "تواصل" الشعب الموريتاني

وتابع لـ"حفريات": "لقد باع قادة تواصل الشعب الموريتاني من أجل إشباع بطونهم وتعيين بعض قياداتهم وأبناء قادة آخرين.  ولقد خرس الحزب عن الاعتقالات السياسية التي تحدث كل يوم ويتم فيها حبس الأبرياء بسبب تعبيرهم. وأما اليوم وقد تشاجر قادة حزب تواصل ولم يجد بعضهم "البقشيش" الذي وُعدوا به فقد بدأوا يصرخون ويعلنون انحيازاً كاذباً للشعب".

وفي السياق ذاته، علق الكثير من النشطاء في موريتانيا على تبدل خطاب حزب تواصل الأخير، بتذكير الحزب بمهادنتهم ومدحهم للنظام الحاكم على مدار عامين، وتجاهل القضايا الداخلية مقابل اتخاذ مواقف وتنظيم فعاليات مناصرةً لقضايا خارجية، على صلة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وكان الرئيس ولد الغزواني تولى الرئاسة في 2019، بعد تصدر نتائج الانتخابات التي أنهت عشرة أعوام من حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وسبق ذلك عقد الانتخابات التشريعية في 2018، وتصدر فيها الحزب الحاكم النتائج، بعدد 67 مقعداً، وحصد حزب تواصل الإخواني 14 مقعداً، ويتكون البرلمان الموريتاني من غرفة واحدة، وهي الجمعية الوطنية، وتتكون من 157 مقعداً.



الصفحة الرئيسية