هل تنقسم حركة النهضة الإخوانية إلى حزبين؟

هل تنقسم حركة النهضة الإخوانية إلى حزبين؟

مشاهدة

12/09/2021

يقف رئيس حركة النهضة الإخوانية في تونس راشد الغنوشي عاجزاَ أمام التطورات الكبيرة والمتسارعة في المشهد السياسي، منذ الإعلان عن الإجراءات الاستثنائية التي أقرها الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز (يوليو) الماضي ورفضها الغنوشي وجماعته، لكنه لم ينجح في حشد الشارع ضدها، وفي المقابل التفت القوى السياسية بما فيها المتحالفة مع النهضة في الماضي خلف قرارات الرئيس، وهو ما وضع الحركة ورئيسها في مأزق حقيقي.

وبالرغم من المحاولات المتتابعة من الغنوشي لاحتواء الموقف، والتي بدأت بدعوة أنصاره للتظاهر أمام البرلمان لرفض القرارات، إلا أنه وجد نفسه يقف منعزلاً مع عشرات من عناصر حزبه، بينما احتفل عشرات الآلاف من مؤيدي القرارات الاستثنائية في مختلف أنحاء البلاد.

  يرى مراقبون أنّ حركة النهضة قد تنقسم إلى حزبين سياسيين إذا أصر الغنوشي على الاستمرار في منصبه

وخلال الأربعين يومياً الماضية أصدر الغنوشي عدة قرارات وتصريحات اتصفت جميعها بالتناقض والعشوائية، كان أبرزها التلويح بالعنف ثم العودة للاعتراف بالخطأ، فضلاً عن الصراع الداخلي الكبير بين عناصر التنظيم المطالبين بإقالته، ما دفعه إلى حل المكتب التنفيذي للحركة.

محاولات فاشلة لاحتواء الغضب

ولعل أبرز محاولات حركة النهضة للتعاطي مع أزمتها، كانت عقب أسبوعين من القرارات الاستثنائية في البلاد، منتصف آب (أغسطس) الماضي، حين أعلنت عن تشكيل لجنة لإدارة الأزمة برئاسة القيادي محمد القوماني، وذلك في ختام أعمال مجلس الشورى العام في دورته الـ52، وأعربت عن التفاعل الإيجاب مع قرارات رئيس الجمهورية لاستكمال المسار الدستوري والسياسي في البلاد.

ولم تنجح أي من محاولات الغنوشي في تحقيق الهدف المرجو منها، لكنها أشبه بالتخبط في الموج، بالعكس زادت من حدة الصراعات الداخلية والغضب الشعبي ضده، ووصفها مراقبون بأنّها وصلت به إلى طريق مسدود، وأنّه سيجبر على تقديم استقالته لا محالة.

وحول مستقبل حركة النهضة، التي تمر بأزمة تاريخية غير مسبوقة، يرى المراقبون أنّها قد تنقسم إلى حزبين سياسيين؛ إذا أصر الغنوشي على الاستمرار في منصبه، ووفقاً للمحلل السياسي التونسي بلحسن اليحياوي فإنّ الحركة قد تلجأ لهذا الخيار لمحاولة احتواء غضب الشارع التونسي، وإيجاد مساحة بديلة لنفسها في الوسط السياسي في ظل حالة الغضب الشعبي الكبير ضدها والتي أدت لتراجع شعبيتها.

إعادة التموضع

يقول اليحياوي إنّ "ثمة سيناريوهات عديدة فيما يتعلق بمستقبل الحركة، لكنها في الوقت الحالي تسعى بشكل كبير لكسب أرضية سياسية تمكنها من الاستمرار في المشهد السياسي التونسي، خاصة أنّها فقدت الحاضنة الشعبية لها، وكذلك تحالفاتها السياسية، وهو ما ظهر جلياً خلال الأسابيع الماضية، ومنذ الإعلان عن قرارات الرئيس التونسي في 25 تموز (يوليو)".

 خلال الأربعين يومياً الماضية أصدر الغنوشي عدة قرارات وتصريحات اتصفت جميعها بالتناقض والعشوائية

ويؤكد المحلل التونسي، في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ "حركة النهضة تواجه موجة عنيفة من عدة أزمات مركبة، فبينما يشتد الصراع الداخلي بين قياداتها وتشهد انشقاقات، ومطالبات مستمرة للغنوشي بتقديم استقالته، تواجه أيضاً حالة من الغضب الشعبي جراء سياستها الخاطئة بحق الشعب التونسي، وما اقترفته من أخطاء جسيمة كان أهمها تقديم الولاءات الخارجية على المصالح الوطنية".

سيناريوهات العنف ما تزال مطروحة

وبالرغم من محاولات حركة النهضة الحثيثة خلال الفترة الماضية لإبعاد شبهة العنف عن نفسها، خاصة أنّ حالة من الغضب تسيطر على الشارع التونسي بسبب تهديدات بعض قيادات التنظيم الدولي للإخوان وأبرزهم الليبي خالد المشري للتونسيين، فضلاً عن استمرار التهديدات الخاصة بتسلل المرتزقة والمتطرفين إلى داخل البلاد بمساعدة النهضة، وفق تقارير أمنية، بغرض إثارة الفوضى، لإجبار المؤسسات على الدخول في حوار تفاوضي.

وترجح دراسة صدرت حديثاً عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أن تقبل النهضة على أعمال عنف خلال الفترة المقبلة خاصة في ظل حالة التضييق عليها.

"الإسلام الغاضب"

تقول الدراسة إنه "في الوقت الذي يرى فيه كثير من المتابعين أنّ قرارات 25 تموز (يوليو) الماضي وضعت حداً لتغلغل تيار الإسلام السياسي الإخواني ممثلاً فى حركة النهضة في مفاصل أجهزة الدولة التونسية ومؤسساتها، فإنّ ذلك لا يمنع، بالرغم من كل شيء، من التساؤل عن خطر تسرب أو عودة ما يُسمى بـ"الإسلام الغاضب"، كما أطلق عليه الغنوشي، زعيم النهضة، عند حديثه عن تورط بعض الشبان الإسلاميين من النهضة ومن التيار المرتبط بها فى العنف والإرهاب، إلى المشهد العام، فى ظل الأزمة الراهنة، وما يمكن أن تخلفه من ثغرات تسمح بتنفيذ هجمات إرهابية على غرار ما حدث فى مناسبات سابقة خاصة العام 2015 الذى شهد ما لا يقل عن 3 هجمات دموية، أبرزها الهجوم على متحف باردو، وعلى منتجع سياحي في سوسة وسط البلاد، وعلى حافلة للأمن الرئاسى وسط العاصمة تونس، والتي خلّفت عشرات القتلى والجرحى.

مدخل للحركات المتطرفة

وتوضح الدراسة الوضع الناجم عن قرارات 25 تموز (يوليو) الماضي، يمكن أن يتحول إلى مدخل للحركات المتطرفة للعودة إلى تونس من جديد، وهو ما يُبرِر مثلاً، حسب بعض التقارير المحلية، محاولة تسلل القيادي الداعشي أبو زيد التونسي، قبل نجاح استخبارات الحرس الوطني في القبض عليه يوم 29 تموز (يوليو) الماضي، وقالت هذه التقارير إن أبو زيد التونسي عاد إلى تونس من الخارج، مكلفاً بمهمة تجنيد عناصر جديدة لتنفيذ عمليات إرهابية في تونس، ما يوحي بأنّ جهات عدة تسعى إلى استغلال الوضع الجديد لصالحها بما يلائم أهدافها وأجندتها بالاستناد إلى المعطيات على الأرض.

كما أشارت الدراسة إلى أنّ مصطلح "الإسلام الغاضب" الذي أطلقه الغنوشي، عند حديثه عن تورط بعض الشبان الإسلاميين من النهضة ومن التيار المرتبط بها في العنف والإرهاب، بمثابة إشارة أو ضوء أخضر للعناصر الإرهابية لتنفيذ عملية عنف وشغب، في ظل الأزمة التونسية الراهنة.

وأوضحت الدراسة أنّه يمكن أن يُلاحظ أنّ عدداً كبيراً من قيادات الحركة الإسلامية في تونس من النهضة إلى داعش، وصولاً إلى فروع السلفية الجهادية، من أبناء هذه المنطقة التى شكلت على مر تاريخ تونس، خاصة بعد الاستقلال، معقل المعارضة من جهة، وأقل المناطق حظاً فى التنمية والرفاه، وراشد الغنوشي وأقرب مساعديه من ولاية قابس المحاذية لولاية مدنين (جنوب شرق تونس)، وعلي العريض وشقيقه عامر، القياديان البارزان في النهضة، من ولاية مدنين، مسقط رأس القيادي المتطرف الآخر في النهضة عبدالمجيد النجار، رئيس فرع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس، وبالنظر إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية في هذه المناطق الجنوبية التي تتميز بالروابط العشائرية والقبلية التي تربط أبناءها، فإنّ من شأن ذلك تبرير بعض الانتشار لرموز الإسلام السياسي فيها بالولاءات العشائرية أو القبلية أيضاً، ما يعني أنه انتماء قابل للتمدد عند الأزمات والمشاكل، إلى مدى خطير أحياناً، ممثلاً في هذه الحالة في اللجوء إلى الإرهاب والعنف.

الصفحة الرئيسية