قواعد الفكر الإخواني (39): ترويج الأوهام لاستلاب العقول

الإخوان المسلمون

قواعد الفكر الإخواني (39): ترويج الأوهام لاستلاب العقول

مشاهدة

10/10/2018

جرياً على نهج الازدواج لدى جماعة الإخوان المسلمين في المنطق والخطاب، لا يكاد الباحث يعدم الإشارات الدالة لدى الجماعة، في الحضّ على شيء ونقيضه في الوقت ذاته، في هذا السياق؛ تبرز بعض مقولات الجماعة التأسيسية التي تصنع أفكار أعضائها، ولعلّ رسالة التعاليم من أكثر الرسائل تأثيراً في مفاهيم الجماعة، حتى اليوم، بما أسماه حسن البنا "الأصول العشرين لركن الفهم"، أحد أركان البيعة العشرة لديه، التي يقسم الأعضاء على احترامها والعمل بها ما أمكن.

أوهام تحرير العقل

في أحد هذه الأصول، يقول البنا بوضوح، في الركن الثامن عشر: "والإسلام يحرّر العقل، ويحثّ على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحّب بالصالح النافع من كلّ شيء، والحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها".

اقرأ أيضاً: كيف صنع نظام الأسر مجتمع الجماعة الموازي؟

يبدو النصّ قاطعاً في إعطاء مكانة عظيمة للعقل، وتحريره من الأساطير والأوهام، تحت أيّ مسمّى، كما يبدو محتفياً بإنجازات العلم في كافة المجالات، يحثّ الأعضاء على تحرير هذا العقل من الأساطير والخرافات، وتعويده على التأمّل والتفكير، محتفياً بالعلم والعلماء؛ فهل كان انعكس ذلك على واقع الإخوان فعلاً؟

المدقق في أدبيات الجماعة نفسها، يجد أصلاً آخر من أصول الفهم، يبدو أنّ البنا وضعه عامداً، كي يفتح الطريق أمامه لتحييد عقول الأعضاء، لتحتل الأسطورة مكان العقل والمنطق، في تسييرهم وإقناعهم بكل ما يخالف مقتضيات العقل والمنطق.

مَن يتابع كلّ محن الجماعة والمشاهد المتكررة من الفشل، يندهش كيف استطاع الإخوان الحفاظ على وجودهم كل تلك الأعوام! لكن يبدو أن ما ساهم في بقاء التنظيم، فضلاً عن المظلومية وأخطاء الحكومات في مواجهة الجماعة، يأتي عامل الأساطير، أو الأوهام التي تسلّلت إلى عقول وعواطف الأعضاء، عبر بعض القيادات، بدءاً من حسن البنا وحتى اليوم.

ساهم عامل الأساطير والأوهام في بقاء التنظيم فضلاً عن المظلومية وأخطاء الحكومات في مواجهته

يقول البنا في رسالة "التعاليم"، في الأصل الثالث من أركان الفهم: "وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة، يقذفها الله في قلب مَن يشاء من عباده، لكنّ الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية، ولا تعدّ كذلك إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه".

تأمّلُ هذا النصّ جيداً يقود إلى أنّه يبدأ بمُسلّمة صحيحة: أنّ من ثمرات الإيمان الصادق والعبادة الصحيحة، أن يشعر المؤمن بحلاوة الإيمان، التي تعني نوعاً من الطمأنينة أو السعادة الداخلية، لكنه يلفت مباشرة إلى أمر أخطر يريده البنا من هذا الأصل؛ هو أنّ الإلهام والخواطر والكشف، وهو مصطلح صوفيّ، يعني أن يكشف الله لك الحجب، فترى ما لا يراه الناس من غيب، صحيح أنّها ليست من أدلة الأحكام الشرعية، بمعنى أنّها لن تحلّل حراماً ولن تحرّم حلالاً، الأمر الذي يبقى من عمل النصوص قطعية الثبوت والدلالة، لكنّه يطرح، في المقابل، سياقاً آخر تتحول فيه الرؤى والأحلام والكشف إلى أدلة معتبرة، باعثة على بعض الخيارات في حركة الجماعة السياسية وتسييرها للأعضاء.

اقرأ أيضاً: هذه ملامح الانقلاب الذي دعا إليه البنّا

النصّ، قرآناً وسنّة، لم يتعرض لشكل الحياة السياسية أو الخيارات أو الثورة، أو استخدام العنف في العملية السياسية، أو شكل الدولة، ومن ثم تصبح خيارات القيادة التي تتوسّل بالرؤى والأحلام الطريق لتقديس القيادة، واعتبارها ملهمة، لا يأتيها الباطل من يديها أو خلفها، كما في وصف التلمساني للبنا بالملهم الموهوب، وكيف كان يقول إنّه بين يديه كالميت بين يديّ مغسّله، معتبراً أنّ هذا هو السياق الصحيح للعلاقة بين العضو والقيادة.

إلهام وموهبة هي القيادة، وبالتالي هي مؤهلة لأن تأمر الأعضاء بأي شيء متوسّلة بالرؤى، التي هي رؤى الصالحين، التي ليست من أدلة الأحكام الشرعية، لكنها في مساحات الحياة الواسعة ستصنع القرار حتى لو خالفت العقل والمنطق.

رؤى عجيبة بالجملة!

يحكي بعض قدامى الإخوان؛ أنّ أحد قيادات الجماعة كان متزوجاً من سيدة لا تنجب، وهمّ بطلاقها، فذهب ليستشير حسن البنا، فقابله على سلّم مكتب الإرشاد، وقبل أن ينطق الرجل بشيء، بادره البنا قائلاً: "يا حسن، أمسك عليك زوجك"، فالتقط الرجل الإشارة الربانية التي حملها منطق البنا، وأمسك زوجته، فلم يطلّقها، فأنجبت له غلاماً بعدها!

يتداول الإخوان حكايات منافية للعقل عن البنا وقيادات الجماعة ترفعهم إلى مرتبة الولاية

يروي الرجل الحكاية، وتتداولها ألسنة الإخوان، كي تحوّل القيادة إلى شخصية مقدّسة، لا يوحَى إليها نعم، لكنّها موصولة بالله، لها مرتبة الولاية، ومن ثمّ فهي ترزق بالكشف والرؤى والأحلام.

هذا الأمر أحد ميكانزمات الجماعة في الحفاظ على التماسك التنظيمي في المفاصل الأهم من تاريخها، فحين تتواتر أدلة الواقع لترشد الجماعة إلى طريق لا تريده القيادة، تتكفل الرؤى والأحلام بإقناعهم بطريق آخر.

اقرأ أيضاً: بين الأمس واليوم..هل كانت الجماعة وفيّة لمبادئها؟

يروي أحد سجناء الإخوان؛ أنّ سجيناً من جماعته كان يؤدّي خطبة الجمعة للمصلّين من زملائه الإخوان، وعطف في خطبته على قصة سراقة بن مالك؛ الذي خذله فرسه فتعثّر، وهو يطارد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، في رحلة الهجرة، طمعاً في الجائزة المالية التي رصدتها قريش لذلك، ولما أيقن فشله، وعده الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، بسواري كسرى، إن عاد أدراجه، وتحقّق الوعد بعد أعوام في عهد عمر، رضي الله عنه؛ فقد فتح المسلمون بلاد فارس.

هنا عقّب الخطيب الإخواني قائلاً: "إني لو أخبرتكم، أيها الإخوان، أنّ الله سينصركم، وأنّكم ستحكمون أمريكا، وتدخلون البيت الأبيض، أكنتم مصدّقيَّ؟ يردف صاحب الحكاية قائلاً: "رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، كان يتكلّم نقلاً عن ربّه الذي أوحى إليه ذلك الأمر، ومن ثمّ كان تصديق النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، من علامات الإيمان، وكان الشكّ في وعده من علامات النفاق، فما الذي يملكه الخطيب الإخوانيّ، حتى يعد الناس بذلك الوعد! هل يوحى إليه مثلاً، من أين يستمد هذه الثقة في تمكّن الإخوان من حكم أمريكا، من الذي علّمه هذه الجرأة العجيبة على هذا الهذيان، شتّان بين وعد نبيّ كريم يوحى إليه، وشخص لا وزن له اعتاد تكرار ترّهات جماعة أبرمت مع الفشل عقداً أبدياً".

لم ترتدع الجماعة عن عدم احترام العقول كما أثبت اعتصام رابعة الذي حفل بالوعود والرؤى العجيبة

انتهى هذا الاقتباس عن العضو السابق بالجماعة، عمرو عبد الحافظ، وهو أحد الشباب الذين يحاولون تقديم مراجعات جادة وصادقة لأفكار جماعة لم تراجع نفسها أبداً، ولم ترتدع عن هذه السلوكيات التي لا تحترم العقول كما أثبت مسرح اعتصام رابعة العدوية، الذي حفل بأمثال هذه الوعود من الأوهام والأساطير.

ومن قبيل هذه الحكايات العجيبة ما قصّه أستاذ التاريخ الإسلامي، د.جمال عبد الهادي، عن أنّ بعضاً من الإخوان رأوا في المنام الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وحين قاموا ليصلّوا خلفه إماماً، قال لهم: بل قدّموا الرئيس محمد مرسي ليكون إماماً، بكل هذه البساطة تقول هذه "الرؤيا الصادقة" إنّ خاتم النبيين الذي أمّهم في الصلاة في المسجد الأقصى، في رحلة الإسراء والمعراج، يقدّم محمد مرسي للإمامة!!

اقرأ أيضاً: كيف استغل حسن البنا الشباب؟

رؤية أخرى تحدّث فيها عبد الهادي ليبشر الإخوان بأنّ هذه الأزمة ستنتهي لصالحهم، يتحدث فيها عن حالة صعبة، كاد يهلك فيها الناس والأنعام من الجوع والعطش، فخرجت ساقية ضخمة من الأرض، طولها عشرة أمتار، تقلّب الأرض وتنبت الماء والزرع، وانطلق صوت يقول: "ارعوا إبل الرئيس محمد مرسي"، ثمّ حثّ الناس على أن يبلّغوا تلك الرؤيا للرئيس، ليبشّروه بقرب النصر!

اقرأ أيضاً: هل الإخوان قوم عمليّون؟

لا تكاد جعبة الإخوان تنتهي؛ فهذا عضو آخر يروي رؤية أخرى، عن أنّ النبيّ، صلّى الله عليه وسّلم، نام على رجليه، وأنّه قام ليحرس الرئيس مرسي؛ الذي كان برفقتهم، فقال له مرسي: "الله حافظنا"، ليردّد الجمهور معه العبارة، وتطمئن نفوسهم لتلك الهاوية التي انحدروا إليها، بفعل سلطان الأسطورة التي نسجتها القيادات عن نصر الله القريب، البشريات التي تتوسّل بالأحلام، متنكرة لحقائق الواقع، والتي تنتحل فيها القيادات صفة الأولياء الذين يتلقون عن الله، عز وجل.

اقرأ أيضاً: جذور الحاكمية عند حسن البنا

تحتلّ الأسطورة مكانها الراسخ في عقول الأعضاء، وهي تكنيك قديم ومكرّر، لجأ إليه البنا وعلمه للقيادات من بعده، وما يزال يحدث أثره فيما تبقى من عناصر الجماعة، الذين ما يزالون مخلصين له، ضاربين عرض الحائط بالأصل الثامن عشر، عن تحرير الإسلام للعقل، وليس اعتقاله خلف الأساطير والأوهام، كما فعل البنا وفعلت الجماعة من بعده.

الصفحة الرئيسية