اليمن.. من "الحزم" إلى الحسم

اليمن.. من "الحزم" إلى الحسم

مشاهدة

12/04/2022

وأخيراً... وبعد أعوام من الجدل العقيم من فشل "قُمرة القيادة" السياسية، حطت عصا الترحال، أو تمّ قسرها على ذلك، من قبل الشعب اليمني الذي فقد ثقته بها، وصار تائهاً بلا قائد يضبط مساره، بعد أن وصل الجميع إلى مفترق طرق.

إنّها حالة يمنية بامتياز درج عليها اليمنيون في القرن الـ20، وحتى القرن الجديد، ولم يشذّ عنها رئيس حاكم يمني واحد قط، لا في الشمال ولا في الجنوب.

في الشمال: انتهى أمر الإمام يحيى صريعاً عام 1948، كما خرّ رأس الإمام الدستوري الذي تلاه "عبد الله الوزير" تحت ظلّ السيف عقب انقلاب فاشل، لم يدم شهراً واحداً، وكذا الإمام الجديد في انقلاب 1955، ثم وفاة الإمام أحمد حميد الدين عام 1962 في تعز، متأثراً بجراحه من محاولة اغتيال في الحديدة قبل ذلك، ثم خلع نجله الإمام البدر بعد أسبوع واحد من إمامته في العام نفسه، ثمّ الانقلاب على الرئيس السلال في 1967 من قبل الرئيس الإرياني، فانقلاب الحمدي على الرئيس الإرياني في حزيران (يونيو) 1974، فانتهاء بالرئيس الحمدي قتيلاً عام 1977، ثمّ الرئيس الغشمي قتيلاً بعده بعام، فالرئيس علي عبد الله صالح قتيلاً، بصورة لم تكن تخطر على بال أحد، في 2017.

اقرأ أيضاً: مشاورات الرياض تبدأ صفحة جديدة في تاريخ اليمن

وفي الجنوب، بعد قيام ثورة تشرين الأول (أكتوبر) 1963 اعتُقل قحطان الشعبي بعد عامين، وظلّ في السجن حتى العام 1981، وقُتل الرئيس الثاني بعده سالم ربيع علي عام 1978، ثمّ عبد الفتاح إسماعيل الذي قتل، كما قيل في تقرير رسمي، عام 1986، ثمّ الرئيس علي ناصر محمد الذي خُلع ونُفي إلى خارج اليمن الشمالي، ثمّ علي سالم البيض الذي نفي إلى خارج الوطن عقب إعلانه انفصال جنوب الوطن عن شماله قبل حرب صيف عام 1994، وأخيراً الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي تمّت مطاردته إلى خارج الوطن، وتمّ نقل السلطة بعد ذلك إلى مجلس قيادة رئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي، وعضوية (7) آخرين.

هذه هي الحالة اليمنية خلال القرن الـ20، وخلال ما مضى من القرن الـ21، حالة من الجدل واللّا استقرار، ولا ندري ماذا يخبّئ القدر للزعماء القادمين في العقود القادمة.

على أيّ حال، وضعت مشاورات الرياض حدّاً فاصلاً لمرحلة سابقة اتسمت بالضّعف والفساد، ومن الصعب الحديث عن مرحلة ما بعد التشاورات التي نعيش أصداءها ولحظاتها الأولى اليوم، غير أنّ التفاؤل بها كبير في الأوساط العامّة، بعد أن وصل الشعب إلى حالة غير مسبوقة من الوضع المعيشي والسياسي. وقد بذل الإخوة في مجلس التعاون الخليجي ـ وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ـ جهوداً استثنائية في التوصل إلى الحلّ اليمني ـ اليمني، وإلى صيغة سلام جامعة تعيد للدولة اعتبارها، موجهين الدعوة لكلّ فرقاء العمل السياسي، وجميعهم لبّى الدعوة وحضر، ما عدا الحوثي، المرتهن سياسياً وإيديولوجياً إلى إيران، لأنّه ليس جماعة سلام، وليس رجل دولة في الأساس!

اقرأ أيضاً: اليمن.. خطوة على طريق الألف ميل

فيما بين 29 آذار (مارس) إلى 7 نيسان (أبريل) استطاع المتشاورون اليمنيون في مقر مجلس التعاون الخليجي التوصل إلى صيغة نهائية من الوفاق السياسي، وهي صيغة مهمّة جداً، بعد أن تمترس فرقاء العمل السياسي داخل منظومة الشرعية، كلٌّ منهم خلف أجنداته الخاصة، والواقع أنّ كثيراً من خلافات الداخل، هي في حقيقتها تبع لأجندات الخارج؛ لأنّ ثمّة لاعبين إقليميين ودوليين متعددين حاضرون في الشأن اليمني، ويبدو أنّ اتفاقهم مؤخراً جاء نتيجة تفاهمات اللاعبين الكبار في الخارج أوّلاً قبل اتفاق اليمنيين أنفسهم. بعض أجندات هؤلاء اللاعبين تتنافى ومصالح الشعب اليمني، وأيضاً المملكة العربية السعودية التي تُعتبر محلّ ثقة اليمنيين ومرجعيتهم الكبرى.

نحن اليوم أمام مرحلة جديدة تقتضي من مجلس القيادة الجديد الإجابات الإجبارية عن الأسئلة التي ضاعت بين منعرجات التيه خلال الأعوام السابقة، لا سيّما أنّ كلّ أنظار اليمنيين في الداخل والخارج مصوّبة إليه، من بين هذه الإجابات استعادة الدولة أوّلاً في إنهاء الانقلاب، بأيّ كلفة كانت؛ سلماً أو حرباً، وما لم يعمل هذا المجلس على مغايرة الفترة السابقة، فسيؤول حتماً إلى الفشل الذي وصلت إليه، ونربأ به أن يفشل.

اقرأ أيضاً: اليمن: كيف سيتعامل مجلس القيادة الرئاسي مع الحوثيين؟

خلال فترات التشاور لطالما ردّد علينا الإخوة الخليجيون: الحلّ يمني ـ يمني، ونحن مُيَسّرون لكم لما تتوصلون إليه، وما توصلتم إليه فنحن داعمون، وهو ما يعني وضع "قمرة القيادة" الجديدة أمام مسؤولية كاملة تجاه وطنهم، دون تدخل منهم، إلّا ما يضمن إنجاح أيّ خطوة يتمّ اتخاذها في طريق الحلّ وتحقيق السلام، باعتبار هذه المحطة ـ كما نلمس ـ آخر محطات المحاولات التي سبقتها، وفشلت جميعها. 

الصفحة الرئيسية